محطات وشخوص في حياة الدكتور خليل عبد العزيز /الجزء 9

فرات المحسن
2016 / 5 / 4





التقاه : فرات المحسن

محاولة اغتيالي

بعد انتهاء لقاءاتي الأربعة مع الرئيس البكر طلب مني أن أتوجه إلى البصرة لزيارة ميناء البكر لمشاهدة الإنجاز الكبير للقيادة العراقية، كذلك أخبرني بأنهم أعدو لي سفرة إلى شمال العراق، وقال أنك سوف تتمتع وعائلتك بزيارة المناطق السياحية وخاصة مصيف صلاح الدين الجميل، وهناك سوف تلتقي بقائد الوحدات العسكرية التي من مهامها محاربة العصاة ( يقصد البيشمركة الأكراد) .فأجبته بأن لا رغبة لي بمثل هذا اللقاء ولا أجده ضروريا.فقال الرئيس البكر، بالعكس إن ذلك مهم لك ويجب أن يكون ضمن ما تخبر به القيادة السوفيتية عن طبيعة الأحداث في العراقي.
في اليوم التالي ذهبت بالطائرة إلى مدينة البصرة ونقلت باليخت إلى ميناء البكر. كان يختا جميلا فخما قيل لي بأنه من ممتلكات الملك فيصل الثاني .استقبلت هناك استقبالا بديعا وطيبا من قبل المسؤولين الإداريين والمهندسين والعمال. أطلعت على أعمال الميناء وكيف تتم عمليات نقل النفط وتحميله، بعدها دعوت إلى جلسة مع كادر العمل تناولنا فيها الحلويات والمرطبات. كان ميناء البكر وهو لسان بحري يمتد في عمق شمال الخليج مكتمل بمنشآته وكادر العمل فيه يبدو عليهم الإرهاق والتعب ولكنهم كانوا مخلصين وجادين في عملهم. وبسبب بعد الميناء عن المدينة وطبيعة المناخ هناك، فالعاملين فيه كانت لهم مطالب كثيرة دونوها في ورقة، حملوني مسؤولية إيصالها إلى الرئيس البكر كوني ضيفه القادم من الاتحاد السوفيتي، حسب ما سمعوه عني. وكانت مطالبهم تتعلق بظروف حياتهم الاجتماعية وأوضاعهم المعيشية .استغرقت رحلتي لبضعة ساعات عدت بعدها إلى بغداد فوجدت هناك من يخبرني بأن الغد سوف يكون موعد سفرنا إلى شمال العراق.
طلبت من الرئيس البكر أن أزور الموصل لأقابل والدتي ، كوني لم التقيها منذ حوالي العشرين عاماً، دهش الرئيس من طلبي هذا وقال، كيف يتم لك ذلك، فهو لا يستطيع ضمان سلامتي لو ذهبت هناك، كوني مشارك في أحداث الموصل بعد فشل حركة الشواف. فقلت له كيف تراني أزور بلدي بعد كل تلك السنوات، دون أن أرى والدتي. فقال الرئيس فكر جيدا بالآمر فنحن بلد تحكمه العادات والتقاليد العشائرية وأنا لا استطيع الوقوف بالضد منها أو الاعتراض عليها، وعندها سوف تتعرض للانتقام من شخصيات تطالب بدية الذي حدث، وتسعى لتصفيتك جسديا.ولكن استطيع أن أمر بجلب والدتك إلى بغداد لتلتقي بها. ولكني تمسكت برأي وطلبت منه أن يلبي طلبي بزيارة مدينتي والالتقاء بوالدتي، فأخبرني بأنه سوف يدرس طلبي هذا ويعطيني غدا جوابا. في اليوم التالي أخبرني بموافقته وقال أنه أتصل بالمسؤولين في الموصل وطلب منهم تأمين الحماية لي ولعائلتي .
في مطار الموصل استقبلني مسؤول منظمة الموصل لحزب البعث مع مجموعة من المسؤولين المحليين، وحال هبوطي من الطائرة تقدم نحوي المسؤول الحزبي وبادرني القول ، خليل إلا تذكرني ؟ فأجبته أسف جدا لا أتذكرك. فقال أنسيت كيف ضربتني حين كنت معتقلا لديكم في أحداث الموصل. لم أجبه وساد بيننا بعدها الصمت قطعه هو قائلا لننسى ذلك فأنت ضيفنا وضيف رسمي للعراق وللرئيس البكر وهو من وجهنا لتأمين حمايتك وتنظيم لقاء بينك ووالدتك. بعد ذلك تم نقلي إلى فندق يقع على ساحل نهر دجلة في الضفة اليسرى من مدينة الموصل. ثم أمنوا لي تحت حراسة مشددة زيارة لبيت العائلة المتواضع وهناك التقيت والدتي التي كانت مرعوبة ولذا كانت جملتها الأولى والتي أسرتني بها هامسة . أبني لا تثق بهؤلاء أنهم مجرمون ويستطيعون الغدر بك. ولم تدم زيارتي إلى مدينة الموصل غير أقل من 24 ساعة سافرت منها إلى اربيل ثم انتقلنا إلى مصيف صلاح الدين، فوصلنا هناك عصرا ، وبتنا في الفندق.
صباح اليوم التالي أخبروني بأني مدعو مساءا لوجبة عشاء في مدينة أربيل وبحضور المحافظ ومسؤول المنظمة الحزبية وغيرهم من المسؤولين الحكوميين والحزبيين، وعلينا أن نكون هناك عند الساعة الخامسة. وأبلغوا مرافقي بهذا الموعد وعليه تجهيز السيارة للسفر إلى أربيل. بعد ساعات جاءني المرافق وأخبرني بأنه أستلم سيارة أخرى غير التي نتنقل بها فسألته عن السبب في إعطاءه سيارة أخرى، فأخبرني بأنه سوف يكون في هذه السيارة والسيارة الأولى تفرغ لي والعائلة، وانه يلحق بنا بسيارته الجديدة. عند ذلك قالت له طفلتي ورجته أن يكون معنا في نفس السيارة فأجابها بأنه مكلف بحمايتنا وفي سيارة سوف تتبعنا .
خرجنا من صلاح الدين باتجاه اربيل وكنت مع زوجتي وطفلتي في سيارة بقيادة سائق، وكان مرافقي خلفنا في سيارة أخرى. عند منتصف الطريق نبهنا المرافق من خلال أشارات بضوء المصابيح بأن نتوقف فتوقفنا، فسألته عن الذي حدث فأخبرني بأن مسؤول منظمة أربيل الحزبية والذي من المفترض أن يكون من ضمن الأشخاص الذين سوف يستقبلونا في أربيل ، قد شاهده في سيارته وهي متجه نحو صلاح الدين ولا يرى سببا لذلك. فقلت له هل علينا العودة إلى صلاح الدين فقال المرافق كلا بل علينا الاستمرار في طريقنا إلى أربيل. بعد مسير ليس بالقليل وعند منعطف حاد وضيق ويطل على وادي عميق أنفجر أطار السيارة الأمامي ثم أعقبه انفجار أطار أخر . كان السائق ذكيا وقويا ولحسن الحظ انحدرت السيارة نحو حفرة صغيرة كانت عند حافة الطريق وتوقفت هناك ، كان منظر الوادي العميق مفزعا وشعرنا بقرب سقوط السيارة لولا تلك الحفرة التي علقت بها الإطارات وأمسكت هيكل السيارة، ووجدت بأنا كنا على مقربة من موت محقق.كانت مشاعر الخوف والرعب تجتاحني وزوجتي وحتى طفلتي التي تمسكت بحضن أمها وتمثل الرعب على وجهها الصغير. جاء مرافقنا وفتح باب السيارة الخلفي لنخرج من خلاله، وعند تلك الدقائق التي مرت برعب وخوف جاءت ثلاث سيارات هبط منها بعض الرجال وهم يرددون الترحاب والتهاني بسلامتنا . دهشت من سرعة وتوقيت مجيء هؤلاء وكيف وصلوا بهذه السرعة، وبعدها أقلونا بسياراتهم إلى أربيل، وتركنا سيارتنا العالقة في الحفرة. وحين دخلنا الفندق جاء خلفنا مسؤول المنظمة الحزبية ورحب بنا وهنئنا على سلامتنا من الحادث، فتبادلت النظر مع مرافقي واستغربنا طبيعة ما حدث بعد أن كان هذا المسؤول قد اجتازنا عند منتصف الطريق ذاهب نحو صلاح الدين، وكيف عاد أدراجه بتلك السرعة الغريبة. بعد تناولنا العشاء وعودتنا إلى الفندق استطعت الاتصال بالسيد غفوروف فدهشت حين استفسر مني مباشرة عن طبيعة الحادث وهل جميعنا بخير، وأخبرني بأن خبر الحادث قد وصل السلطات السوفيتية عن طريق السفارة العراقية، التي روجت بأني وعائلتي قد قتلنا في حادث على طريق أربيل، فأجبته بأننا فعلا نجونا من حادث الكثير مما فيه يبعث على الريبة. بعد ذلك قمت بكتابة رسالة وجهتها إلى الرئيس البكر وصفت فيها الحادث وبينت له الانطباع، بأن ما حدث لم يكن شيئا عابرا ولو كان حصل ما كان يراد لنا، فسوف يتحمل وحده نتائجه أمام السلطات السوفيتية، لسبب وجيه كونه صاحب الدعوة وليس شخص آخر، وسلمت الرسالة إلى المرافق وطلبت منه إيصالها إلى الرئيس البكر فوعدني بتسليمها إلى طارق حمد العبد الله.
وعند عودتي إلى موسكو أخبرني السيد غفوروف بأن مصدر معلوماتهم عن الحادثة والإدعاء بمقتلنا كان السفارة العراقية وظهر وكأنهم كانوا على يقين بنجاح المحاولة . وكان هذا دليلا قاطعا على إن الحادث كان مدبرا ومن هذا يمكن القول بأنه ليس من المعقول الوثوق بالبعثيين مهما كانت طبيعة العلاقة معهم والتعهدات التي يقدمونها. وكانت لدينا قناعة كاملة بأن هناك عدة كتل وعديد من الرجال في صفوف حزب البعث يعملون بمنهجية وروحية التآمر ضد جميع من يخالفهم الرأي والمعتقد، وهؤلاء يعملون بشكل منظم، للطعن بأية علاقة أو موضوعة يعدونها لا تخدم مصالحهم، وأعتقد بأن ما حدث لنا كان من إعداد وترتيب جماعة جهاز حنين التابع لصدام حسين