أزمة الصحفيين والتلاعب الأمني المفضوح

محمود عبد الرحيم
2016 / 5 / 9

المشكلة لم تعد اعتقال عمرو بدر والسقا لمواقفهما المعارضة للنظام، ولا في اقتحام نقابة الصحفيين عقابا على تحويل سلالمها كبؤرة تجمع ثوري احتجاجي، ولتخويف الجميع من الاحتجاج مجددا، فالتوصيف الحقيقي لأزمة الصحفيين مع الداخلية حاليا أنها ليست مشكلة إجراءات قانونية جدلية أو خطأ في تنفيذ القانون، أو حتى مع وزير داخلية يعيد بناء "دولة القمع والخوف"، وإنما معركة ديمقراطية في الأساس، وصراع الثورة مع ثورة مضادة تعتقد أنها انتصرت وآن لها أن تجهز نهائيا على ما تبقي من روح ثورية أو حركة رفض ولو كانت جذوة خافتة.
فواقع الحال أننا إزاء نظام بوليسي/عسكري يعادي الحريات العامة والخاصة ويريد أن يركع الجميع ليسبح بحمده ولا يتجرأ أحد على رفع صوته بالاحتجاج مهما كان يتوجع أو يعاني فاتورة الاستبداد والفساد والتبعية والتفريط في المصالح والحقوق الوطنية.
ووزير الداخلية ليس إلا عبد المأمور، ولو تمت إقالته سيأتي بعده من يسير علي نفس النهج، ولن يتغير شيئا.
فهل نحن مستعدون لخوض هذه المعركة وفضح لعبة خداع الرأي العام وتمييع القضية والتضليل، وتقديم رأس النظام أنه "لحكيم والمنزه من كل خطيئة" ويتم مناشدته للحل والتعطف والتكرم، واختصار كل المشاكل والأزمات في مساعديه، وكأنه ليس مسئولا عنهم أو مصدر الأوامر لهم، ويقدمون أمنه على أمن الوطن والمواطن.؟!
فهل نحن مستعدون كجماعة صحفية على خوض معركة انتزاع حقوقنا وحرياتنا وإعطاء المثل والقدوة لغيرنا من النقابات ولجموع الشعب، فيما الاختراقات مستمرة والعبث والتلاعب بقضيتنا يتواصل، والمنوط بهم قيادة المعركة يفرطون ويهدرون لحظة مواتية ويفرغون شحنات الغضب بالتسويف والاتصالات السرية المشبوهة.
و ثمة رائحة كريهة أو لعبة أمنية سيئة السمعة تحدث في نقابة الصحفيين لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون بعيدة عن من يسمون الحكماء أو شيوخ المهنة أو رؤساء التحرير ورجال النظام الذين يمارسون دورهم المتواطئ لتبريد الحراك وإفشال المعركة النقابية ذات البعد الديمقراطي الوطني بامتياز في مواجهة الاستبداد.
والذين لا يخجلون من التصريح بجريمتهم في البرامج التليفزيونية المختلفة وكشف بعضا مما يدور في الكواليس وما يرتب من مؤامرات يسمونها "لغة حوار" "لغة عقل" و"مشاورات للحل"، وللأسف وسط تأييد من عدد ليس بالقليل من مسئولي النقابة.
فبعد الدعوة لجمعية عمومية طارئة.. لم تسر بشكل قانوني ولم يتم التوقيع علي الحضور ليكون بمثابة حشد فقط، ليتسنى التراجع لاحقا عن أية قرارات، وهو ما يحدث الآن.
وتم الحديث عن اعتذار الرئيس، ليأتي من يسمون "المفاوضون" أو "الوسطاء" أو بالأحرى رجال أبواق النظام ليخطئوا النقابة، ويقولون هذه ورطة كيف تطالبونه بالمسئولية والاعتذار ثم تطلبون تدخل.
وفي منتصف الطريق بقدرة قادر أصبح لمجلس الوزراء دور وللبرلمان الذي يعرف القاصي والداني أنهما مؤسسات شكلية تابعة للجنرال..ويتم الحديث انه من الكياسة ترك الأمر لهما.
وان بيان النقابة الأخير هو ما استفز مجلس الوزراء وبعد تحمسه للاعتذار في صيغة مائعة لا تعترف بالجريمة التي حدثت وانتهاك حقوق الصحفيين وامتهان كرامة المهنة والنقابة والتغول الأمني على كل المؤسسات وإهدار القانون، يتم الحديث عن صيغة احترام حرية الصحافة ومكانتها ورفض الاعتداء عليها، كأنهما طرف ثالث وليس طرفا أصيلا متورط في الجريمة.
والآن يتم الحديث عن تأجيل اجتماع الثلاثاء المقرر لمتابعة تنفيذ القرارات السالفة ودراسة التصعيد لخطوات ابعد، مع اتصالات مع قيادة أمنية صغيرة وليس حتى قيادات عليا، و لقاءات مريبة هنا وهناك يتورط فيها النقيب ومجلس النقابة دون الرجوع للجمعية العمومية، مع
افتعال مشكلة جانبية لحرف الأنظار والإلهاء بعيدا عن القضية الرئيسية ألا وهي "الحديث عن جبهة تعديل المسار" و"سحب الثقة من مجلس النقابة" لنتدخل في معركة ثانوية، بينما يتلاعب كثيرون بالنقابة وبالمهنة ويفرغون المعركة من مضمونها ويهدرون حقوق وحريات الصحفيين ويتجاهلون أنهم قادة الرأي العام وقوى اجتماعية مؤثرة، وليسوا مؤيدين للنظام وللجنرال
أو مؤسسة تابعة للنظام الاستبدادي، وإنما قلعة حريات بحق، ولسان الحق والحقيقة وسلطة رابعة شعبية تستمد دورها ومكانتها من الانتصار لحقوق الناس والتضحية من أجل قول الحقيقة ومراعاة الضمير وكشف الفساد والفاسدين والمتلاعبين بمصير الأمة.
وللأسف يصدق على من يتصدون لهذة الأزمة أو بالأحرى يصدق علينا جماعة الصحفيين قول بشار بن برد: اعمي يقود بصيرا لا أبا لكم.. قد ضل من كانت العميان تهديه.
عاش كفاح الصحفيين.. والعار للانتهازيين وخدم الاستبداد والفساد