أي دلالة لفاتح ماي في عصر الإمبريالية ؟

امال الحسين
2016 / 5 / 4

شكل صعود البرجوازية إلى السلطة قفزة نوعية في تحول الحياة البشرية من عبودية الإقطاع إلى عبودية الرأسمال، وبرز دور الطبقة العاملة في الإنتاج الرأسمالي عبر عمل ملايين العاملات والعمال داخل المعامل في شروط من العبودية الجديدة، فبرز الصراع بين البرجوازية المسيطرة على الرأسمال والطبقة العاملة التي تمنح قوة العمل اليومية من أجل تراكم الرأسمال، الذي عرف تطورا هائلا إن على مستور الإنتاج الهائل أو على مستوى تطور الرأسمال في حد ذاته من الرأسمال الصناعي إلى الرأسمال المالي، من البورصة إلى البنك، وأصبح "كل بنك بمثابة بورصة" كما يقول لينين.

وبرزت طبقتان أساسيتان في المجتمع الرأسمالي، الطبقة العاملة المتسمة بالثورية باعتبار العمال منتجون، والطبقة البرجوازية المسيطرة على السلطة السياسية والإقتصادية، فكان لابد من بروز حركة ثورية في مواجهة استغلال البرجوازية للطبقة العاملة، فقامت ثورات العمال من أجل السلطة، وبرزت أيديولوجيتان متناقضتان : الماركسية والبرجوازية.

لم يستطع العمال في انتفاضاتهم ضد استغلالهم من طرف الرأسماليين إلا انتزاع مطالب اقتصادية، فكان فاتح ماي يوم التعبير عن هذه المطالب عبر تنظيماتهم النقابية التي لا تتعدى مطالبها ما هو اقتصادي واجتماعي، فكان فشل الطبقة العاملة في الظفر بالسلطة والتحكم في وسائل الإنتاج سببا رئيسيا في استمرار استغلالها من طرف البرجوازية، خاصة بعد فشل التجارب الإشتراكية وانتشار الإنتهازية في صفوف الحركة العمالية التي برزت في صفوفها أرستقراطية عمالية بل "قد تبرجزت" كما قال عنها إنجلس، وأصبحت الأحزاب الشيوعية خادمة البرجوازية من أجل تطويع الطبقة العاملة.

وتحولت النقابات العمالية إلى أدوات في أيدي الأحزاب اللبريالية والإشتراكية التي حولت الصراع الطبقي من الصراع على السلطة إلى صراع من أجل خدمة الرأسمال داخل الحكومات البرجوازية، وأصبحت مصالح العمال رهينة بالبرامج الإنتخابية لهذه الأحزاب والمرتكز على السياسات اللبرالية لتدبير وتسيير أزمات الرأسمالية على حساب استغلال العمال، وتحولت مظاهرات فاتح ماي إلى مناسبات للبهرجة وتسويق ما يسمى الحوارات الإجتماعية من أجل بعض المطالب الإقتصادية، التي لا تتعدى جزء من المليون من القيمة الزائدة التي راكمها الرأسمال على حساب استغلال العمل.

وشكلت الوظيفة العمومية والشبه العمومية وبعض القطاعات الخدماتية في القطاع الخاص المجال الأساسي للعمل النقابي، وسيطرت البرجوازية الصغيرة على القيادات النقابية وأصبحت الطبقة العاملة على هامش المطالب الإقتصادية في الحوارات الإجتماعية المغشوشة، وتحولت المكتسبات التاريخية للطبقة العاملة إلى المساومة بين النقابات والباطرونا والحكومات خاصة الحق في الشغل القار، فكان لضرب هذا الحق عبر مجموعة من القيود القانونية البرجوازية من مدونات الشغل مدخلا أساسيا لتصفية العمل النقابي، فأصبح العمال مهددون بالطرد في كل وقت وعند كل اتهام مفتعل ضدهم الذي يصل حد الزج بهم في السجون، وأصبح طرد العمال باسم تسريحهم حماية للرأسمال من الأزمة فعلا عاديا تصادق عليه القيادات النقابات بدم بارد.

فعن أي فاتح ماي يمكن الحديث عنه في ظل هذه الشروط ؟

لقد أصبحت الطبقة العاملة بدون تنظيماتها السياسية والنقابية وأصبحت مصالحها في يد البرجوازية مباشرة، فتم نزع حق العمال في التنظيم السياسي بعد انهيار الأحزاب الشيوعية وصعود الأحزاب الإشتراكية إلى الحكومات اللبرالية، وأصبحت أدوات الدفاع التي بنتها الطبقة العاملة بنضالاتها في خدمة الرأسمال، وأصبح جزء من القيمة الزائدة المتراكمة بفضل قوة العمل العمالية توزع على الأرستقراطية العمالية في الدول الإحتكارية والتي تبرجزت بشكل خطير على حساب تفقير الشعوب المضطهدة، بينما الطبقة العاملة في البلدان المضطهدة مازالت تعيش في شروط شبيهة بالعبودية الإقطاعية، حيث لن تسمح الدول الإحتكارية بمرور هذه البلدان إلى مستوى الإحتكارية، لكونها مناطق خلفية لتخزين الطاقة والمعادن التي تحتاجها الصناعات الإحتكارية الرأسمالية العالمية.

لقد أصبحت السيطرة في العالم اليوم للدول الإحتكارية المعدودة على رؤوس الأصابع في حدود 20 دولة احتكارية وشبه احتكارية بينما ما يناهز 160 بلدا تعيش شعوبها في الفقر، يتم سرقة خيراتها واستغلال قوة عمل هذه الشعوب بأكملها دون استثناء، عمال وفلاحين على السواء، تحكمها أنظمة ديكتاتورية، حكوماتها عبارة عن مافيات يرأسها وكلاء تجاريين خدام الدول الإحتكارية وشبه الإحتكارية، يسيطرون على شعوبهم بقوة الحديد والنار ويضعون خيرات بلدانهم في يد الرأسمال.

هكذا أصبح العالم عبارة عن ضيعة رأسمالية احتكارية لمجموعة من الدول الإحتكارية وشبه الإحتكارية التي تحولت فيها الطبقة العاملة إلى أرستقراطية عمالية متبرجزة، مجهزة لاستهلاك الإنتاج الرأسمالي، يسيطر عليها الفكر البرجوازي، تشارك في استغلال %90 من الخيرات الطبيعية لكوكبنا عبر الشركات الإحتكارية العالمية وبناتها وحفيداتها بالبلدان المضطهدة، تعمل على امتصاص دم وعرق الطبقة العاملة والفلاحين بهذه البلدان في شروط عمل شبيهة بالعبودية الإقطاعية، في ظل تناقضات صارخة بين التطور العلمي الهائل الذي أحدث تطورا هائلا على وسائل الإنتاج المادية والثقافية، بينما علاقات الإنتاج تنحدر إلى مستوى العالم القديم الفيودالي، مما أحدث تناحرا على مستوى المصالح المتضاربة بين الشعوب التواقة إلى التحرر والديمقراطية وحكامها الديكتاتوريين، كما هو الشأن في البلدان التي تعرف رقيا على مستوى الحركة الجماهيرية الإحتجاجية، نتج عنها انتفاضات شعبية "الربيع العربي" التي حولتها الإحتكارية العالمية إلى حروب لصوصية تحترق فيها الطبقة العاملة والفلاحون.

فعن أي عمل نقابي يمكن الحديث عنه في ظل هذه الشروط ؟

لقد باتت الدول الإحتكارية وشبه الإحتكارية تتحكم في مصير الشعوب المضطهدة التي تشكل غالبية سكان العالم بما يناهز 6,5 مليارات من المضطهدين، إذا أضفنا سكان الصين التي تحكما دولة احتكارية والهند التي تحكما دولة شبه احتكارية، تعيش هذه الشعوب في فقر رغم قوة العمل الهائلة التي توفرها الطبقة العاملة والفلاحون بهذه البلدان والتي لا يوازيها ما يعادلها من التنظيم النقابي الكفاحي للدفاع عن مصالحها.

ويبقى الحديث عن العمل النقابي وتظاهرات فاتح ماي في ظل شروط الإستغلال الرأسمالي الإحتكاري للطبقة العاملة والفلاحين، عبارة عن ترفيه فكر برجوازي لا قيمة تاريخية له إلا في ظل تدوين بعض الأحداث الهامشية في تاريخ الصراع الطبقي من أجل تقرير مصير الشعوب، ويكفي أن نشاهد هزالة تظاهرات فاتح ماي في الدول الإحتكارية وشبه الإحتكارية حتى يتبين لنا المستوى الذي وصلت إليه أزمة العمل النقابي في ظل أزمة العمل السياسي الثوري.

أما البلدان المضطهدة فإن الحديث فيها عن العمل النقابي وفاتح ماي إنما هو خارج عن نطاق تدوين الأحداث التاريخية، حيث أصبح كل شيء في هذه البلدان قابل للبيع والشراء بأبخس الأثمان، وأصبحت النقابات تابعة لأشباه الأحزاب اللبرالية التي تحوم حول الحكومات الرجعية تنتظر كل سنة هبات للمشاركة في تمرير سياسات لبرالية، التي أغرقت هذه البلدان في ديون مزمنة رغم الخيرات الطبيعية الهائلة التي يتصرف فيها مجموعة من أحفاد قطاع الطرقة في العصر القديم، الذين يسيطرون اليوم على السلطة السياسية والإقتصادية في ظل تقديم خدماتهم للإحتكارية العالمية من أجل تهريب الأموال والظفر ببعض هوامش الإستثمار الرأسمالي بالخارج.

إن الحديث عن العمل النقابي بمعزل عن العمل السياسي الثوري الذي تقوده الأحزاب العمالية الفلاحية الثورية إنما هو عمل في خدمة الرأسمال، ودون تحطيم البنية التنظيمية اللبرالية للنقابات اليوم لا يمكن تنظيم الطبقة العاملة والفلاحين، هاتان الطبقتان المنتجتان الأساسيتان في الحركة الثورية ضد الإحتكارية العالمية وعملائها بالبلدان المضطهدة في حاجة ماسة إلى التنظيمات النقابية الكفاحية، من أجل تنظيمها قاعديا على مستوى المطالب الإصلاحية أولا في أفق تطور الوعي الطبقي السياسي لديها ثانيا من أجل بناء التنظيم السياسي لهاتين الطبقتين.