قراءة في ديوان الزهور لاتنمو على نهايات الجلادين

ربحان رمضان
2016 / 5 / 5

" لندع أجراس الحرية تقرع
ياطغاة الشرق ارحلوا عن اجسادنا
خذوا معكم كل تاريخكم الأسود
لامكان لكم بيننا "
هكذا جعل الشاعر جان صالح نهاية كتابه - الزهور لاتنمو على نهايات الجلادين - وكأنه يريد أن يقول لطاغية الشرق بشار بن المقبور حافظ : " أن ارحل .. "
صدر الديوان بطبعته الأولى عن دار العين للنشر بالاسكندرية ، وصمم له الغلاف الفنان الكردي – السوري " لقمان أحمد " .
وصلني متأخرأ ً .. كتب لي في حواشيه :
" العزيز ربحان
رغم المسافات تظل القصائد حرّة ، لحر ّ مثلك ...."

تضمن الكتاب واحد وعشرين قصيدة من وزن التفعيلة أولها : " الرقص على وقع الحب والثورة " أراد أن تكون فاتحة ديوانه ، بدأها بما يختلج به قلبه وفؤاده عن الثورة والوطن والحب والكرد فقال :
" .. وثورة فقدت عيونها والضوء
حكايات للحب والموت
ذلك الأمل الأحمر كنار جبل الكرد على شواطئ المتوسط ..

في قصيدته التالية " من ذاكرة مقموعة " يتذكر صباحات الوطن ، وحبه الذي ينتظره منذ خمسين عام ، وسنديانة كانت شاهدة على ذكريات الذين مرّوا ، والذين يصنعوا الحرية بالحب ، والنهار يبشر بالأمل ..

ثم .. درعا الوطن ، وهو عنوان قصيدته الثالثة .. " تلك البقعة المنسية من الجنوب " درعا التي سكن القدر فيها ، بين جدرانها وفي ارواح من هتفوا للحرية .
في مرايا التربة الأولى ، عنوان قصيدته الرابعة يحن ّ لياسمين دمشق ، ويتذكر حالة البحث عن الأمل خارج إطار القمع ، فيقرر الرحيل إذ يقول :
وجوه الناس التي تبحث عن الأمل من وراء الحلم
المصلوب ..
سأذهب .. نعم
سأخرج للنور
سـأحلق مثل عصفور يستعيد أجنحته بعد عقود من المهانة " ..
ثم لا يلبث أن يعد حبيبته المفترضة قائلا :
" .. سأعود في صورة الوطن الجديد ..
حرا َ .. بلا أثقال وقيود ..
.. أجل الوطن .. لأجلك ..
حرية هي الحياة والولادة ."

في قناديل المساء يسبر عمق الحياة السابقة للحاضر يبحث عن الحرية في ظل قمع الجلاد ال " المنثور في كل تربة" ، والذاكرة في عتمة لأن الظلام "سراج الظالمين وراء القضبان " .

وفي قصيدته : سأظل أحبك يذكر المرأة التي غيبها ظلام المعتقلات في حين أنه هرب في ظل الموت .. " خرج يحمل كفنه الأبيض .." .
أما غاندي الصغير في قصيدة أطلق عليها نفسس الاسم " غادي الصغير والي يرمز فيه إلى غياث مطر ، الناشــــط الذي كان يقدم الماء والزهور للناس ..
قال أن النظام خطفه ، وقتله الجلادون تحت التعذيب مشبها ملحمته بتعويذة الحرية .
يخاطب الناس وحماة الوطن قائلا : " إليكم خبز أمـي وقبلاتها ..
لا تقتلوا الُحلم بالوطن .."

وفي قصيدة " وصايا الأصابع " يعد الناس بالثورة حيث أنه سيخرج من تابوته وينزع عن جسده كل عناوين الصمت ..
واضحا دون خوف ، ويصيح :
" .. كن حرا ، ولا تحني هامتك ..
كن حرا ً دون صمت
وسلاسل .."
**************
ارحـــــــــــل
تحت هذا العنوان الموجه لبشار الأسد يرى الشاعر أن الأرض تعانق أقدام المتظاهرين والسماء تلتقط صرخات الحرية .. والبلاد أنهكها الموت ..
هذه الصورة التي ينقلها جان صالح عن حقيقة بدايات الثورة ليقول متمنيا أن يكون :
" سنصير يوما ً كما الحمامات البيضاء
كما ياسمين دمشق ..
سنصير غدا كما نريد .."

ويكتب عمن قالوا له ، وهم أصدقاءه في صورة أقرب ماتكون إلى الرمزية :
" .. أصدقائي الخارجون على قانون الغابة المستباحة
وأســده – وضباعه – والثعالب
و(المعلم ) الذي غيرّ وجه الشرق بكلمة
وألغى خارطة الأوطان لإجل إلهه .." .

ثم يكرر حلمه بالعودة للحياة والشام والمدن السورية فيقول :
في دمشق ينزع الموتى عن أجسادهم وهن الجليدد
عائدون للحياة - من بوابات الشام
على وقع نواعير العاصي
يكتبون من دجلة والفرات أسماء شهداءنا
وزغرودة سيدة حورانية تكسر إكسير الحياة ُتهشم كل ذلك التاريخ المزيف لطغاتنا ...
الشعب يريد إسقاط النظام .. "
وعن الشعارات يردد مع الهاتفين :
" .. آزادي .. آزادي
أبجدية كرمانجية
رببيع كردي
سنابل
وزيتون
وحمامات تطير في فضاءات " سوريتنا " التي عادت
من الغياب والعدم .."
وأيضا ً ينادي مع المنادين :
" ... والمستقبل ينادون فيك ياطاغية الشام
ارح ... ل
.. ارحل ..
فالأرض تلفظك
والجبال – والمطر
.. ارحل فالعصافير فقدت أعشاشها
واحترقت أجنحتها في لظى حرائقك "
ويرمز للكرد قائلا ً :
" .. سقطت َ بالأمس في قامشلو
واليوم أحفاد كاوا يرجمونك .. ويحرقون طلاسمك
ارحل حتى تعود الشمس ..
والمطر
ارحل ..
فنحن نحب الحياة . " .
وبعد قصيدته " محكومون بالأمل " تأتي قيامة الرماديات وفيها صور حزينة عن أطفال تجثموا بصمت ، أحدهم يقول له :
" لقد قنلوا أبي ..
وتطير حمامات بعيدة
يزغرد النهار في تنهيدة "
الأستاذ جان صالح يشغله صوت زقزقة العصافير وقضية الهجرة في قصيدة على ايقاعات عصفورة مهاجرة فيقول :
" تقول لي العصفورة أنها ستفتح أجنحتها للرحيل
بحثا ً عن سنابل وقمح ومطر
.. أمضي
أحمل صليبي ومسامير
وتابوتا ً لا يعرف بأي أرض سينام "
ثم نمضي لنقرأ قصيدة أخرى بعنوان " آه ياحـمزة " وبين سطورها ألم حيث يقول :
" آه ياحمزة ، ياوجع البلاد الغارقة بين الحياة
والموت ..
آه ياطفل قلبي ..
كيف تغدو الحرية من بعدك ؟ ..
آه من وجع النايات ..
في حضور الموت وجلاله مثقل حتى النخاع
حتى حشرجة العظام ، وجنون العقل ، والقلب لأجلك ..
آه ياحمزة "
أمـّا في قصيدته " الزهور لاتنمو على نهايات الجلادين " وهو عنوان ديوانه الشعري نراه متفاءل بالنصر فيقول :
" هي بقعة ضوء أكبر من عيون الشمس
حريتنا التي تبتسم
لاعبودية بعد اليوم
كل الآلهة الأرضية تحترق في مجونها
ياطغاة الشرق
ارحلوا عن اجسادنا
لامكان لكم بيننا .
ذكرياتنا مدونة في ذاكرة الياسمين
من دمشق - وبيروت
كردستان الجبال المروية بالدم
وقصائد شيركو به كس
وكل بقاع الشرق الحزين
لن نموت
ماضون في صهيل الحرية .. " .

و في قصيدته " فراشة الضوء " نراه يحاور فراشة قائلا ً :
هي أنت ِ
ضوء – شمعة تحترق ،
أنثى الفصول المتجددة
قنديل دمشق
وياسمينة نزار – حزن الماغوط
ظلال صلاح الدين والكرد من على صهوة الحرية
لن يقهروكِ بجبنهم
طغاة الجدران ..

أنا الشاعر الذي فقد كل شئ
لكنني مازلت أحمل بين أصابعي ( أوراق الكينونة )
وأجلس بحزن تحت عيون قنديل بلا هوية
ولا وطن
ولا نهايات " .
وعن جرائم النظام بحق السوريين يقول في قصيدة " صوت السكين " :
ُنذبح كل زمن كالخراف بلا رحمة
عقود تشهد مذابحنا
سكاكين من عمر الزمن
نحن مشروع مجهول الملامح والمستقبل " .

وفي " عيد الميلاد " يقول :
سنوات مضت كالريح التي تاهت وراء الشمس
عيد ميلاد لاشموع فيه ...
ولا شئ سوى نشيد سقط عن قيثارة تفتقد المكان
عيد ميلاد أشبه بنجمة تاهت في فضاءات الكون

أما قصيدته " آزادي " وتعني الحرية فيقول :
نحن موتى
في تابوت القهر
آزادي وحدها هي الحياة ..
آزادي حكاية كل بيت
وشارع
وبقعة
سريالية الجهات في بلادي التي ماتت قبل الأوان
ثم يتكلم في قصيدة أخرى عن الموت ، فيطلق عليه اسم الموت العاري وهذا الموت " موثق في ذاكرتنا "
لن يموت
سنحوله في صباح آذاري لحياة." .

ويذكر عين الكرد في قصيدة " كوباني " يقول في مطلعها :
الكردي ، أصبح حديث العالم !
وكوباني مدينة للأنبياء
تلك المدينة الصغيرة قررت أن تتنفس
قاتلت كل الشياطين مئة وأربعين يوما
وأحرقت كل الرايات السوداء التي تريد أن تغرز
رماحها في جسد الانسانية !
كوباني هويتها كردية .. حرة
كوباني ذاكرتها ألف ثورة
وألف موت
وألف حياة
ما عادت تموت " .

وفي خاتمة قصائد الديوان تأتينا قصيدة " ثلاثية المنفى" لتحكي لنا عن الغربة في المكان .
يقول جان صالح : أنا المنفي عن الماضي والحاضر
ثلاثية الحبر ، والأمل ، والخبز ..
تعانقني القصائد في اشتياق ..
ما أدركه أن قلبي الكبير مازال يفكر كيف يصنع
من الشمس نهار
اقرأوني !
واصنعوا من تراتيلي قمحا ً وخبزا ً ونبيذا ً ..
وأوطانا ً للشمس
وزنابق للمنافي
لأكون أيقونة ضوء تمسح عن العيون سرمدية العتمة
شمعة تبدد الظلام بلا رعشة " .

جان صالح كتب عن معاناة شعبه ، وغلب على أسلوبه اسلوب التعبير الملون بلون من المعايشة غير المباشرة لأنه منفي في أقاصي الأرض ، متأثرا بكتابات جبران خليل جبران ، وبنشيد الأناشيد الوارد في التوراة ..
جان صالح شاب طموح متجدد المشاعر ، آمل له أن يستمر الكتابة ، ويواظب عليها ..
جان العزيز هو ابن أخ لي لم تلده أمـي ، ابن المناضل حسن صالح الذي ناضلت واياه من أجل قضية الديمقراطية وتوفير مستلزمات حق تقرير المصير للشعب الكردي في حزب واحد لفترة طويلة من الزمن ..
أتمنى لك يا ابن أخي نجاحات متتالية ، وانتصارات تشارك فيها شعبك الكردي والسوري على طاغية التاريخ ..