من مذكرات معتقل في زنازين سلطة القمع بدمشق

ربحان رمضان
2016 / 5 / 14

في زياراتي المتكررة " لكامبات اللجوء" كنت التقي به باستمرار .. هو نفسه من كتبت عنه في المرة السابقة " أبو ماهر" ابن الغوطة ، غوطة دمشق العصية على النظام وأتباعه .. وهكذا أصبحنا أصدقاء .. أحاول أن ازرع في نفسه أملا ً حاول النظام وقوات قمعه نزعه منه .. فبعد أن كان دائم الحزن ، يائس من الحياة ، لايخرج من غرفته إلا لجلب طعامه ثم يعود إلى غرفته .. يفكر بمصيره ومصير أولاده وزوجته الذين لم يراهم منذ سنة ونصف ، أصبح يخرج معي إلى الحديقة القريبة من بيتي ، ويتمشى في شارع اللاند شتراسه يسلي نفسه حتى ينسى تلك الآلام النفسية التي خلفها فيه معتقل مخابرات فرع فلسطين وغيره بدمشق .. منذ يومين ونحن في طريقنا إلى البحيرة القريبة من لينز " Oid see " نظر الي وقال :
قلبي لايتحمل ما سأرويه لقد كانت اسوأ فترة أقضيها بحياتي في حياتي عندما كنت معتقلا في فرع فلسطين كنا في الزنزانة 94 شخص نعيش بمساحة لا تتجاوز 35 متر .
لكل منا كانت هناك قصة وغالبيتنا ليست لهم علاقة بكل مايجري من احداث في سوريا ، أي كنا محايدين ، و من جميع الأعمار من السن 12 سنة وحتى 90 سنة ، و الجلادين فكانوا لا يفرقوا بين الصغير والمسن .. انتشر المرض والجرب والقمل بيننا ، وكنا نخرج الى الحمام مرتين في اليوم ، كانوا يضربونا عندما نخرج ونعود.
وانتشر المرض بيننا من الطعام الذي كانوا يقدموه لنا بعدما يبولوا في الطعام ثم يقدموه لنا ، كنا نشم رائحة البول في الطعام ولكي لانموت جوعا ً كنا مضطرين لأكله مرتين في اليوم ، إنه أسوأ طعام أكلته في حياتي .
كان الرجال يبكون عندما يطلبوا أحدنا للتحقيق معه في غرفة التحقيق ، والشخص نفسه يبكي من الخوف ، يتشهد قبل أن يخرجوه من الغرفة جرّا ً فتملأ أصوات التعذيب زنازين المعتقل .
المعتقلين من كل الأجناس ومن كل الأعمار ، الجلادين لا يرحموا أحدا سواء من الرجال أو النساء أو الأطفال وعندما يعيدوا المعتقل إلى زنزانته يكون فاقدا ً للوعي من شدة التعذيب ، نرى الدماء تغمر جسده ، والذي يتأخر في التحقيق نترحم عليه ونقرأ الفاتحة على روحه لأنه يكون قد مات حتما ً .
قال لي صاحبي : سأروي لك قصة ســــليمان ، الشاب الذي مات وهو نائم بجانبي .. سليمان هذا كان مجندا في الجيش ، متزوج ولديه طفل صغير .. لم يره أبدا لأنه كان يخدم في إحدى قطعات الجيش الأسدي ، كان يشتاق إليه كثيرا ، وكنت انا واياه نتبادل اوقات النوم حيث كان كل منا ينام ثلاث ساعات ثم يقف ليترك المكان للأخر كي ينام وفي ذات ليلة " أعتقد أن الوقت ليلا" لأننا لم نكن نعرف الليل من النهار ، لاحظت في عينيه الخوف .. خوف شديد من شئ قد يعرفه ، سألته فأجاب لا أدري ..
بعد مضي ساعة ونصف تقريبا جاء السجّـان ونادى عليه بالاسم ، فبكى سليمان بكاءَ مرّا ً من شدة الخوف ، حاولت تطمينه .. قلت له : لاتخف ياأخي اصبر .. اصبر صبر عمار بن ياســـــــر .. نظر إلي نظرة رجاء .. ذرفت عيناه بالدمع وخرج ..
بعد ساعات من التعذيب المتواصل سمعنا صوت صرير مفتاح الباب ، فتح السجانة الباب ورموا سليمان داخل الزنزانة ، صاح أحد السجانين الذين نقلوه ، ورموه : " إنه خائن للوطن ، وهذا جزاء كل كلب خائن " وأغلق الباب بالمفتاح وذهب ..
تحلق حوله المعتقلون يمسحوا الدم الذي مازال ينزف بغزارة وهو لايزال في غيبوبة ، مغمى عليه وقد انتفخ رأسه ، نزعت قميصي الداخلي ورحت امسح عن وجهه الدماء ، والعرق المتصبب ..
بعد فترة صحى من الغيبوبة ، طلب مني أن يشرب ماء ، قال لي : " عطشان ، أريد ماء " ، لم أعرف ماذا يجب علي فعله ، لايوجد ماء في الزنزانة .. قلت له برجاء أن يصبر حتى الصباح .
نظر إلى الى أعلى وقال : سأموت عطشا ً .. مشتاق لأمـي ، ولزوجتي وأطفالي .. آه ، يارب ساعدني ، ثم التفت إلي وقال : سأعطيك رقم هاتف زوجتي اكتبه رجاء وأخبرها عني إن خرجت أنت سالما ً ..
لم يكن في الزنزانة لا قلم ولا ورقة ، نزعت "بكلة سحاب البنطلون" وكتبت الرقم على كيس نايلون قد وضعته تحت مايجب أن يكون وسادة .. كان مخصصا للخبز نحفظه فيه .
راح يروي لي قصته المؤلمة .. قال أنه كان عسكري يخدم في منطقة القنيطرة ، لم يرى زوجته منذ أن كانت حامل بطفله ، قال لي ، ذهبت إلى الضابط المسؤول عني وطلبت اجازة ، ثم أردف : نظر إلي الضابط وسألني : كم تدفع من المال ؟ قلت له : وكم تريد ؟ قال لي : عشرة ايام بعشرة آلاف ليرة سورية .
قبلت ، وقلت : له سأدفع المبلغ عندما أعود من الاجازة ، سوف آتي لك بالمال ، ولم يمض إلا يومان وإذ به يناديني إلى مكتبه ليعطيني إجازة .
فرحت كثيرا ، حضرّت ملابسي وتوجهت إلى القرية التي تقيم بها عائلتي ، لم اعرف كيف يمكن ان يطوي الباص الطريق طيا .. كنت مشتاق لأمي وابي وزوجتي ، وأطفالي ..
بعد عشر ساعات وصلت ..
بكت أمي وهي تقبلني .
عانقت زوجتي ، وقبلت طفلي الذي لم يعرفني ولم يراني من قبل ، ولما عاد والدي من العمل قبلت يديه فرحا ، قال لي : الحمد لله عالسلامة " بس ماتكون هربان ؟؟!!!"
أين إجازتك ؟
قلت له : معي إجازة لمدة عشرة ايام ، أجابني : " منيح " .
مضت ايام اإجازة دون اشعر بها ، وفي آخر يوم قلت لأبي الحرب جريمة بحق أهلنا السوريين " لا أريد العودة إلى الجيش " ..
غضب والدي ، قال : " .. سوف تذهب ، ما بدنا مشاكل .."
وفي ثاني يوم من انتهاء الاجازة هربت من البيت إلى بيت صديقي ، وبقيت عنده يومان ثم رجعت الى بيت والدي فسألني و قال لي : لماذا عدت إلى هنا ؟
قلت له لم أعد إلى الجيش ، فغضب مني وذهب إلى فرع المخابرات العسكرية وبلــّغ عني على أني هارب من الجيش .
في نفس الليلة اقتحمت البيت دورية مخابرات ، قبضوا علي وأخذوني إلى فرع فلسطين وانهالوا علي بالضرب وقالوا : أنت خائن للوطن !!!
بعد شهر من التعذيب الوحشي نقلوني إلى فرع فلسطين بدمشق ..
أردف يقول : أرجوك أرجوك أن توصل رسالتي لأهلي .. قل لأمــي ابنك " يبوس" يديك ِ وارضي عليه ، قل لزوجتي أن تسامحني واطلب منها ان تحافظ على ابننا من بعدي .
قل لأبي : " الله لايسامحك" لا بالدنيا ولا بالأخرة ..

بكينا معا ً ، وفي مطلع صباح اليوم التالي قال لي : أني أموت ، لا تنسى ماقلته لك ، الأمانة صعبة ، جاوبته وفي عيني دمع : لن أنسى ..
بعد عشرة أيام فارق الحياة ، بكيت عليه وعلى نفسي من بعده ، دعوت الله أن يحشره مع الشهداء في الجنة لأنه مظلوم والمظلوم عند ربه شهيد ..
بعد أن ُأطلق ســراحي لم أكن أعرف كيف أوصل رسالته إلى أمه وزوجته ..

اتصلت بالرقم الذي اعطاني اياه ، قلت لزوجته : كنت مع سليمان في زنزانة واحدة وقد أوصاني أن أن أخبركم بمصيره ، رجاني أن أخبركم وأخبر أمه التي بكى لحزنها عليه وطلب الرضى منها ، وقال لي أن أطلب منك مسامحته والترحم عليه ، وأن تقولي لأبنكما بأن أبوه مات تحت التعذيب ..
أما أبوه فقد قال لي أن تقولي له فقط :
" الله لايسامح اللـي كان السبب .. !! " .