عن الجنّ لماذا و كيف؟.....مسامرات فيسبوكية ج3/3

حمزة رستناوي
2016 / 4 / 29


ما يلي هو الجزء الأخير من حوار فيسبوكي منقّح بحدود دنيا مع بعض الاصدقاء, يشترك فيه معي: محمد هيثم اسلامبولي- وائل السليم- محمد طربيه.
:
ظاهرة الحرمان الحسي sensory deprivation
الأشخاص الذين يعيشون بمفردهم و لفترات طويلة بمعزل عن العالم الخارجي و بعيدا عن المنبهات الحسية (البصرية و اللمسية و السمعية) يصبحون عرضة لتجارب حسية زائفة يولدها الدماغ , نصفها طبّيا بالإهلاس كسماع اصوات أو لمسات خفيفة أو تخيلات يصفها بعضهم بأحلام اليقظة أو بالظواهر الماورائية ..و من أمثلتها السجناء المحتجزين في الزنازين الانفرادية أو غواصين الاعماق أو العزل الاجتماعي الطوعي في حالة الرهبان و النساك . و يعتبر " الحرمان الحسي " من اضطرابات الادراك الحسي الموصوفة جيدا في الفيزيلوجيا العصبية و علم النفس الادراكي.. إنّ ظاهرة الحرمان الحسي تفسّر جزئيا الكثير من الحالات يعايشها الناس و يصوفها جهلا بالجنّ. و كذلك لا يمكن فصل ما يُسمّى بالجن عن ثقافة المجتمع و تأثّر الانسان بهذه الثقافة و الاعتقادات.. فكثير من الناس و خاصة في حالات الخوق و الشدة النفسية قد يفسرون المنبهات الحسية سواء اكانت بصرية او سمعية او لمسية بشكل خاطئ و مضخّم.... و كذلك لا يمكن فصل هذه الظاهرة عن تجارة الوهم و الدجل و الشعوذة, وكذلك تقنيات الخدع البصري.
محمد هيثم اسلامبولي:
ما هو التفسير لما نراه اليوم من الكثيرين المتنورين والذين يؤمنون بالكائنات الفضائية بأنواعها العديدة المنسوبين الى جوف الارض والابعاد الكونية وهم يمثلون الشياطين والملائكة
حمزة رستناوي:
صديقي هيثم ..نفس المبدأ ..الايمان بالجن في العقائد الدينية يقابله الايمان بالأطباق الطائرة و المخلوقات الفضائية في العقائد اللا-دينية المعاصرة. و هي ظواهر خارج اطار العلم بالمعنى الخاص
تعقيب محمد هيثم اسلامبولي
يعني الخرافة والاسطورة تتكيف مع الزمن لضرورة استمرارها
حمزة رستناوي:
ربما التعبير الدقيق هو قصص اكثر منها خرافة و اسطورة لكون الاخيرة ذات دلالة و معنى سلبي في الثقافة العربية الاسلامية ..و قصص الجن و الاطباق الطائرة و نحوها ليستْ بالضرورة سلبية او خرافات.. هي قصص لها جانب اخلاقي احيانا تعليمي و ممتع ادبي
حمزة رستناوي: سأعرض عددا من النقاط ذات الصلة:
1.لا يوجد انسان عالم بكل شيء بداهة فكلّ واحد منا جاهل بقد ر.. و لكن ان يصفكَ انسان آخر بالجاهل في حقل معيّن.. فهذا تجاوز . حيث أنّ الحوار حول الافكار ..و ليس حول الاشخاص . يمكن ان اقول هذه الفكرة التي تعرضها خاطئة او ناقصة لسبب كذا و كذا ..دون تناول شخص المتحدث
2.عندما نسمح لأنفسها بوصف انسان بالجاهل! هذا يقتضي اننا في موقع علمي و دراية تسمح لنا بهكذا وصف! و هكذا توصيف يجب ان يكون مدعّم بحجج و منطق موضوعي. ترى هل نقبل ان يصفكَ انسان آخر بالجاهل؟
3.يوجد فئة من المؤمنين - باي عقيدة كانت- ينظرون الى كل شخص يختلف عنهم عقائديا أو في جزئية عقائدية او تفسير لشأن عقائدي بكونه كافر أو ملحد؟! أولا هذا ليس من اختصاص الانسان بل رب العالمين . و من تقول عنه كافر هو يقول عنك كافر كذلك؟! و من تقول عنه ملحد قد يقول عنك متعصّب ..و هلم جرة
4.في العلم عاتق الاثبات يقع على المدّعي . فرضا عالم فلك يقول انا اكتشفت كوكب فلاني في المجرة الفلانية. هو المطالب بإثبات اكتشافه و تقديم القرائن . و ليس مطلوب من العلماء الاخرين اثبات عدم وجود هذا الكوكب المكتشف
5.لنميز ما بين العلم و الدين. بمنطق العلم لا يوجد جان . و هذا ملزم لكل البشر علميا بغض النظر عن لونهم و دينهم 1+1=2. بينما في منطق العقيدة و الدين لك ان تؤمن بما تشاء جن و غير جن و لكن هي قناعة عقائدية تلزم المؤمنين بها. و لا ينبغي تعميمها او فرضها على الاخرين...و ماذا مت هكذا قناعات لا ينبني عليها ضرر للناس فهي مشروعة عقائديا
تعقيب وائل السليم: ما هو الإثبات العلمي التجريبي على عدم وجود الجن؟ حمزة رستناوي: تكررت الاجابة
تعقيب وائل السليم: وتكرر طرح الموضوع ..بلا اجوبه مقنعه
حمزة رستناوي للتذكير عاتق الاثبات في المنطق العلمي يكون على المُدّعي بوجود اكتشاف او اختراع, و ليس العكس! مثلا العالم الذي قال ان الارض كروية هو من عليه اثبات كروية الارض! و من قال يوجد اقمار تدور حول المشتري عليه اثبات وجود هذه الاقمار.
تعقيب وائل السليم: اثبات الحركة و الميكانيكا او فيزياء مادة ..موجودة ..يختلف كثيراً عن جدلية اثبات وجود مادة او شيء او عدم وجوده ..هنا لا نتحدث عن القانون المنظم.. او القانون الموضوع من قبل رب الارباب.. هنا الجدل عن وجود او عدم وجود ما الفائدة من موضوع ايماني وربطه بالعلم التجريبي سوى طريق الالحاد و المادة.. وصولا لإنكار كل مالا نراه و بالنهاية انكار وجود الخالق المبدع.. هل ينكر.. معظم الغير مسلمين وجود اله, ام يؤمنون ويجسدوه في خلقه؟ او ينحتوه في صنم؟! الإلحاد.. هو سحق العقل بمعول المادة
تعقيب محمد طربيه:
كلام سليم يا دكتور حمزة. بالإضافة إلى قصص من الممكن استعمال أساطير أو أحاديث و هي تعبيرات من القرآن تتميز بالدقة و الثلاث تعبيرات تفيد تداول هذه الأخبار بين الأجيال و الحضارات. هذه ملحوظة عامة و ليست محددة لأي من الأخوة المشاركين في هذا الحوار: الجن كما يعني أسمهم حرفياً من الغيبيات كاليوم الأخر و الجنة و النار إلخ و الأيمان أو رفض هذه الغيبيات هو جزأ من المنظومة الإيمانية التي تحدد إن كان الأنسان مؤمناً بدين ما و هذه المنظومة لا يمكن إثباتها أو نفيها علمياً. برجاء تذكر أول سورة البقرة. إذا كنا مسلمين فنحن نعترف بوجود الجن لذكرهم في الكتاب, و نعرف أنهم مخيرون و مصيرهم مثلنا إلى الجنة أو النار. خارج هذا النطاق الإيماني من الممكن لأي شخص تقبل وجود غيرنا في هذا الكون الواسع, و للعلم مجاله في محاولة اكتشاف من يوجد في الكون بالإضافة لنا, و ذلك وفقاً للطريقة العلمية المتعارف عليها بين كل الشعوب, و لكن لا يجب مزج الأيمان الغيبي و الطريقة العلمية لاختلافهما في الطرق و النتائج جذرياً
حمزة رستناوي: الغيب جزء اساسي من الايمان الديني ..و لا ايمان بدون غيب...استراتيجية الفصل بين الديني و العلمي ..ليستْ جديدة ..و هي المدخل لفهم انساني للدين ..لا يجعل الايمان الديني في صدام مع العلم و العالم. هي استراتيجية تتفهم صلاحيات و الدين الايجابية و دوره في الحياة , و من يرفضها تحت اي حجّة كانتْ هو يشهر دينه كسلاح في وجه نفسه و الاخرين. غالبا عندما يتم طرح موضوع الجن او موضوعات مماثلة.. يتم التركيز عن شخص المتكلم و عقيدته و اثبات كفره او الحادة او محاولة الدفاع عن ايمانه و تقدير التبريرات المخففة المدافعة عنه.. الخ. و هذا بحدّ ذاته يشكل قصورا في الوعي. ايمان غيرك لا يعنيكَ ..هو شان خاص بالأخر ..كما أنّ ايمانك لا يعنينيْ لكونه شان خاص بكَ...و ليس من وظائف الانسان البحث او التفتيش عن ايمان الاخرين ..فهذا باب كبير للفساد و الكراهية في المجتمع ..لنكون مؤمنين جيدين بمعايير عامة الناس. و ندع الجزاء لله خالق الناس. بمقياس عموم الناس ( يمكن مراجعة موسوعة ويكبيديا) : حتّى الكافر بالإسلام هو ليس ملحد! المسيحي ليس ملحدا و الهندوسي ليس ملحدا! الالحاد نوع خاص من العقائد ينكر وجود إله او آلهة و هو يسلك سلوك العقائد عمليا ..منهم اناس اخيار و منهم اشرار ..كباقي العقائد. الطرح الذي اقدِّمهُ في الفصل ما بين العلم و الدين ..هو لمصلحة المؤمنين المتدينين ..و الغيور على دينه يجب ان يكون سبّاقا في تبنّي هكذا اطروحات و لكنّ الانسان عدوّ نفسه و جهله. أخيرا ما الذي يدعوني للكتابة عن الجن؟
1.تأثير هكذا اعتقادات في انتشار الجهل و الشعوذة و احجام الناس عن الاخذ بالأسباب و العلاج الطبي...خاصة الطب النفسي
2.استخدام الآيات الواردة بخصوص الجنّ كسلاح في وجه المختلفين عقائديا او الذين يفسّرونها بغير الطريقة الشائعة ..و عمليا تصفيتهم جسديا و فكريا تحت مُسمّى الردة ..اي عمليا اساءة استخدام القرآن لغايات ترسيخ سلطة الاستبداد الفكري و السياسي...و الشكر موصول لكل من شارك في هذا الحوار ..من المختلفين و الموافقين.
نيسان 2016