كارل ماركس في العراق/ الجزء التاسع

فرات المحسن
2016 / 5 / 6






سلم جبار رغيف الخبز لكارل ماركس وعانقه وأطال عناقه .. تسللت دمعة حرى من عينيه وانسابت لتسقط على كتف الرفيق ماركس ..شد بساعديه وطوق رقبة ماركس وهمس في أذنه..
ــ أعذرني رفيقي العزيز.
***
شعر كارل ماركس بحزن ثقيل خيّم على قلبه، وانتابته مشاعر النأي عما يحيط به، غريب عن عالمه، بعيد عن واقعه،.وبمرور الوقت كان هذا الشعور يوسع شقة التباعد فتزداد معه العزلة، وتكون هناك فجوة نفسية تبعده عن الواقع رويدًا رويدًا فيعيش هذا التلازم بالوحدة والتغرب. التغرب النفسي للتركيز على التمايز بين الوجود والجوهر، وها هو الوجود يلتبس لديه فيشعر بالحاجة للنأي عن مثل هذا الموقف، ولكن كيف وهو وحيد معزول في هذه الغرفة الرطبة العطنة المظلمة، لم يعد تفكيره بقادر على استيعاب سبب وجوده فيها أو الأحرى ما هو مستقبل وجوده. الاغتراب ليس مجرد مفهوم أكاديمي وللدراسة فقط، بقدر ما هو مشاعر تتلبس الإنسان، ويمكن ملاحظته في كل جوانب الحياة اليومية.
لقد عافه الرفيق جبار في هذا المكان الموحش دون إكمال شوط الرفقة. ورغم مساوئ الرفيق جبار فقد كان وجوده ضروريًا جدًا، لا بل كان يحمل الكثير من المعاني. على الأقل مع حضوره لم يكن ماركس ليشعر بوجود فجوة نفسية كبيرة تبعده عما يحيطه، وكان يجاهد وأيضًا وبسبب وجود جبار، ليكون قريبًا من الآخرين، ولم يفتقد بالكامل روح تقبلهم على علاتهم، وكان ممكن له من خلال الرفيق جبار التقرب من شبكة العلاقات الاجتماعية العراقية وتوطيده مع أصدقاء ورفاق عديدين، باستطاعتهم أن يألفوه وحتى يحبوه مثلما يحاول بدوره أن يفعل ذلك. ولكن الآن بعد أن انفرد بنفسه وشعر بالفراغ المكين الذي يحيطه، لم يعد يستطيع التفكير بالذي سوف يحدث له في قادم الأيام، وهو الغريب البعيد عن وطنه ولم يعد له من يتواصل معه.
الأجنبي أبو كفشه هذا ما يطلقه عليه هؤلاء المجرمون. ربما أن أسهل الطرق لديهم ولإبعاد أي شعور بالضجر أو التردد أو افتضاح أمر أفعالهم، لذا سوف ينجزون مهمتهم برميه جثة هامدة في النهر القريب الذي وعدوا به الرفيق جبار قبل الآن. هؤلاء اللئام الأراذل لن يشعروا للحظة واحدة بتأنيب ضمير، فهم يرتكبون جرائمهم وينامون ملء جفونهم، بينما ضحاياهم يرتعدون خوفًا في انتظار المجهول.
ها هو اليوم الأول مضى برتابة ثقيلة ومؤلمة شعر فيه ماركس بقدرة الوحدة على الضغط وتفكيك وإضعاف النفس ووضعها في حالة قاتلة ومدمرة من الرثاثة والهشاشة. مضى اليوم ولم يحصل فيه من أحداث استثنائية وبنفس الرتابة كان يسمع ضجيج أصوات الحيوانات وكالعادة تناول رغيف الخبز أو صحن رز مع اللبن أو الخضرة وشيء من زبد، وكانت جميعها مشاهد روتينية مرت دون أن يشعر بقيمتها أو حتى تأثيرها بعيدًا عن وجود الرفيق جبار الذي كان يتسابق معه لإشباع البطن.
راوده تفكير عن طبيعة ما يقدم له من طعام. يا ترى هل هم فقراء إلى هذه الحدود مما يجعلهم يمتنعون ولو لمرة واحدة عن جلب وجبة دسمة من غداء أو عشاء. يا ترى بخلاء أجلاف رغم تعاملهم بآلاف الدولارات التي تدرها عليهم جرائم الاختطاف والسرقات، أم تراهم يفتعلون هذه الحالة مع ضحاياهم، وفي نفس الوقت يتناولون طيب الطعام في غرفهم القريبة من مكانه.
ــ أنته من يا بلد؟
ــ أنا من المانيا.
ــ ألمانيا وين تصير؟
ــ بأوربا.
ـــ أها .. هاي كلش بعيده.. وانته شتسوي جاي للعراق؟
ــ أني خبير بالآثار وذهبت إلى الناصرية للاطلاع على الآثار السومرية.
ــ شنو أدور عظام الميتين؟
ــ لا أبحث عن آثار أيضًا.
ــ شنو راح تستفيد من الآثار؟
ــ حتى نعرف التاريخ .
ــ وهسه أحنه شنو مستفيدين من هذا الوكت حتى تجي أنته أدورلنا بالتاريخ.
ــ التاريخ مهم للعالم مثلما مهم للعراق.
ــ والله أبو كفشة وروح بيبيتك.. وداعت هاي لحيتك المعثكَة، محد سلكَ أبو العراق غير التبحوش بالتاريخ المصخم.
ــ هذه مشكلتكم وسببها انتشار الجهل بينكم.
ــ عوفنا من هذي السالفة. باجر راح أبو بشير يطلب فلوس من السفارة الألمانية حتى نطلعك.
ــ وما مقدار المبلغ الذي تطلبونه؟
ــ هذا شغل عمي حجي أبو بشير.
ــ وأذا لم تقبل السفارة دفع المبلغ؟
ــ طبيعي أنطكك بالدهن.
ــ ماذا يعني ذلك؟
ــ يعني تسيس بالشط.
ــ لا أعرف ماذا تقصد من كلامك هذا.
ــ شوف أبو كفشه.. مخلص الحجي إذا السفارة ما تدفع يعني أنته تموت.
هكذا كان يدور الحوار بين كارل ماركس وأحد المسلحين الذي جلب له مساءا صحن الطعام، حين انفرج باب الغرفة ليدخل ثلاثة من المسلحين طلبوا من كارل ماركس الوقوف ثم اقتادوه إلى الغرفة الأخرى. كانت غرفة مؤثثة جيدًا وهناك منضدة خلفها كرسي وعلى يمينها تلفزيون كبير وثمة مكتبة تحتل جدار الغرفة عند المدخل وفي جهة اليسار من المنضدة تقف ثلاجة كبيرة بلون رمادي باهت. لوحة لريف تمتد خضرته في عمق غابة نخيل علقت خلف أبو بشير الذي جلس وراء المنضدة بثوب الأبيض وغطاء رأس أبيض مرقط بمربعات حمراء صغيرة.
ــ أرسلنا إلى السفارة الألمانية نسخة من جوازك وصورة لك وأنت عندنا في الغرفة، مع معلومات عن وضعك، وقد دسها أحد أصدقاؤنا في صندوق بريدهم، وأبلغناهم بأننا سوف نتصل بهم في وقت لاحق بعد أن يطلعوا على صورتك وجواز سفرك وطلباتنا التي دوناها لهم.
ــ وما الذي طلبتموه منهم؟
ــ قيمتك كبيرة حجي كارل ماركس.. بس الكفشه تسوه مليونين.. أنته جاسوس إسرائيلي ومسوي نفسك خبير آثار.
ــ جاسوس إسرائيلي؟!
ــ نعم جاسوس يهودي صهيوني، أنتم أعداء الدين الإسلامي الحنيف،، خنازير.
ــ وعلى ماذا أتجسس وكل شيء مكشوف في بلدكم ووسط حكومتكم هناك جواسيس دوليون كبار فما نفعي أنا؟
ــ هاي مو شغلتك وباجر راح كلشي يبين.. أني سأتصل بالسفارة الألمانية ونشوف شكد سعرك.
ــ لتعبون نفسكم.. لن تحصلوا منهم على شيء يذكر..
ــ شنو قصدك؟
ــ لن يبادلوني ولو بجنيه واحد.. فهم يعدوني عدوًا لهم..
ــ شوف لك أنتم كلكم قردة وخنازير ما ينعرف منكم الصدك من الجذب.. كفرة ملحدين.. إذا حجيك هذا طلع صدك فراح أنعل سلفه سلفاك.. أسلكك سلك، أنتف لحيتك وأهلس كفشتك، وجماله متريد تكول شنو أسباب جيتك للعراق؟
ــ سبق وأن أخبرتكم، أنا عالم آثار..
ــ علينا..مو ملينه.. على أساس لوتي وما ينحزر.. يوم يومين وراح نعرف سرك.
ــ ماذا تريد أن تعرف؟
ــ أنته منو وليش ولماذا أنت في العراق؟
ــ أنا عالم أثار..
ــ أخذوا رجعوا لمكانه.. هذا ما منه فايده..هو وحظه باجر..
ــ أليس بالإمكان أن أبقى هنا قليلا وأن نناقش سبب اختطافي ..
ــ لك صدك أنته قشمر.. ليهسه ما تعرف ليش خطفناك.. ليش أحنه دنلعب وما عدنه شغل، ولأن أنته عندك كفشه ولحية ولو أنته أحمر أبرص ولهذا خطفناك.. مو صاحبك هسه كاعد يم أهله بعد ما دفع سبعتالاف دولار.. سفارتك تدفع نطلعك.. ما تدفع الشعب الألماني يتحمل خطيتك.. يله أخذوا.
ــ صدقني لن تحصل منهم على دولار واحد... لو أنكم تتصلون بجبار فربما يساعد في حل مشكلتي.
ــ سوف نرى وأحنه من يقرر ذلك وليس أنت.. لكم أنتم مد تفهمون مو دا أكول أخذوا.
عند تلك اللحظة سحب مسدسا وألقمه رصاصة ورفع يده وسدده نحو كارل ماركس.تقدم أحد الرجال وسحب ماركس من يده ثم دفعه نحو الباب.

f_almohsen@hotmail.com