البعد التاريخي للصراع الطائفي بين السُنَّة والشيعة 1/5

غازي الصوراني
2016 / 5 / 26


26/5/2016

 
منذ أن أعلن النبي محمد رسالته الحاملة للدين الإسلامي، وحتى لحظة وفاته ، سادت الأفكار والمفاهيم والقيم التي تحض على العدل والتسامح والمحبة والمساواة بصورة عامة، وبعد وفاته عام (11هـ)، بدأ العد التنازلي لقيم العدل والمساواة والشراكة في الاجتماع الذي عُقد في سقيفة بني ساعدة في المدينة ، فمنذ ذلك الاجتماع، وعلى أثر الاختلاف بين الانصار والمهاجرين وعمر بن الخطاب، أعيد إنتاج الأفكار والنزعات المعبرة عن مصالح النخب القبلية والعشائرية ما قبل الإسلام ، لكن تلك الافكار والنزعات لم تتمكن من الانتشار والتأثير بفضل الدور الذي لعبه ابو بكر الصديق في مواجهتها بالقوة كما جرى في حروب الردة ، وبوفاة ابو بكر بعد عامين على توليه الخلافة (634-636م) ، بدأ عهد عمر بين الخطاب الذي استمر على رأس الدولة الاسلامية منذ عام (636-646م) ، تميزت عموما بالعدل والاستقرار الاجتماعي في معظم ارجاء الدولة الاسلامية التي توسعت في عهده .
 وبوفاة الخليفة ابن الخطاب (عام 646م ) تولى من بعده عثمان بن عفان لمدة 12 عام بين الفترة من (646م-657م) كانت حافلة بالمتغيرات "الطبقية" والسياسية المنحازة لأقاربه وأنسبائه من بني أمية ، مما أدى الى تراكم الثروات في اوساطهم وأوساط القبائل الحليفة لهم ، في مقابل تزايد مساحات الفقر والظلم لدى غالبية المسلمين في مجمل أركان الدولة الاسلامية ، فكانت الثورة على عثمان ومقتله عام 657م تمهيدا للصراع بين معاوية بن ابي سفيان وعلي بن ابي طالب واعلان الدولة الاموية بعد معركة صفين ، وبداية مرحلة جديدة في التاريخ الاسلامي بقيادة الدولة الاموية ، تميَّزت بالكثير من مظاهر الاستبداد والتراجع عن قيم العدل التي سادت في المراحل السابقة ، واستعادت النخب القبائلية لدورها بعد ان اصبح نظام الحكم في الدولة الاموية ملكيَّاً وراثياً نقيضاً لجوهر الدين الاسلامي ورسالته .
وبسبب عودة الاستغلال والتمايز "الطبقي" في اطار المجتمع القَبَلي ، حدث انقسام سياسي في المجتمع ، حيث تشكلت معارضة ضد نظام الحكم ، مكوَّنة من طبقة الفقراء والعبيد والموالي والمقصيين عن المشاركة في الحكم ، متخذةً من علي بن أبي طالب زعيماً روحياً لها ، وظلت تلك المعارضة تطالب بما اعتبرته حقاً مشروعاً لأسرة بني هاشم من قريش في خلافة الرسول، وهو ما عُرِف ظاهريا بالتشيع لآل البيت النبوي .
أما ظهور السُّنة أو التسنين ، فلم يكن إلا غطاءً تبريرياً لمساندة بني أمية ، وشرعنة استحواذهم على السلطة وإنحرافهم بالرسالة الدينية لحساب السياسة والمصالح العائلية ، وتأسيس وتوسع الدولة الأموية . إذ اعتبرت الطبقة الغنية من بني أمية، استحواذها على السلطة دون بني هاشم ، حقاً مشروعاً محصوراً في بني أمية من قريش، كونهم يمتازون عن بني هاشم بالمال والنفوذ والغلظة كما تقول التبريرات، وأصبح لدى كل طرف أو فريق فقهاء من الصحابة ومن غيرهم ، يدعمون دعوته ولو بالتفسير التعسفي لآيات القرآن وبما كانوا يصفونها بأحاديث نبوية .
هكذا انفجر الصراع واستمر بين طائفتي السنة والشيعة، وتداولت الطائفتان السلطة هنا وهناك حتى تكونت في رأس هرم كل منهما طبقة غنية تمتلك ثروات طائلة ، بذريعة الانتماء والدفاع عن مصالح الطائفتين (السنة والشيعة) وهو الصراع الممتد حتى اللحظة الراهنة، ويُدار في كل دورة من دوراته بأدوات العصر الذي ينشأ فيه.
وفي هذا الجانب ، فإن من المهم أن ندرك طبيعة هذا الصراع، الذي لا يعكس صراعاً طبقياً بين طبقة سنية غنية ظالمة وأخرى شيعية فقيرة مظلومة كما يحاول البعض أن يفسره، بل صراع يقوده الرأسان الغنيان الواقعان في قمة هرم الطائفتين واللذان يمسكان بزمام السلطة والثروة. إنه صراعٌ على المال والسلطة والنفوذ في إطار "الطبقة" أو العشيرة الغنية الواحدة في كلتا الطائفتين، فكل رأس يريد أن يُقصي الآخر، دون أن نتجاوز بعض الطروحات أو المبررات الدينية المقبولة في تلك المرحلة من قبل علي بن أبي طالب والحسين والشيعة عموماً فيما بعد من ناحية، ودون أن نتجاوز المصالح "الطبقية" لدى الأسرة الأموية وممارساتها الظالمة ضد علي وأولاده وأحفاده، وهي ممارسات انطلقت في سياق بناء الدولة الإسلامية الأموية التي لا يمكن انكار دور الأمويين في توسعها وانتشارها من ناحية ثانية.
وإذا كنا نتفق على أن التاريخ الإسلامي شهد منذ ما بعد اجتماع سقيفة بني ساعدة، بروز حالة من النزاعات والاختلافات ذات البعد المصلحي أو "الطبقي" بالمعنى العشائري ، فقد كانت الخلافة هي أساس ذلك الانشقاق الأول، وتحولت فيما بعد، إلى صراعات ونزاعات ذات بعد طائفي، ومنذ قيام الدولة الاموية تفاقمت تلك الصراعات وتواصلت في إطارها الطائفي طوال العهد الأموي ثم في الدولة العباسية وما تلاها وصولاً إلى المرحلة الراهنة، بحيث يمكن القول بأن الطائفية والصراع بين السُنَّة والشيعة تميَّزت كثابت دائم في التاريخ الإسلامي القديم والحديث والمعاصر.
في هذا السياق، أشير إلى أن من بين أهم عوامل ظهور المذاهب والطوائف –خاصة بعد قيام الدولة الأموية- تعود إلى حاجة الحكام إلى نصوص تشريعية أو مبررات دينية تبرر وجودهم السياسي من جهة وتتناقض مع الاتجاهات أو الشرائع التي تخالفهم فكرياً وسياسياً من جهة ثانية.
بالتالي فإن الحديث عن الطائفية والصراع الطائفي في مراحل التطور الاجتماعي الاقتصادي للدولة الإسلامية منذ نشأتها إلى يومنا هذا ، لا يمكن أن نحصره في الجانب الديني فحسب، بل أن الصراع الطائفي تَذَرَّعَ وما زال يتذرع بالدين لكي يُعَبِّر عن مصالحه الطبقية ومنطلقاته السياسية.
لهذا، فإن حديثي عن الطائفة أو الطوائف يجب ألا ينطلق من الدين وحده ، بل يتخطاه إلى السياسة كمحدد رئيسي في الصراع الطائفي طوال التاريخ القديم والحديث والمعاصر، وهذا ما نلاحظه عند قراءتنا للصراعات الطائفية التاريخية والراهنة بين السنة والشيعة أو بين الفرق الإسلامية الأخرى، مع الأخذ بعين الاعتبار أن تضامن وتمرُّد طائفة الشيعة ، ودورها الثوري التاريخي والراهن، سواء داخل الدولتين الأموية والعباسية أو في المراحل اللاحقة وصولاً إلى المرحلة الحالية، يعود في أسبابه لاعتبارات ومبررات موضوعية ارتبطت بالظلم والاضطهاد الذي وقع –وما يزال – على هذه الطائفة طوال تلك المراحل ، ويؤكد على ذلك ممارسات النظام الوهابي السعودي وكذلك الأمر بالنسبة لليمن والبحرين ولبنان والعراق، حيث قام النظام الإمبريالي الامريكي بعد احتلال العراق بتأجيج الصراع الطائفي ، من خلال تكريس سيطرة الطائفة الشيعية في العراق، وبالتالي اشتعال الصراع الدموي الطائفي كما نشهده اليوم ، حيث نجحت الإمبريالية الأمريكية بالتعاون مع حلفائها من القوى الطبقية في العراق وغيره ، إثارة تلك الفتنة الطائفية، على الرغم من أن مئات الآلاف من الأسر في المجتمع العراقي خصوصاً، تختلط الأنساب فيها داخل العائلة الواحدة ، حيث نجد داخل العائلة الواحدة انتساب الأم إلى الطائفة الشيعية ، والأب إلى الطائفة السُنية أو الزيدية، والأهم من كل ذلك يتجلى من ناحية موضوعية في أن ما يجمع بين الطائفتين السُنية والشيعية أكبر كثيراً مما يفرقهما ، حيث يتفق كل منهما على النبوة ، وعلى الفرائض الدينية (الصلاة والصوم والزكاة والحج والشهادة)، أما أوجه الاختلاف فهي لا تشكل سوى مبرر أو ذريعة لمن يريد أو يسعى لتفجير الصراع الطائفي في العراق أو سوريا أو لبنان أو اليمن ... إلخ، وهو صراع لا أعتقد أنه صراع ديني في جوهره ، بقدر ما يعبر عن كونه صراعاً طبقي سياسي يخدم العدو الامبريالي والمصالح الطبقية الكبرى في البلدان العربية.
 
حول الطائفية ، والصراع الطائفي :
يُعرِّف معجم أوكسفورد الشخص "الطائفي" بأنه الشخص الذي يتبع ، بشكل مُتعنِّت ، طائفة معينة، أي إنه الذي يرفض الطوائف الأخرى، ويغبنها حقوقها، أو يكسب طائفته تلك الحقوق التي لغيرها ، تعالياً على بقية الطوائف ، أو تجاهلاً لها، وتعصبًا ضدها ؛ في حين لا يعني مجرد الانتماء إلى طائفة، أو فرقة ،أو مذهب، جعل الإنسان المنتمي طائفيًا، كما لا يجعله طائفيًا عمله لتحسين أوضاع طائفته ، أو المنطقة التي يعيش فيها ، دون إضرار بحق الآخرين.".[1]
لقد تم استغلال مفهوم الطائفية استغلالاً سلبياً ، من قبل أصحاب السلطة (الخليفة، والأمراء، والحكام .. إلخ) وأصحاب المصالح الطبقية والسياسية، فصار يُستخدم بشكل سلبي بدلاً من توظيفه ، إيجابيًا ، بتقوية المجتمع ، من خلال التنوُّع الديني، والمذهبي.
يرى بعض الباحثين، أن الطائفية تنتمي إلى ميدان السياسة، لا إلى مجال الدين والعقيدة، وأنها تشكل سوقاً موازية للسياسة، أكثر مما تعكس إرادة تعميم قيم أو مبادئ أو مذاهب دينية لجماعة خاصة، كما إن الطائفية لا علاقة لها في الواقع بتعدد الطوائف أو الديانات، إذ من الممكن تماما أن يكون المجتمع متعدد الطوائف الدينية من دون أن يؤدي ذلك إلى نشوء دولة طائفية أو سيطرة الطائفية على الحياة السياسية، وبالتالي لتقديم هذا الولاء على الولاء للدولة والقانون الذي تمثله.
 
وفي هذا الجانب، فإن "مفهوم الطائفية، أصبح يستخدم بديلاً لمفاهيم "الملة، والعرق، والدين" التي كانت سائدة قبل ذلك، واختلطت هذه المفاهيم جميعاً في بيئة متزامنة، فكريًا وسياسيًا، فأنتجت مفهوم "الطائفية" باعتباره تعبيرا عن حالة أزمة يعيشها المجتمع، حيث أصبحت الطائفية مذهباً، وإيديولوجية، وهوية، حلت محل الهويات الأخرى، والانتماءات الأعلى، بل بدأت تتعالى عليها؛ وقد تبدى الاستعداد للتقاطع معها، وأخذ موقعها، وهذا ما يهدد، اليوم، وحدة الشعوب، كما هو الحال في لبنان، والعراق، وسوريا، وغيرها، كما إن دولاً عربية أخرى تتخذ من الطائفية ذريعة لقمع شعوبها التي تطالب بالحرية والعدالة الاجتماعية".[2]
في هذا السياق، يحدد المفكر الشيوعي اللبناني، الشهيد مهدي عامل، الطائفية في المرحلة الراهنة، بقوله: "هي شكل النظام السياسي، والنظام الايديولوجي الذي فيه تمارس البرجوازية الكولونيالية سيطرتها الطبقية". ويحددها، في مكان آخر، بقوله : "الطائفية علاقة سياسية محددة بشكل تاريخي محدد من حركة الصراع الطبقي، في شروط البنية الاجتماعية الكولونيالية"[3]. وفي تعريف ثالث يقول : "ليست الطائفية كياناً، وليس لها وجود أنطولوجي. إنها علاقة سياسية محددة بحركة معينة من الصراع الطبقي، في شكل منها محدد بشروط تاريخية خاصة ببنية اجتماعية معينة. ولأنها كذلك، فهي، إذن، قائمة بالدولة، لا بذاتها، في هذه البنية الاجتماعية، وفي شروطها التاريخية المحددة التي هي هي شروط حركة الصراع الطبقي فيها"[4].
ويضيف قائلاً: "من الضروري رد الطائفية إلى بنية علاقات الإنتاج الكولونيالية لا إلى علاقات إنتاج ما قبل الرأسمالية، حتى لو كانت هذه العلاقات هي الرحم الذي منه أتت، فارتباطها بها في البنية الاجتماعية الكولونيالية يجد تفسيره في تطور الإنتاج الكولونيالي، لا في تطور الإنتاج ما قبل الرأسمالي، الاقطاعي أو الاستبدادي الآسيوي"[5].
ففي الحديث عن البعد التاريخي للطائفية في بلادنا ، من المفيد التعرف على موقف المفكر الراحل محمد أركون في هذا الجانب، فقد عَرَفَ أركون كيف يسلط أضواء الحاضر على الماضي والماضي على الحاضر، لكي يفهم الماضي والحاضر على حد سواء، فكل مشكلة في الحاضر لها جذور في الماضي ولا يمكن حلها إلا بالنبش عن جذورها تماما كما يفعل التحليل النفسي، لقد عرف أركون كيف يموضع كل ذلك ضمن منظور المدة الطويلة للتاريخ لكي تتضح الأمور وتنجلي على حقيقتها.
فهناك مشاكل –كما يقول الراحل أركون- لا تفهم إطلاقا إذا موضعناها ضمن منظور المدة القصيرة فقط أو حتى المتوسطة، لنضرب على ذلك مثلا محسوسا لكيلا يظل كلامنا تجريديا معلقا في الفراغ. لنطرح مشكلة الطائفية أو المذهبية التي تنخر الآن في أحشاء العراق وسوريا واليمن ومعظم بلدان المشرق العربي.
وبالتالي فإن النظرة السطحية للطائفية لدى بعض المثقفين العرب عن هذا الموضوع الخطير الذي يهدد بلداننا العربية بأسرها بالحروب الأهلية والمجازر والتقسيم والتفكيك، لا يمكن لهذه النظرة أن تحل مشكلة الطائفية بهذا الشكل، فالطائفية أقدم من ذلك بكثير، من هنا صعوبة مواجهتها ولا أقول استحالتها.
إن النظرة السطحية للطائفية يموضعها بعض المثقفين ضمن منظور المدة القصيرة للتاريخ، أما المفكر الراحل أركون "فيموضعها ضمن منظور ألف سنة أو حتى أكثر، عندما يكشف لنا عن كيفية تشكل المذهب السني لأول مرة ، وكيفية تشكل المذهب الشيعي في مواجهته، وكذلك بقية المذاهب الإسلامية الأخرى التي "تصارعت بحد السيف على مفهوم الإسلام الصحيح باعتبار أن كل مذهب يدعي احتكاره لنفسه من بين الجميع"[6].
ثم يقلب أركون المنظور التقليدي الذي رسخته كتب الفرق أو الملل والنحل رأسا على عقب ويقول: "لا يوجد شيء اسمه إسلام صحيح أو إسلام خاطئ. هذه أسطورة سالت من أجلها الدماء أنهار، فكل المذاهب هي عبارة عن إسلامات صحيحة من وجهة نظر أتباعها، كلها متفرعة عن الرسالة الأصل: أي القرآن الذي يحتمل عدة معان ودلالات كبقية الكتب الدينية الكبرى، التي تستخدم لغة مجازية عالية في معظم الأحيان. وبالتالي فالحل لا يكون في التعصب للإسلام السني أو الشيعي كما يفعل الكثيرون حاليا وإنما في الخروج من التسنن والتشيع على حد سواء"[7].
الحل يكون في الخروج من الإسلام التقليدي كله جملة وتفصيلا. ولكننا لا نستطيع الخروج منه إلا إذا موضعنا الأمور على أرضية البحث التاريخي المحض وتحررنا من مسلمات اللاهوت السني والشيعي.
ولكن –كما يسأل هاشم صالح-  كيف يمكن أن نتحرر منها إذا كانت راسخة في أعماق وعينا منذ الطفولة كحقائق مطلقة لا تناقش ولا تمس؟ ولا فكاك منها إلا بتفكيكها علميا وتاريخيا وإبستمولوجيا، وهذا ما يفعله محمد أركون منذ نصف قرن تقريبا، منذ خمسين سنة وهو يحفر أركيولوجيا على العقائد الإسلامية الأكثر رسوخا وقداسة ويكشف عن تاريخيتها، عن بشريتها، عن كيفية احتكاك الوحي بالتاريخ لأول مرة؟.
 من هنا الطابع الانقلابي أو الثوري الراديكالي لصاحب مشروع نقد العقل الإسلامي الراحل أركون، كما يقول بحق هاشم صالح، ذلك إن أركون قدم لنا مفهومه الرائع للحداثة بمعناها النبيل والقوي للكلمة ، وباعتبارها وليدة الحركة النهضوية التحريرية العقلانية الديمقراطية الهائلة التي كشفت عن تاريخية كل ما كان يقدم نفسه وكأنه مقدس، معصوم، يقف فوق التاريخ، هنا يكمن جوهر الحداثة ولبها، فلا حداثة بدون تعرية، بدون تفكيك لموروث الماضي"[8].
في هذا الجانب يقول هاشم صالح "أنظر البحث عن يسوع التاريخي من لحم ودم فيما وراء المسيح الأسطوري الإلهي الذي يتعالى على التاريخ، وكذلك أنظر البحث عن القرآن التاريخي فيما وراء القرآن غير المخلوق، أو البحث عن محمد التاريخي فيما وراء محمد الأسطوري الذي شكلته كتب السيرة النبوية، أو علي ابن ابي طالب التاريخي فيما وراء علي الأسطوري أو بقية الصحابة والأئمة، وهذا لا يعني إطلاقا النيل من عظمة النبي أو علي أو الصحابة والأئمة، من يستطيع ان يفعل ذلك؟ وإنما يعني أن عظمتهم ستتضح أكثر من خلال الكشف عن تاريخيتهم، أو من خلال فرز ما هو تاريخي في شخصيتهم عما هو مضخم أسطوري مشكل لاحقا من قبل الأتباع والمؤمنين، ويضيف قائلاً "آن الأوان لأن نبلغ سن الرشد عقليا.. وإلا فان بقية الأمم سوف تظل تضحك علينا وتنظر إلينا بازدراء ولا تأخذنا على محمل الجد"[9].
السؤال الذي يطرحه في وجوهنا هاشم صالح هو: "ما هي مكانة العرب أو حتى المسلمين ككل على الساحة العالمية من الناحية العلمية أو الفلسفية أو المخترعات والإبداعات؟ لا شيء تقريبا.. هذا يعني أن زمن المواجهة الكبرى للذات مع ذاتها قد اقترب. ولن يستطيع المسلمون أن يؤجلوا إلى ما لا نهاية لحظة المصارحة الكبرى التي ابتدأت تباشيرها ترتسم على الأفق. فالعالم كله أصبح يطالبهم بها. والحاجة الماسة أصبحت تفرضها علينا"، ويستطرد قائلاً: "ألا نحتاج إلى تحرير عقولنا من التحجر الفكري والتصورات الخاطئة والتعصب والإكراه في الدين؟ في الواقع إن هذا الجواب لم يكن بديهياً إلى مثل هذا الحد في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات: أي قبل أكثر من ربع قرن. فالكثيرون من المثقفين العرب كانوا يعتقدون بأن مسألة التراث القديم قد حُلَّت وأننا تجاوزناها بعد أن أصبحنا ماركسيين تقدميين قوميين الخ... ثم انفجرت الحركات الأصولية بعدئذ في وجوهنا كالقنابل الموقوتة وأصبح الجميع يشتغل في قضايا الإسلام والتراث"[10]....يتبع


[1] احمد جويد - الطائفية السياسية: تأصيل الاوهام واستئصال الحقائق - مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث– الانترنت.
[2] احمد جويد – المصدر السابق.
[3] مهدي عامل : "القضية الفلسطينية في أيديولوجية البرجوازية اللبنانية ، مدخل إلى نقض الفكر  - مركز الأبحاث التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية – بيروت الطبعة الأولى سنة 1980 - ص22.
[4] د.مسعود ضاهر  مهدي عامل رائد التجديد النظري عن "الطائفية" و "الدولة الطائفية" في لبنان – الانترنت.
[5]  مهدي عامل : "القضية الفلسطيينية في أيديولوجية البرجوازية اللبنانية – مصدر سبق ذكره -  ص164.
[6] هاشم صالح - ثورة فكرية في تاريخ الاسلام: قراءة في مشروع محمد أركون  - موقع الأوان
[7] هاشم صالح – المصدر السابق.
[8] هاشم صالح – المصدر السابق.
[9] هاشم صالح – المصدر السابق.
[10] هاشم صالح – المصدر السابق.