ستراتيجيات التعلم لماذا نهملها في مدارسنا ؟

عصام عبد العزيز المعموري
2016 / 5 / 19

استراتيجيات التعلم ..لماذا نهملها في مدارسنا ؟
د. عصام عبد العزيز المعموري – دكتوراه طرائق تدريس الفيزياء – بعقوبة

كثيرا" ما تناولت البحوث النفسية في مجال علم النفس التربوي مصطلح التعلم وعرّفه المتخصصون بأنه تغير ثابت نسبيا" في السلوك أو الخبرة ينجم عن النشاط الذاتي للفرد لا نتيجة للنضج الطبيعي أو ظروف عارضة أو هو مفهوم فرضي يستدل عليه من خلال نتائج عملية التعليم .
ان هذا النشاط الذاتي للفرد لكي يكون مثمرا" بثمرة ناضجة اسمها التعلم لا بد أن يكون خاضعا" للتخطيط وليس نشاطا" عشوائيا" ناتجا" عن المحاولة والخطأ Trial and Error .
ان المتعلمين بمختلف مستوياتهم قبل أن يستطيعوا أن يكتشفوا المفاهيم المؤثرة وأن يفكروا تفكيرا" ناقدا" أو يحلوا المشكلات أو يكتبوا كتابة ابتكارية ينبغي أن يكتسبوا المهارات الأساسية والمعلومات ، ولكي يكتسبوا هذا الكم الهائل من المعلومات ويعالجونها يحتاجون الى اتقان استراتيجيات للتعلم ، ولم نسمع في مناهجنا ولا في دورات اعداد معلمينا سواء في الكليات التربوية أو التدريب اثناء الخدمة تأهيلا" للمعلمين لإتقان استراتيجيات التعلم لكي يدرسوها لطلبتهم .
تعددت مسميات طرائق التدريس التي تعنى بتدريس المتعلمين استراتيجيات التعلم فمنهم من يطلق عليها تسمية أنموذج التعليم المباشر -dir-ect Instruction Model ومنهم من يطلق عليها تسمية التدريس الفعال أو الناشط Active Teaching وتسميات أخرى مثل التدريس للإتقان Mastery Teaching والتعليم الصريح Explicit Instruction ، وأيا" كانت تلك المسميات فإنها تتمحور حول المتعلم وتعليمه كيف يتعلم تأييدا" وتأكيدا" للاتجاه الذي قاده المنظّر التربوي نوفاكNovak عام 1986 الذي رفع شعار تعلم كيف تتعلم Learn How To Learn.
ان الغرض الرئيس من تدريس استراتيجيات التعلم للمتعلمين هو اعداد متعلم معتمد على نفسه يقوم بمهام عديدة منها أن يلخص موضوعا" في كتاب بعد قراءته بأسلوبه الخاص أو يطرح أسئلة اثناء القراءة لأن طرح الأسئلة مهارة ينبغي التدريب عليها ، واجادة فن الاصغاء وغير ذلك .
ان الخلفية النظرية التي تستند عليها استراتيجيات التعلم تنطلق من نتائج دراسات علم النفس المعرفي التي توصلت الى أن ربط المعلومات الجديدة بالمعلومات المخزونة في الذاكرة يحسّن التعلم وهذا التحسن في التعلم لن يتم الا بعد أن يقوم المتعلم بنفسه بمعالجة المعلومات وربط التعلم السابق بالتعلم اللاحق في عملية تغيير للبنى المعرفية التي يمتلكها المتعلم فكلما تعلم معلومة جديدة تتعارض مع بنيته المعرفية يحدث ما يسمى بالتناشز المعرفي ويحدث التداخل بين التعلم السابق واللاحق الى أن يحدث ما يسمى بإعادة الاتزان المعرفي وهكذا يحدث التعلم وفقا" لنظريات التعلم المعرفية التي تؤكد أن التعلم هو سلسلة متعاقبة من اختلال الاتزان المعرفي واعادة اتزانه .
ان دور المعلم في تعليم استراتيجيات التعلم هو الوسيط بين المتعلم والمادة المطلوب تعلمها ويكون المتعلم ايجابيا" اثناء عملية التعلم وهذا ما تنادي به كل نظريات التعلم الحديثة .
ويبرر دعاة تعليم المتعلمين استراتيجيات التعلم بعدة مبررات تنطلق من دعم نظري منها أن العقل ينمو مع مواجهة الأفراد للأفكار الجديدة والمحيرة وأن التفاعل مع الآخرين يحسّن النمو العقلي وأن المعلومة التي يتعلمها المتعلم بجهدة الخاص تتميز بأنها تقاوم النسيان .
كثيرة هي التسميات التي أطلقت على المتعلم الذي يمتلك استراتيجيات تعلم خاصة به فمنهم من يسميه (متعلم مستقل) والبعض الآخر يسميه (متعلم استراتيجي) في حين يسميه البعض (متعلم ينظّم نفسه بنفسه) وأيا" كانت تسميته فانه يجب أن يكون قادرا" على اختيار استراتيجية التعلم الملائمة للموقف التعليمي المطلوب .
وهنالك أربعة أنماط من استراتيجيات التعلم يتم تداولها في مجال التعلم هي : استراتيجيات اعادة السرد والتسميع واستراتيجيات التفصيل والتوضيح واستراتيجيات التنظيم والاستراتيجيات الميتامعرفية ، وما نعنيه بالاستراتيجيات الميتامعرفية هو تفكير المتعلمين عن تفكيرهم (التفكير في التفكير) وقدراتهم على استخدام استراتيجيات تعلم معينة على نحو مناسب .
ولسنا هنا بصدد تفصيل اجراءات هذه الاستراتيجيات بقدر التنبيه على ايلائها الأهمية القصوى لإحداث عملية التعلم ،ففي استراتيجيات اعادة السرد والتسميع لدينا نوعان من المعلومات هما البسيطة والمعقدة ، فاذا كانت المعلومات بسيطة فان اعادتها مرة بعد اخرى وترديدها بصوت مرتفع أو منخفض يساعد على الاحتفاظ بها في الذاكرة قصيرة المدى خاصة في حالة عدم وجود ورقة وقلم ، أما في حالة المعلومات المعقدة فان ذلك التكرار لا يجدي نفعا" حيث يوصي المتخصصون بكتابة ملاحظات في الهامش ووضع خطوط تحت الأفكار الأساسية ،وهذا النوع من الاستراتيجيات لا يساعد المتعلم في صنع معلومات جديدة أكثر معنى لذلك يوصون باستخدام استراتيجية التفصيل والتوضيح التي تمثل اضافة تفصيل الى معلومات جديدة بحيث تصبح أكثر معنى وتجعل التشفير من الذاكرة قصيرة المدى الى الذاكرة الطويلة المدى أسهل وأكثر تحديدا".
ومن خبرتي في التعليم لأكثر من ثلاثين عاما" لاحظت أن استخدام طريقة PQ4R في المذاكرة التي تمثل احدى استراتيجيات التفصيل والتوضيح ترتقي بالتحصيل الدراسي وتحوّل التعلم من عبئ الى متعة ومن اسم الطريقة فإنها تتضمن أربعة حروف يمثل كل حرف بداية كلمة من الكلمات التي تتضمنها هذه الطريقة ، فالحرف P هو الحرف الأول من كلمة (Preview ) ومعناه القاء نظرة تمهيدية على الموضوع وقراءة معالمه الأساسية ، والحرف Q هو الحرف الأول من كلمة (Question ) بمعنى طرح أسئلة ، والعنصر 4R يتألف من أربع كلمات تبدأ كل منها بحرف R وهي Read (اقرأ) و(Reflect ) وهي (تصوّر بصريا" ، تأمل)و(Recite)
و(Review ) بمعنى(راجع ، استعرض) وبذلك فان المتعلم أو القارئ الاعتيادي أيا" كانت اهتماماته عند قراءته لأي كتاب يتبع الخطوات الآتية استنادا" لهذه الطريقة :
1- Preview : يقرأ الموضوع قراءة تمهيدية من خلال النظر الى العناوين الأساسية والأفكار ويقرأ الملخص لكي يتنبأ بما سيتناوله موضوع الكتاب وهذه الخطوة لا تستغرق أكثر من عشر دقائق أو أقل .
2- Question : يضع له هدفا" يحاول الوصول اليه من خلال طرح أسئلة يبحث عن اجابات لها بعد قراءة المتن .
3- Read : يقرأ المادة وينتبه للأفكار الأساسية فيها ويبحث عن اجابات للأسئلة المطروحة
4- Reflect : يفكّر ويتصور ويتأمل وهو يقرأ ويحاول أن يربط المعلومات الجديدة في النص بمعلوماته السابقة.
5- Recite : بعد القراءة يسمّع بصوت عال من خلال الاجابة عن الأسئلة المطروحة دون النظر الى الكتاب ويسترجع قوائم الأفكار أو الحقائق الهامة المنظمة في المتن اما بصوت عال أو على نحو صامت .
6- Review :مراجعة المادة بإعادة قراءتها حين يكون ذلك ضروريا" ومن ثم الاجابة مرة ثانية عن الأسئلة المطروحة .
ولا مجال هنا لتفصيل باقي الاستراتيجيات سوى القول بأن استراتيجيات التنظيم تتضمن كلا" من تلخيص مخطط للموضوع وعمل الخرائط ومعينات الذاكرة أو حيل الذاكرة Memory Tricks ، ويمكن لكل معلم أو مدرس الاطلاع على هذه الاستراتيجيات من كتب علم النفس التربوي ان أراد الارتقاء بتعليم طلبته وكما يقول المبدأ التربوي الذي يعرفه المتخصصون في العلوم التربوية والنفسية : ( أعطني منهجا" ركيكا" وطالبا" لا دافعية له للتعلم ولكن أعطني معلما" محبا" لمهنته مقتدرا" في مادته العلمية فانه يعوّض ذلك النقص ) .