والله العظيم موزون .. في ذكرى ميلاد صلاح عبد الصبور مايو 1931

محيي الدين ابراهيم
2016 / 5 / 10


حنينى غريب .. إلى صحبتى ..إلى أخوتى ..إلى حفنة الأشقياء الظهور ينامون ظهراً على المصطبة .. وقد يحلمون بقصر مشيد .. وباب حديد .. وحورية فى جوار السرير .. ومائدة فوقها ألف صحن .. دجاج وبط وخبز كثير .. إلى أمي البرة الطاهرة .. كلمات أبدعها في قصيدة " المُلك لك "، كانت أمه السيدة اعتدال عثمان الباجوري هي نافذته وعشقه على الشعر والأدب العربي حيث كان والده عبد الصبور يوسف الحواتكي يعمل في وزارة الداخلية وبعيد كل البعد عن الحقل الثقافي.
رفض الالتحاق بكلية الطب والتحق بكلية الآداب قسم اللغة العربية عام 1947 وتتلمذ علي يد الشيخ أمين الخولي أحد أهم الأدباء المصريين وأحد أهم كبار حماة اللغة العربية، ومناضل شارك في ثورة 1919 وحيث نُفي مع سعد زغلول إلى جزيرة سيشيل، وقد رأى حين كان رئيساً لقسم اللغة العربية بكلية الآداب في صلاح عبد الصبور نبوغاً مبكراً فضمه إلى جماعة (الأمناء) التي كوّنها، ثم إلى (الجمعية الأدبية) التي ورثت مهام الجماعة الأولى وحيث كان للجماعتين تأثيراً كبيراً على حركة الإبداع الأدبي والنقدي في مصر.
رغم أن الشاعر المرهف مرسي جميل عزيز كان من أعز اصدقاء عبد الحليم حافظ إلا أن عبد الحليم حافظ حينما تعرف على صلاح عبد الصبور عن طريق مرسي جميل عزيز طلب منه عام 1951 أن يكتب له قصيدة يستطيع بها أن يتقدم لإختبار الإذاعة وبالفعل كتب له صلاح عبد الصبور قصيدة " لقاء" وغناها واجتاز بها اختبار الإذاعة حيث وطدت هذه القصيدة العلاقة بين عبد الحليم وصلاح عبد الصبور بل وتعرف الناس من خلالها على صلاح عبد الصبور نفسه.
بعد خروج الملك فاروق على متن المركب المحروسة في أعقاب ثورة 1952 كان الميلاد الحقيقي للشاعر صلاح عبد الصبور لكن كان عليه أن يخوض حربا شرسة مع حراس عمود الشعر الذين كان على رأسهم عباس محمود العقاد، فقد كان العقاد يحيل قصائد صلاح عبد الصبور إلى لجنة النثر للاختصاص، لا لشئ سوى أنه كان يرى في مثل هذا الشعر شعراً ليس موزونا ، مما دعا صلاح عبد الصبور إلى كتابة مقالة عنونها ( والله العظيم موزون ) ، ونشبت الحرب بين أنصار عمود الشعر وبين أنصار تفعيلته، ولم تكن هذه الحرب بالطبع هي الوحيدة التي خاضها صلاح عبد الصبور، لكنها كانت الأولى، أما آخر الحروب، فقد كانت حربا صغيرةً في منزل أحمد عبد المعطي حجازي، حرباً لم تتعد كلمات ثلاث: ( بعت نفسك بمليم ) قالها له رسام الكاريكاتير " بهجت عثمان" وهو في قمة الغضب لأن إسرائيل إشتركت فى معرض الكتاب الذى تشرف عليه الهيئة المصرية العامة للكتاب التى كان يرأسها صلاح عبد الصبور وقتذاك، لم يتحمل قلب صلاح عبد الصبور تلك الكلمات الثلاث فمات، وربما أتذكر قبل وفاته بعام أو أكثر قليلاً حينما كنا طلبة بالجامعة ونقوم بعمل مسرحيته مسافر ليل ولم أكن أعرفه شخصياً، وجدت صخباً في صالة العرض أثناء البروفة بمسرح الطليعة ويهلل الجميع بأن صلاح عبد الصبور موجوداً فهرعت بمجرد سماع أسمه ناحيته، كنت أتمنى أن أراه وأن أستمع له وهو يتكلم فقد كان بالنسبة لنا جميعاً هرماً عظيما يجسد الأدب العربي المعاصر، كان هزيلاً جداً ولا يترك سيجارته تسقط من يده إذ كان يشعل سيجارة من أخرى، ووقتها دارت معه نقاشات كثيرة كانت تنتقده وربما أتذكر عبارة قطع بها كل الأسئلة التي حاوطته بأن قال بصوت خافت: دعوني أجد ثمن السيجارة التي لا غنى لي عنها فقد أخذ مني السجن والاعتقال كل شئ، كنت صغيراً فلم أستوعب خطابه القصير وحزنه العميق اللاهث، لكن فرحتي بلقائه كانت أعظم من أي لغز شاب هذا اللقاء القصير حيث صعدنا على المسرح لنجري البروفة النهائية لمسرحية مسافر ليل وكلنا فخر أنه يشاهدها على الرغم من أننا وقبل أن ننتهي من البروفة كان قد تسلل في الظلام ورحل .. ولم تمضي شهور على هذا اللقاء إلا وكان قد رحل عن دنيانا للأبد في 13 أغسطس 1981 متأثراً بكلمات رسام الكاريكاتير بهجت عثمان في منزل أحمد عبد المعطي حجازي. ولعنا نتذكر كلماته: الشعر زلتى التى من أجلها هدمت ما بنيت .. من أجلها خرجت .. من أجلها صُلبت .. وحينما عُلقت .. كان البرد والظلمة والرعد .. ترجنى خوفا .. وحينما ناديته، لم يستجب .. عرفت أننى ضُيعتُ ما أضعت "، رحم الله صلاح عبد الصبور.