كارل ماركس في العراق/ الجزء العاشر

فرات المحسن
2016 / 5 / 10



رغم إن كارل ماركس قد أعتاد خلال الثلاث ليال الماضية على لسع الحشرات والرائحة القبيحة وأصوات الحيوانات، ولكن في هذه الليلة لم تغمض له عين فقد أبت أفكاره أن تتوقف عند محطة واحدة. راح يتساءل، يبحث ويتذكر بعض محطات من حياته، داهمه هاجس غريب جعله يتساءل عن الذي سوف يرثيه أو الأحرى من الذي يمشي في جنازته إن استطاعوا استرداد جسده الذي من الجائز أن يكون عن قريب وليمة طازجة لأسماك النهر الذي يهددونه به هؤلاء كل يوم.. تسيس بالشط، حاول تلفظها بشكلها الصحيح بعد أن أخبروه عن معناها اللئيم البشع، ولكنه لم يستطع مثلما وردت على ألسنتهم، أبناء العاهرات يستسهلون كل شيء.. تسيس بالشط.. يا لها من ميتة بشعة وجريمة قذرة.. الغريب أن مسؤولهم يتحدث عن دين وطهارة وخير في مواجهة الشر والكفر وإلالحاد والجواسيس وقرود وخنازير، وهو أقذر وألعن من براز بهيمة، فئران البيت الذي أسكنه في منطقة تشوكفارم الفقيرة شمال لندن، أنبل وأطهر من هؤلاء القتلة السراق. غضب الفقراء ضد الطبقة المالكة لوسائل الإنتاج يتحول عمليًا إلى الإطاحة بالقوانين الجائرة وفي نفس الوقت يهمش الدين فالدين عملية سحرية لتنويم الفقراء والعبيد. أما هؤلاء الذي يواجههم اليوم فهم لا يملكون جوع الفقراء ولا غضبهم، وبقناعة هازلة يوظفون الدين كغطاء لعوراتهم وإقناع أنفسهم والآخرين بحقهم على اقتراف الجرائم. الشخص الخبيث الفاسد يعتبر جميع الصفات البشرية خبيثة وفاسدة وهؤلاء من تلك العينات المتلبسة بتلك اللوثة. معادلة منصفة لهؤلاء، فكما يكون الإنسان في الدين محكومًا من قبل نتاج دماغه المعقد المتخلف، كذلك تتحكم فيه وسائل الإنتاج وهي نتاج يديه. ولكن شتان بين وعي هؤلاء وذلك الآخر الباعث للفطنة والمحرض على الخلاص والدافع للارتقاء، ولذا فأن الدافع الأساس للثقافة ليس الإيمان بل المنفعة المادية المباشرة أي العملية الاقتصادية. وأرى أن هؤلاء القوم توطنوا الجريمة دون سواها فأصبحت متن ثقافتهم وطريقهم للمنفعة المادية.
كأنه يمسك النجوم بيديه ويرجها. يتذكر الآن هذا الوصف الذي أطلقه عليه صاحبه أنجلز . وصف أطربه حين سمعه، وربما جعله يتمسك بهذا الصديق حد التشابك الفكري والأخلاقي رغم تباينهما ووضعهما الطبقي. أن يأتي المديح من أحد الصناعيين الذين انسلخوا عن طبقتهم ليقترب من الطبقة العاملة ويبحث عن حلول لأجل تحررها ونيل حقوقها. كان يقول، إن هذا الرجل حين يرفع ذراعيه أراه وكأنه يمسك النجوم بيديه و يرجها. هل ما قاله رفيقي كان حقيقة أم ترى نهايتي قد عقدت في هذه الغرفة دون أن أمسك نجمًا واحدًا.
وهو في هذه الظلمة ووسط الروائح الكريهة والحشرات تطن في أذنيه، تخطر على باله رسالة والده التي بعثها له حين كان يدرس في بون، قال له يا ولدي أشعر وكأن مارد يسكن داخلك، لا أعرف هويته، هل هو ملاك أم تراه من ذلك النوع الذي تحدث عنه غوته في فاوست. بين مديح صاحبه ومقولة أبيه وبعد كل ذلك الزمن الذي أشتغل وكد فيه دفاعًا عن الفقراء والطبقة العاملة يجد نفسه في هذه الغرفة الملعونة، مقيدًا وسجينًا بيد أوغاد، وقد ترنح فكريًا واهتزت لديه قناعاته فبات يحمل ذات التساؤل الذي طرحه أبيه. ما طبيعة المارد الذي يسكن داخله؟
خالجته فكرة أن يطلب من سجانيه وليقل خاطفيه وهو التوصيف الأفضل والأدق، يطلب منهم حقيبته الجلدية ففيها بعض الأوراق والأقلام ربما يجد في ممارسته الكتابة شيء من سلوى أو تزجيه وقت أو حتى تدوين بعض الأفكار عن ما شاهده أو تعرض له في العراق. لم لا أكتب رسائل لمن لهم مكانة في قلبي، بعض من كانوا معي في نادي الشعر أو من جماعة نادي حانة ترير للمشروب، أو حتى من الهيغلين الشباب وبالذات صاحبي أدولف روتنبرغ، ولم لا أراسل رفيقي أنجلز، ولكن قبل كل هؤلاء زوجتي جيني، حبيبتي جيني. رسالتي لها تجعلني على قناعة بأن يوم خلاصي سوف يكون قريبًا. فقبل وفاتها دائما ما كانت تقول إنها تؤمن بي فكرًا وأني لقادر على تجاوز المحن والمصائب، وكنت أجد في قولها ذلك ونظراتها ما يطمئن قلبي ويجعله يستكين ويرتاح، أنظر في عينيها لأستمد قوتي، فلم لا أحاورها وأسمعها وجعي، أبعث لها رسالة، حتمًا سوف تصل لروحها وهي في رقدتها الأبدية داخل قبرها البارد، سوف أكتب لها وأبثها أشواقي ولوعتي.
يا حبيبة قلبي ها أنا اكتب إليك ثانية لأنني وحيد ولأنني لا يخجلني الآن أن أحاورك في الخيال، دون أن تعرفي أو تسمعي شيئا ما، سوف أحاورك، أعرف إنك لا تستطيعين الرد عليّ. ولكني أراك أمامي الآن، أراك رغم عتمة المساء في هذه الغرفة الرطبة القذرة الموحشة، وحيد تتناهبني الأفكار وتحيط بي كومة ذئاب تتربص لقتلي. جيني الحبيبة أحملك الآن فوق يدي وأقبلك من الرأس حتى القدمين، وأركع أمامك، وأتنهد.. مادمت أحبك ... إنني في الحقيقة أحبك أكثر من حب المجنون عطيل رجل البندقية اللعين لزوجته ديدمونة. حبيبتي تذكرين كل تلك الأحداث التي عشناها سوية. مشوهو سمعتي وأعدائي ذوو ألسنة الثعابين، قد اتهموني مرة باني مؤهل لان أؤدي دور العاشق الأول في مسرح من الدرجة الثانية؟ ولكن هذا هو الواقع، ولو كان عند الأوغاد ذرة من مزاج المزاح لرسموا "علاقات الإنتاج والتبادل" في جانب، وفي الجانب الآخر رسموني وأنا عند قدميك، وكتبوا على قصاصة ورق، انظروا إلى هذه الصورة، ثم إلى الصورة الأخرى، غير أنهم أوغاد أغبياء، وسيظلون أغبياء أبد الآبدين. الفراق الآني جيد للتمييز بين الأشياء التي تتشابه أثناء الحضور، الزهيد واليومي يأخذ بالتنامي لدى مراقبته عن كثب. وهكذا الأمر مع العواطف. فالعواطف الكبيرة التي تأخذ عند قربها شكل عادات صغيرة تنمو وتأخذ حجمها الطبيعي ثانية بتأثير سحر الفراق، وهكذا هو حالي حبيبتي، يكفي أن تبتعدي فقط في المكان فأعلم أن الزمن قد خدمه مثلما تخدم الشمس والمطر النبات، أي للنمو. إن حبي إليك يبدو، على حقيقته، عملاقًا تركزت فيه كل طاقات فكري، وكل خواص قلبي، وإني لأحس ثانية بأنني رجل، لأنني أحس بالعواطف الكبيرة. ستبتسمين يا قلبي الحلو، وتتساءلين من أين لي فجأة كل هذه الفصاحة؟ ولكني لو استطعت أن أضم قلبك الناصع الحلو إلى قلبي لصمت وما تفوهت بكلمة، ولما كنت لا استطيع أن أقبلك..ولكن ...
عند تلك الكلمة توقف وارتبك ذهنه وسالت دمعة رقراقة فوق شيبة لحيته فمسد بيد مرتعشة شعرها المجعد الكثيف.
درج الصبح متسللاً عبر فتحات الجدار وشباك الباب العلوي الصغير. سمع ماركس ضجة خلف الباب رافقها نباح ملحاح لجوقة كلاب قرب جدار الغرفة، ثم سحبت السلسلة الحديدية وفتح الباب على مصراعيه ليدخل منه جسد بقرة ضخم ثم تبعته بقرة أخرى واندفعتا بهياج وارتباك باتجاه زاوية الغرفة البعيدة. تحامل ماركس على نفسه ودفع جسده رغم يديه المكبلتين ووقف محدقًا في هذا المنظر الغريب. كانت البقرتان تخوران وتلتصقان ببعض وكأنهما مرعوبتان تتوقعان اقتراب ساعة الذبح. دخل المسلحون يتضاحكون ويلوحون بأسلحتهم إلى أعلى.
ــ ها يويل .. جبنالك خطار حتى لتضوج.
لم يجبهم وإنما راح يرقب الحركات المرتبكة للبقرات. كانت واحدة منهما عجفاء صغيرة الجسد، ترتسم عظامها تحت جلد يابس مجعد والأخرى سمينة بعض الشيء وأكبر حجمًا.
ــ الهايشتين راح أنته أتداريهن بالأكل والماي وتراقبهن حتى ما يسون وكاحة.
ــ ماذا ..لا أعرف ما تتحدث عنه.
ــ شوف لك لتبيع كلاوات علينه وتسوي نفسك ما تفتهم عراقي.. أنتم أدزون واحد جاسوس لبلادنا بالخالي بلاش..إذا مو يحجي عراقي مضبط وبكل اللهجات.
ــ ثق بأني لا أفهم كلامكم.
ــ هاذتين البقرتين أنت مسؤول عنهم ولازمون توكلهمن يوميا وتشربهمن المايا.
راح جمع المسلحين في موجة من الضحك الهستيري.
ــ لك هاي شنو.. أيباه بلجي تعيده مرة لخ..فدوه داد أعد رجاءا.. هذا منو معلمك صدقه أندار لهذا اللسان الفالت.. لازمون توكلهمن وتشربهمن المايا. وينه عمي أبو بشير حتى يشبعك كفخات.. لازمون.. خوش عليك لازمون.
استمرت موجة الضحك والسخرية ولم تتوقف حتى عندما سأل ماركس عن طبيعة الطعام وعدم وجود جردل للماء.وفجأة صاح أحدهم وبسخرية أثارت موجة جديدة من الضحك.
ــ شنو يابه شنو.. جردل النوب شنو.. خوش عليك جردل.. هذا شنو ينوكل قلي لو شوي..
ــ يعني سطل للماء. أجاب أحدهم على تساؤل زميله.
ــ لك داد اليوم أنته اتبدع.. لعد يحظي ليش جريست بسادس أبتدائي أربع سنوات صباحي ومسائي.
ــ ليش جان بيدي.. إذا دائما أسئلة الانكليزي تجي شبحية..
ــ أشتغل التمضرط والتمسلت... شبحبة.. ما يكول آني دجه دبنك.. شبحبة؟
طلب أحدهم ويظهر أنه يترأسهم بجلب كومة حشائش وكيس من الخبز اليابس فجيء بما طلب ووضع الأكياس جوار كارل ماركس.
ــ هاي للهوش، ولتطيهن كل العلف، شويه شويه.. زين، ومو تشاركهن بأكل الخبز.
صمت ماركس وطالع وجه هؤلاء متأملاً سحناتهم الداكنة التي لوحتها الشمس وأياديهم المعروقة الخشنة. أجسادهم توحي بالصلابة والقوة وحيوية الشباب.
ــ ألديكم غير هذا العمل؟
ــ شنو تقصد؟
ــ أعني ألا تعملون في أعمال غير خطف الناس والتهديد بالسلاح أو القتل.
ــ لا بابا هاي شغلتنه مال الخطف هواية.. فقط للونسه مو شغل.. نتونس بيك وبأمثالك.. أحنه عدنه أشغال رسمية قبل كل شي.
ــإلا تخجلون من أنفسكم.. من عوائلكم.. إلا تمتلكون ضميرًا يؤنبكم؟
ــ إسكت إنجب لك تره أترس حلكك دخان وأنعل أبوك لابو كل الألمان لا بو حته ميركل وهتلر. هسه أسويك منخل.
وهو يصرخ بوجه ماركس اتخذ وضع التهيؤ وسحب أقسام بندقيته ووجهها نحو ماركس ولكن مسؤولهم أزاح فوهة البندقية جانبًا وقال له بصوت ناهٍ.
ــ يمعود لتسوينه مشاكل ويه أبو بشير.. تره وربك إيأذينا.. أبو بشير متأمل خوش حصة من هذا الأرول.. جيبوله سطلة الماي وخلي نطلع.. يالله يالربع.. كلكم بره. أبو بشير على جيه بلجي عنده أخبار زينه عن هذا الأرول أبو كفشه.