هروب السوريين من الحرب والموت

ربحان رمضان
2016 / 5 / 8

التقيته في أحد معسكرات اللجوء المنتشرة في النمسا .. قال لي بحزن وحسـرة : " أنا أكره الحياة"
أبو ماهر في الأربعينات من عمره ، شاب عيناه تدمعان وهو يقصّ ماجرى معه يشتاق لبيته وأرضه وعائلته ، كان صاحب أملاك " أراض زراعية وسيارة كبيرة لنقل المحروقات وبيوت " إلا ان ملاحقة أجهزة القمع له دفعه للهرب بجلده .. " ولم يجلب معه إلا قصته !!
من أجل أطفاله الثمانية كان يواصل العمل ليل نهار دون أن تكون لديه أية علاقات سياسية أبدا ، لا مع الجيش الحر ّ ، ولا مع نظام القمع والاستبداد .
قال لي : لما خرج السوريون في مظاهراتهم السلمية لم أفهم من شعارات تلك المظاهرات إلا شعار واحد هو " ارحل يابشار" .
قوات قمع النظام هي التي بدأت بإطلاق النار على المتظاهرين السلميين بشكل عشوائي ليسقط الناس صرعى كالعصافير ، وتغمر الدماء الشوارع والمشافي ، ومن كان ينجو حينها من القتل كان يعتقل وكنت أنا واحد من أولئك الذين " لمتهم " أجهزة المخابرات بدون أن اعرف لماذا أعتقلوني ، حيث أني لم أكن لاناشط سياسي ولا مسلح ، لم أشارك بأية مظاهرة ..
في اعتقالي لم أكن أصدق مالذي يجري حولي .. ساقوني مع بقية الناس كالأغنام إلى فروع التحقيق والمعتقلات وهم يركلونا يضربونا بكل مالديهم من عزم وقوة ، كانت الدماء تغمر أجسادنا وهم يسوقونا إلى فروع المخابرات تحت سيل من السب والشتم تشمل الأب والأم والأخوات بؤس الكلام ، ثم يرمونا في زنازين ومنفردات ..
غرفتنا التي رموني فيها كانت صغيرة جدا ، كنت أنام واقفا على أقدامي لفترة زادت على العشرة أيام .. ولما أطلقوا سراحي لأول مرة أخرجوني حافي القدمين وعاري الجسد الذي أصبح بألوان " قوس قزح" ..
لم يطلقوا سراحي حتى أخذو مني كل شئ ، لم يتركوا معي قرشا واحد ، مشيت كالسكران في أزقة " الشام " ، أبحث عمن يوصلني الى بلدتي القريبة من دمشق .
وأخيرا لم أجد بدا من المشي باتجاه البيت ، ورغم البرد القارس لم أشعر بالبرد ابدا ، ولم أصل جتى طلوع الفجر .
لما وصلت بيتي كان اولادي نيام ، طرقت الباب فوجئت زوجتي المسكينة وارتعبت ، صاحت تسأل من الطارق ، قلت لها زوجك وحبيبك ، قالت لي أعد ماقلت أرجوك ،أنا لا أصدق .. وفتحت الباب وأجهشنا بكاء .
وفي اليوم التالي ، الح ّ علي اهلي أن يروا جسمي ، الملون نتيجة الصدمات الكهربائية ، وحرق السكاير عليه .
صرت أخاف الخروج من البيت ، قوات الجيش ملأت الشوارع والساحات ، اختبأت في البيت مدة طويلة ، لكن خوفي من وحش الجوع اضطررني للعمل مجددا .
لم تمضي فترة قصيرة حتى اعتقلت ثانية ، فبينما كنت اسوق شاحنتي المحملة بالبترول أوقفني حاجز عسكري وطلب بطاقتي الشخصية ، وما أن نظر الى الهوية حتى قال لي : " انت من منطقة ارهابية !! " .
قلت : " شو " منطقة ارهابية ؟ وما شأني ؟ ليست لي علاقة بغيري ..
أجاب وبصوت فظ يقطع القلوب : اخرس .. انت ارهابي .. قرِّب ولا " اقترب ولا " .. أخو الشر .. .. "
اقتربت منه ، ووقفت إلى جانب المحرس ، وبعد خمس ساعات بطولها من الانتظار قال لي : " أنت موقوف عنا ولا " أي " أنت معتقل" وفي هذه الأثناء وصلت سيارة مدنية فيها مسلحين أخذوني إلى فرع " الصنمين" التابعة لمحافظة درعا .
صادروا السيارة " مصدر رزقي " التي أملكها واعمل عليها وأدخلوني مبنى " الفرع " مع شتائم تشيّب شعر الرأس ، وركلات من رجال تحسبهم حيوانات مفترسة .
قالوا انت من منطقة ارهابية ياحقير ، وانهالوا ضربا وركلا بكل ما أوتوا من قوة حتى أغمي علي .
عندما استيقظت وجدت نفسي في قفص قرود لا تتجاوز مساحته المتر ، أحسبه بئر سيما وأن رائحة كريهة تعبق فيه من مياه آسنة ، ومن رائحة دمي النازف نتيجة ضربهم لي ساعة وصولي .
النور خافت يأتي من سقف الزنزانة ، لأن الوقت اعتقد أنه أصبح ليلا ..
غمرني شعور بالبكاء والخوف على زوجتي وأولادي .. وعلى مصيري بين ايدي هؤلاء الظلام ..
جاء عسكري وباشر بشتمي باوسخ الكلام وهو يخرجني من القفص وانهال علي بالضرب ، وادخلني غرفة مظلمة فيها نور شحيح ، وعلقني من يدي بحبل معلق لهذا الشأن كما يظهر ، وقال : قل لي أنك ارهابي ، اعترف يا ..... وكنت أقول انا لست بارهابي ، أنا مواطن أنا مواطن وهو يشتم ويقول مافي حدا منكم من هالوطن كلكم غرباء ياكلاب ، الوطن برئ منكم ، يلعن امك اللي جابتك ياحقير .. ويشتمني ويشتم الرب والدين والعالم كلو ..
ثم شد ّ قدمي ّ بحبل فأغمي عليي ، ولم استيقظ حتى صبّ سطل ماء فوق رأسي وعاد يقول : قل انك ارهابي .. قل انك ارهابي ..
والله سأشنقك ياكلب ، وإذا لم تعترف ستبقى مشبوح حتى الصباح ، وغادر المكان ..
نظرت الى جسمي ازددت رعبا وأنا انظر الدم يسيل من يديي المعلقتان .. يا الله كلمة خرجت من قلبي .. دعوته أن يترأف بحال عائلتي ..
ترى ماذا فعلوا بأولادي هؤلاء الظلمة .. لم أنام ليلتها قلقا ، وألما ..
في اليوم التالي رمى صحن فيه نصف بيضة وقطعة خبز بين قدمي ..
ثم جرني جانبا وفك يدي وقال : كول " ولا " * ، بدك تخلص أكلك بعشر ثواني
فبلعت الأكل بلعا ً من الخوف والهلع ..
ثم قال انزع بنطلونك ولا ، قلت لماذا ؟
قال لتبول في المرحاض ، وبخمس ثواني " وّلا .. "
وفعلا لم أعرف كيف بولت من الخــــوف ، ثم ركلني ، ودفعني إلى داخل قاووش * فيه أكثر من سبعين رجل بمساحة لا تتعدى العشرين متر .
هياكل بشرية ، أجساد دون لحم ..
تيقنت أني ميت لامحالة ، وانتظرت الموت .. !!

بعد ثلاثة أشهر جاء نفس العسكري وقال لي افراج ياارهابي ، قالها وهو يضحك ضحكة لؤم ، وتابع : اليوم ستخرج واياك أن تقول لأحد انك كنت عندنا موقوف .. فهمان ولا ؟؟
سلموني أغراضي ومفتاح سيارتي ، ووصل معي العسكري إلى مرأب كانت سيارتي فيه .. فسارعت اشغل المحرك لكنها لم تعمل .. وعندما سألته مستغربا عن السبب ، قال لي أن الوقود تبخر ، وكل الوقود المحمول تبخر ايضا ..
لما عدت إلى البيت كانت زوجتي قد مرضت ، أمسكتني من كتفي وقد اشتد بها البكاء وراحت تترجاني أن أوافق على الرحيل ...

**************

الجيش يداهم البيوت ويسرق الحلي والمصاغ التي تعوّد السوريون شراءها لتكون عونا لهم يوم الحاجة .. ويتربص في مفارق الطرق ليعتقل الرجال والصبية ..
قررت مع زوجتي أن نرحل . إلى أية مدينة فيها أمان ..
أصبحت اضرب اخماس بأسداس ، أين نذهب يارب ؟؟ لم أفكر أن ابتعد كثيرا عن منطقتي التي كانت خضراء ويبس عودها من الحرب ..
اخترنا منطقة عدرا العمالية وأقمنا فيها لفترة تزيد عن العام لكني توقفت عن قيادة سيارتي الشحن سلمتها لسائق يعمل عليها بالاجرة ذلك خوفا من الاعتقال مجددا .

************

بتاريخ 11 / 12/ 2013 انسحب الجيش النظامي ومجموعات تابعة له واقتحمت المدينة مجموعات مسلحة أخرى صرح أفرادها عن انفسهم أنهم من جبهة النصرة
سيطروا على كامل المدينة العمالية يومها ، وبدأوا ومنذ دخولهم المدينة باعتقال المسيحيين والعلويين والدروز وكل من كان يعمل في دوائر الحكومة من أجل تأمين لقمة العيش ، فتقتل وتقطع الرؤوس وتحرق الجثث في حاويات الزبالة وأصبحت أنا أيضا من المطلوبين لهم لأني كنت اعمل بسياقة سيارة تنقل البترول في محطات بنزين تابعة للحكومة .
اضطررت مرة أخرى التخفي من أعين هؤلاء ايضا فاخترت مكان سري في البيت واختبأت لمدة 21/ يوم ، كان سكان البناء ومنهم أولادي واختي وزوجها بقتاتون الأعشاب وورق الشجر ، وبقيت اربعة ايام بدون طعام ،
كنت متخفيا من النصرة المحسوب على الثوار بعد هروبي من الجيش الذي بدأ يقصف المدينة بشكل عشوائي ويقتل الأطفال والنساء والشيوخ .
ذات يوم انتشر الضباب في المدينة فاستغل الناس هذه الظاهرة وهربوا عبر بساتين الزيتون ، وعندما احست قوات الجيش بذلك راحوا يطلقوا النار على المدنيين الهاربين فسقط اكثر من 600 ضحية من الأطفال والنساء والرجال .
وفي اليوم التالي فتح الجيش الطريق للمدنيين من أجل الخروج من المدينة إلى معمل الاسمنت في عدرا مشيا ً على الأقدام ، وكانت المسافة طويلة وجبلية ووحلة ،
خرج الناس من المدينة بدون اي شئ وكنت انا بينهم مرتديا زي امرأة كي لايعرفوني ، خرجنا من المدينة منهكين من التعب والجوع وعندما وصلنا الى المعمل كان الجيش في انتظارنا ،
اشاروا ألى النساء أن تقفن جانبا َ ، والرجال الى جانب آخر ، فتركوا النساء والأطفال وأبقوا الرجال ننتظر للكشف على هوياتنا ، قالوا لنا من منكم من أهالي الغوطة فليخرج جانبا ً ، فخرجنا مجموعة تقدر بأكثر من 700 شخص ، وقالوا لنا : انتم معتقلين " موقوفين" لدينا لأنكم من الغوطة ، وجيش الحر من الغوطة ، انتم ياحقراء من أدخل الجيش الحر إلى عدرا العمالية .
ثم وضعونا في سيارة على شكل براد وأخذونا الى أحد فروع المخابرات وبدأوا بتعذيبنا ، والضرب حتى الموت ، مات أكثر من 400 شخص من التعذيب ومن الجوع والجرب ، وبعد اربعة أشهر افرجوا عنا وقالوا انتم ليست لكم علاقة بما جرى في مدينة عدرا العمالية
خرجت من المعتقل ووزني لا يتجاوز ال 37 كغ ، وجسدي مشوه بشكل كامل ، مصاب بالمرض نحيلا ... ساعتها ترجاني ابي ان اخرج من البلد الى اي مكان خارج سورية .
ولذلك هربت الى لبنان ، ومن لبنان الى تركيا وغامرت في البحر الى اليونان ، وبعدها إلى مقدونية وصربيا فهنغاريا ، ثم إلى النمسا ..
الأن أنتظر نتيجة تحقيق إدارة اللجوء في النمســـا .. لا أعرف أين اولادي و لا أعرف أين زوجتي ولا أهلي ، وهذا يزيد في عذابي ... الله يخلصنا منك يا بشار .. الله يخلصنا منك يا بشار .. الله يخلصنا منك يا بشار ..
= = = = = = = = = = = = = = = =
**كاتب وناشط سياسي سوري .
*كلمة " ولا " كلمة تصغير وإهانة .