- كان ابني جميلاً- الجثث الفلسطينية والحقائق التي لا تصلنا

فضيلة يوسف
2016 / 5 / 6

في 13 تشرين الأول 2015، ذكرت وسائل الإعلام أن رجلين فلسطينيين دخلا الحافلة رقم 78 في حي Armon Hanatziv في القدس ، ثم طعنا واطلقا النار على اثنين من المواطنين الإسرائيليين. قُتل أحد المهاجمين المزعومين، بهاء عليان (22عاما) برصاص الشرطة الاسرائيلية. واعتقل الآخر، بلال غانم (23 عاما). وقع الهجوم خلال ما يطلق عليه البعض الانتفاضة الثالثة، وكان مركزها القدس، حيث يبلغ معدل الفقر بين الفلسطينيين أكثر من 75 في المئة.
نشرت مجلة التايم في 15 تشرين الأول عام 2015، مقالاً بعنوان، " اليأس ، يقود الشباب الفلسطينيون إلى العنف"، ويصف المقال غضب الشبان الفلسطينيين الذين يدفعون "ضرائب الأجور مثل السكان الإسرائيليين، ولكن يحصلون على القليل من الخدمات". افتتح المقال بوصف بهاء عليان: "يوم الثلاثاء، قتلت قوات الأمن الإسرائيلية مصمم جرافيك من حي جبل المكبر، بعد محاولته تنفيذ هجوم في القدس."
وفي غضون أيام، نددت منظمة إسرائيلية غير حكومية، - و بعد بضعة أشهر مكتب الصحافة الحكومي الإسرائيلي - ب "أنسنة المهاجم" الذي قامت به مجلة التايم وطالبوا بنشر أسماء القتلى الاسرائيليين وتأكيد - أن بهاء عليان لم يقم ب"محاولة"، لكنه في الواقع، نفذ الهجوم. لم تستجب التايم على الفور.
في وقت متأخر من تشرين أول ، زاد الاهتمام بالقصة عندما مات ريتشارد لاكين،( 76 عاما ) الشخص الثالث من المصابين بجروح في الحافلة، بالإضافة إلى ألون غوبرغ ، (51 عاما)، وحفيف حاييم،( 78عاما). لاكين، في الأصل من ولاية كونيتيكت وكان يدعو للتعايش الإسرائيلي - الفلسطيني، زاره ، وهو يرقد في المستشفى، العديد من الشخصيات بما في ذلك رئيس بلدية مدينة نيويورك والأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون.
"لقد فرضت إسرائيل العقاب الجماعي علينا."
قبل بضعة أشهر، قرأت هذا الخبر وأرشفته ضمن قائمة متزايدة من الأحداث المأساوية التي تحدث باستمرار في الأراضي المحتلة. ولكن ما فهمته عن هذه الحادثة تغير في آذار من هذا العام، عندما زرت ضمن وفد من 19 ناشطا من الولايات المتحدة الضفة الغربية وإسرائيل. هناك، رأيت بنفسي أن المقالات التي قرأتها وافترضت أنها "موضوعية" عن الوضع في فلسطين قد أعطتني إحساسا أخلاقيا كاذباً من التوازن.
زرت امرأة فلسطينية تبلغ من العمر 92 عاما في حي الشيخ جراح في القدس. كانت تتنفس عبر أنبوب الأوكسجين، وترقد على سرير في نصف منزلها – أما النصف الآخر فقد تم مصادرته من قبل إسرائيل ويسكنه المستوطنون اليهود. رأيت الصبية الفلسطينيين، يجلسون في المحاكم العسكرية (يحاكم الإسرائيليون في المحاكم المدنية)، والأدلة أشرطة فيديو - وليست من مسرح الجريمة الفعلي -، مبنية على اعترافات للصبية أدلوا بها للجيش الإسرائيلي، قبل أسابيع ، على الأرجح من خلال التعذيب. لقد استمعت إلى الناس الذين أمضوا عشرات السنين في السجون الإسرائيلية، الذين فقدوا الأرض والمنازل وأحبائهم. وفي وقت متأخر من بعد ظهر يوم 26 آذار وفي حي جبل المكبر في القدس، التقيت والد بهاء عليان.
تحدث محمد عليان لوفدنا في منزل مجاور لحفرة مليئة بالأنقاض التي كانت يوماً منزل عائلته. قرأت قبل فترة طويلة من هذه الرحلة، عن تجريف الحكومة الإسرائيلية أو ضخ الاسمنت في منازل أسر الفلسطينيين المتهمين بمهاجمة الإسرائيليين، أو قذف الحجارة أو بناء منازلهم "بشكل غير قانوني". لكن تدمير منزلهم لم يكن فقط ما حدث لعائلة عليان. ففي الاسلام مثل القانون اليهودي، يجب دفن الموتى خلال 24 ساعة من الموت، جمدت الحكومة الاسرائيلية جثة بهاء عليان ورفضت إعادتها أو السماح بتشريحها للكشف عن سبب الوفاة.
هذا هو شكل قديم من الانتقام الإسرائيلي. ظلت الجثث الفلسطينية مجمدة منذ الهجوم على غزة عام 2008-2009، وخففت الحكومة الإسرائيلية هذه السياسة حتى تشرين أول الماضي، عندما بدأت مرة أخرى بتفريز جثث عشرات من المهاجمين الفلسطينيين المتهمين - ومعظمهم من المراهقين أو الرجال والنساء في العشرينيات من عمرهم . سمحت الحكومة في الأشهر الأخيرة بإعادة بعض الجثث "ولا تزال مجمدة" ولكنها تطلب من الأسر دفن موتاهم في وقت متأخر من الليل وعدد محدود لحضور الجنازة خشية حدوث مظاهرات سياسية خطيرة .
استمع محمد عليان ، الذي أصبح ناشطاً للأسر الفلسطينية التي تسعى لعودة جثث أبنائها، لأعضاء الوفد الأمريكي الذي كنت معه: أكاديميون ودعاة إلغاء عقوبة الإعدام ، ونشطاء دخلوا السجن في الولايات المتحدة لأسباب سياسية،. وعضو في منظمة الفهد الأسود يبلغ من العمر 81 عاما الذي تذكر طفلاً أسوداً تم حرقه في الجنوب في الخمسينيات؛ وأم تربوية أمريكية يابانية الأصل عاشت مع عائلتها سنوات في معسكر اعتقال الولايات المتحدة ... وبعد أن قدمنا أنفسنا، تكلم محمد عليان وقامت بالترجمة رباب عبد الهادي:
أنا محام وكاتب. أكتب القصص القصيرة والمقالات. وسوف أشارك تجربتي معكم. ربما سيكون صعباً، ولكني أعتقد أنكم سوف تتفهمون الوضع ، نظراً لتجاربكم.
مررت بنوعين من التجارب لا أتمناها لأي شخص. أنا والد الشهيد، وهُدم بيتي.
في 13 تشرين الأول 2015، تم استدعائي من قبل المخابرات الإسرائيلية، وقالوا، "قتلنا ابنك". لماذا تم قتله؟ زعموا أنه كان يحاول طعن واطلاق النار على الحافلة. كمحامي، طلبت أدلة. أدلة على أنه ابني فعل هذا. طلبت أيضا أن أرى جثته، وقد رفضوا ذلك. لم يقدم لي أي دليل على أن ابني فعل ما يقولون انه فعله. وحتى الآن، ترفض إسرائيل نشر أي نوع من التفاصيل حول ما حدث. يكون الشخص وفقا للقانون الدولي، والأمم المتحدة، وفي القوانين مسؤولا عن الفعل الذي قام به . دعونا نفترض، فقط من الناحية النظرية، أن ابني فعل ما قالوا انه فعله. قام بطعن وقتل، وهو تلقى عقابه، من الناحية القانونية. لماذا يعاقب والده ووالدته وجدته، وجده، وإخوته الصغار ، لماذا يعاقبون؟
فرضت إسرائيل علينا عقاباً جماعياً في نواح كثيرة. أولا، أنها تحتجز جثة ابننا منذ 13 تشرين أول وحتى الآن، وبعد مرور ستة أشهر، يرفضون إطلاق سراحه. ثانياً، هدموا منزلنا - وطننا الذي يحتوي على ذكريات الحب، الألم، السعادة، جميع الأشياء التي حدثت بيننا. والثالث أنهم يهددون بإبعادنا إلى غزة أو إلى سوريا. يعتقدون، خطأ، أن العقاب الجماعي سوف يؤثر على نضال الفلسطينيين من أجل حريتهم. سنوقف المقاومة عندما ينتهي الاحتلال، وليس من خلال العقاب الجماعي. وصف محمد عليان انتظاره أشهراً لدعوة المخابرات الإسرائيلية له لاستلام جثة ابنه. وأوضح أنه حتى عندما يتم الإفراج عنها ، يجب أن توافق العائلات على الدفن في وقت متأخر من الليل، وبعدد محدود من الحضور – وعدم التقاط الصور ودفع كفالة 20000 شيكل (أكثر من 5200 -$-) لضمان عدم انتهاك شروط الدفن. وحتى إذا تم استيفاء هذه الشروط، لا يتم إعادة الكفالة أبدا. وصف ابو بهاء قساوة وجود جثة طفلك المجمدة في أيدي أولئك الذين قتلوه وقال: قبل أسبوع رأيت شيئاً كنت اعتبره أمراً عادياً من قبل ولكن الآن رأيته بشكل مختلف. رأيت قطة تحفر الأرض وتدفن قطة صغيرة من ابنائها . قلت لنفسي، حتى الحيوانات تدفن أبنائها القتلى. ماذا عن الناس؟
نحن نكافح من ستة أشهر- من الناحية القانونية -، وفي وسائل الإعلام، على الصعيد الدولي، وعلى المستوى الشعبي - من أجل تحرير جثامين أطفالنا المحتجزة في الثلاجات. نحن لا نعرف ما يفعله البرد القارس في جثامينهم ، قد تدمر الأجهزة، وقد تدمر الجثة نفسها. ما هو الضمان أن الجسم لم يتحلل ؟ جثامين الأطفال المصابة بالرصاص موضوعة في كتلة من الجليد.
لم يكن هناك استقرار. نحن منهكون وقلقون ليلاً ونهاراً.. كل ما أريده هو أن أرى الموت في وجهه. ونحن، كمسلمين وكبشر، لا يمكننا مواجهة الموت حتى نرى الجثة ، وفي الجنازة. لنقول وداعاً. ما زلنا ننتظر، في حالة مستمرة من قبول التعازي.
ما يكسبون من احتجاز جثث الأطفال؟
في وقت سابق من اليوم، قلت لوفد من الأطباء النفسيين الأمريكيين أنني أعتقد أن الأطباء النفسيين نصحوا الجيش الإسرائيلي بإلحاق هذا النوع من الألم على الشعب الفلسطيني. لأن هذا العمل منتظم ، ومدروس ومخطط له. وتصر إسرائيل على استخدامه رغم كل ما تفعله المجتمعات الدولية والمحلية.
التشريح:
واستمر عليان في الحديث : من أجل تقديم شكوى قانونية إلى المحكمة العليا الإسرائيلية، فإن تشريح الجثة ضروري. ومع ذلك، فإن الحكومة الإسرائيلية تمنع عائلات الفلسطينيين المتهمين من تشريح الجثث. وأضاف: ولذلك يتم دفن حقيقة ما حدث رغم عدم دفن الجثة . وتستمر المعاناة حتى عندما يفرج الإسرائيليون عن الجثث.
حالة الجثة لا توصف. هذا مؤلم جدا. تخيل الجثة في كتلة من الجليد، يديه مثل هذا، يُبعد عليان ذراعيه بعيداً عن جسمه والأصابع هكذا منفرجة ، يبقون مثل هذا. لا يمكنك ثنيها. لا يمكنك وضع أي شيء. لا يمكننا حتى وضعها في القبر. لا يمكننا وضع الذراعين على الجانبين هكذا وفقا للشريعة الإسلامية. وعادة ما يطلبون منك الدفن في غضون ساعة ونصف.
ذهبنا نحن أسر الأطفال الصغار الذين يتعرضون للخطف إلى وكالات، بما في ذلك اللجنة الدولية للصليب الأحمر. لقد طلبنا لجنة دولية محايدة ، لتقصي الحقائق حول احتجاز الجثث. وأردنا أن يُصهر الجليد قبل تسليم الجثث. والآن رفعنا قضية في المحكمة العليا. ولكن من واقع خبرتي، فإن المحكمة العليا الإسرائيلية لن تتخذ قرارا من شأنه أن يتعارض مع المخابرات الإسرائيلية.
قبل يومين، أصدرنا نداءً عاماً للسلطة الفلسطينية لتقوم بشيء من اجل الإفراج عن جثث أطفالنا. لم نكن قلقين حول تدمير بيوتنا. قلنا أن البيوت ليست أهم من الجثث.
وحتى في مواجهة الحزن الهائل، يتحمل الفلسطينيون رؤية الآخرين لهم باعتبارهم أقل من البشر. تعكس الرواية الإسرائيلية كما يقول محمد عليان ، أن الفلسطينيين إرهابيون:
لا تريد وسائل الإعلام الغربية أن تسمع عن الواقع الفلسطيني. عندما ألتقي المراسلين الدوليين، يقولون لي، "لقد قام ابنك بعملية قتل. أنا أقول إنني لا أعرف أنه قتل أي شخص. لا يوجد أي دليل على أنه فعل.
عليك أن تفهم أنه لا يكفي البكاء عندما يقتل إسرائيلي. يجب أن تفهموا أننا شعب محتل. نحن نموت. يتم مصادرة أرضنا. ويجري هدم بيوتنا. وفي الوقت نفسه نحن متهمون بأننا إرهابيون. حتى في حالة الحرب، من المفترض أن يكون هناك قيم ومعايير. من المفترض احترام الناس في الأراضي المحتلة.
ما الشيء الذي يسمح للجندي الاسرائيلي لإطلاق النار على طفل؟ وجعله ينزف حتى الموت دون أن يفعل أي شيء؟ تخيل الجيش المدجج بالسلاح انه يدافع عن نفسه ضد الطفل، ربما يحمل سكينا أو مقصاً أو قلم رصاص شحذ قليلا. ويُنظر لهذا الطفل بأنه إرهابي. هذه الحقائق لا تصل إليكم.
كان ابني جميلاً. كان فناناً. بهاء متعلم ، ويهتم أيضا بالقراءة، وعمل مع الشباب الفلسطينيين الآخرين في خلق أطول دائرة قراءة في العالم حول أسوار مدينة القدس القديمة. ودخلت كتاب غينيس للارقام القياسية. لذلك، إذا قام بالطعن فعلاً ، لماذا؟ ربما يجب طرح هذا السؤال للإسرائيليين.
كان بهاء يذهب من البيت إلى العمل، ويرى نقاط التفتيش. ورأى الأطفال يتعرضون للقتل. وشاهد نساءً يتعرضن للضرب. ورأى الكتل الاسمنتية التي أغلقت الشوارع. رأى الشباب، عارياً، ويجري تفتيشهم .لم يستطع بهاء تحمل رؤية هذه الحوادث اليومية. ونحن جيل الآباء لم نقدم حلا. قدّم بهاء حياته من أجل ما يؤمن به. ولكن هناك ألف طريقة يمكن للناس من بعده أن يقومون بها دون تعريض أنفسهم للخطر. أنا لا أريد لأصدقائه أن يموتوا.
في وقت لاحق وقبل بضعة أسابيع ، وأنا في منزلي في مدينة نيويورك. نقّحت مجلة التايم المقالة التي نشرتها ، في تشرين الاول 2015 وكتبت أن بهاء عليان قتل اثنين من الركاب في هجوم على حافلة في القدس.
" وأنا أجلس في مقهى في قرية غرينتش، في حين يحاول أمين حسين، المخرج الفلسطيني، شرح الأشياء التي كنت لا أزال أواجه مشكلة في استيعابها. كلمة "شهيد"، على سبيل المثال، يقول حسين، هو الشخص الذي كان شاهداً على الظلم. حسين، وهو من قرية فلسطينية تحيطها خمسة مستوطنات إسرائيلية ، ويعمل على فيلم بعنوان الانتفاضة القادمة.
يتحدث عن ما يعانيه الفلسطيني قبل أن يهاجم إسرائيلياً بسكين أو مسدس أو مقص، وقد يتسبب في مقتل مدنيين أبرياء:
فقد معظم هؤلاء الفلسطينيين الإخوة والأخوات. لديهم أفراد من عائلتهم في السجن. ليس لديهم مستقبل. ويعيشون مع نظام يحاول أن يسلبهم كرامتهم. هو نفسه كما رأيتموه في فيرغسون. وكان التمرد فيرغسون من قبل من تم قتلهم ويقاتلون من أجل استعادة كرامتهم.
تستخدم إسرائيل شبكة الإنترنت والقانون، واللغة، والمنطق، ووسائل الإعلام، للإساءة لسمعة الفلسطينيين وتجريدهم من الإنسانية. لهذا السبب هناك صلة بين الفلسطينيين والسود. حياة الفلسطينيين تحت الحكم الإسرائيلي غير مهمة . وليست مشكلة ، الفلسطينيون هم مجرد مشكلة علاقات عامة. كيف تتعاملون مع مشكلة العلاقات العامة؟ تقول للناس إنهم يريدون الموت من دون سبب، وتقول إنهم يقتلون الناس الأبرياء. من هم الأبرياء في كل هذا؟
والآن، في 5 أيار 2016، وفي المحكمة العليا الإسرائيلية، أعلن مكتب المدعي العام أن السلطات ستبدأ ب"تسليم تدريجي" لتسعة من الجثث الفلسطينية من 19 جثة ما زالت محتجزة من قبل الحكومة، بشرط الاستجابة لمطالب الحكومة الإسرائيلية وأن لا تمجد طقوس الجنازة القتلى. وحتى كتابة هذا التقرير، من غير الواضح أن جثمان بهاء عليان واحد منها .
مترجم
Susie Day