محطات وشخوص في حياة الدكتور خليل عبد العزيز /الجزء 8

فرات المحسن
2016 / 4 / 28

في لقائي مع الرئيس البكر كنت أحمل دفتر ملاحظات أخرجته ورحت أدون بعض الكلمات والجمل في الوقت الذي كان يتحدث معي. فجأة توقف وسألني عن الذي أفعله، فأجبته بأني أسجل بعض الملاحظات والمعلومات عن حديثنا. فقال أترك ذلك الآن، فأنك لن تستطيع اللحاق وتدوين كل شيء وعليك أن تفعل هذا حين تعود إلى السكن، ثم طلب مني أن أريه ما دونت، فناولته الدفتر فأبتسم وهو يطالع الحروف والعلامات المسجلة من مثل أـ س ،ن غ س ، فدهش البكر وبادرني بالسؤال عن معنى حرفي أ س فأخبرته بأن المقصود هو الاتحاد السوفيتي وأن غ يعني غفوروف وهكذا ، فقال وهل تستطيع أن تفكك رموز كل تلك الحروف، فأجبته سيدي الرئيس هذه هي مهنتي وأخبرته بأني أحتفظ بتفاصيل الحديث بين السطور والرموز والذاكرة وسوف أقوم بإعادة كتابة كل ذلك حين عودتي إلى موسكو. وقد كتبت تقريرا عن لقاءاتي مع الرئيس البكر وغيره من المسؤولين العراقيين بما يقارب 320 ورقة قدمتها إلى معهد الاستشراق وطلبت منهم أعادتها لي أو نسخة مطبوعة عنها، ورغم وعودهم لي فأنهم حجبوها لصالحهم ولم يرجعوها وأيضا لم استطع الحصول على نسخة منها.
من المواضيع التي كان علي إثارتها مع الرئيس البكر والحصول منه على إجابات شافية عنها حسب طلب السيد غفوروف،هي المحاولات المتكررة لاغتيال عبد الحليم خدام الوزير في الحكومة السورية وعضو القيادة القطرية والقومية للجناح السوري لحزب البعث العربي الاشتراكي، ولم يكن الغرض من ذلك البحث في طبيعة العلاقة بين الطرفين، وكذلك ليس استيضاحا عن طبيعة تلك المحاولات، بقدر ما كان الغرض من السؤال هو التيقن واثبات صحة القيام بتلك المحاولات ،لذا وجهت له سؤالا مباشرا عن أسباب إلحاح القيادة العراقية على اغتيال عضو القيادة السورية عبد الحليم خدام وهو بعثي مثلكم. فأجابني البكر دون تردد بأنهم سوف يستمرون في المحاولات لحين التخلص منه والمرة الثالثة قادمة وستكون فيها نهايته. فعبد الحليم خدام رجل مرتشي ونحن بالذات من قدم له الرشوة وتقبلها بدونية. فأثناء المفاوضات بيننا مع الوفد السوري بقيادة خدام حول عوائد خط أنابيب النفط عبر الأراضي السورية إلى البحر الأبيض المتوسط ، طرح الوفد السوري المفاوض شروطا تعجيزية وبالذات في مسألة الرسوم المالية لعبور الخط، وقد قدمنا لهم الكثير من التنازلات ولكنهم كانوا يذهبون بعيدا في طلباتهم الابتزازية، وظهر وكأنهم ساعون للاستحواذ والحصول على مبالغ كبيرة، وكأن النفط المار عبر الأنابيب من حصتهم وهم أصحابه وليس العراق. وفي وقتها أرسلنا السيد عامر عبد الله وأشخاص آخرين إلى سوريا كوفد في محاولة لتليين موقف الجانب السوري وإقناع عبد الحليم خدام بالتقليل من حدة طروحاتهم وعلو سقف مطالبهم، ولكن الوفد عاد إلى بغداد دون أن يحقق نتيجة. عند ذلك اجتمعنا كقيادة وفكرنا بأن نقدم لعبد الحليم خدام رشوة حين يأتي إلى بغداد في جولة المفاوضات القادمة، وهذا ما حدث فعلا، حيث وضعنا في غرفته وعلى سرير نومه في الفندق حقيبة مليئة بالدولارات، وحسب ما صورته الكاميرات فقد دخل وشاهد الحقيبة وفتحها ثم أغلقها ووضعها جانبا.وفي اليوم التالي وعند ذهابه إلى المطار عائدا إلى سوريا كان يحمل بيده الحقيبة ذاتها وصعد إلى الطائرة. هذا الذي يدعي انتمائه لحزب البعث، ولكنه يقبل الرشوة فهو على استعداد لآن يأخذها من إسرائيل وكذلك القوى الامبريالية . ولهذا قررنا أن يقتل وقمنا بمحاولتين لاغتياله وكانت الأخيرة في بيروت حيث حاولت مجموعتنا اغتياله ولكن القدر أنقذه، فقد كان هناك رجال يقودون دراجات نارية أطلقوا على موكبه الرصاص بكثافة ولكنه فلت من الموت بأعجوبة.

اللقاء بوزير الثقافة طارق عزيز

التقيت الوزير طارق عزيزة للمرة الأولى في موسكو، وكان اللقاء بتكليف من السيد غفوروف مدير معهد الاستشراق. حضر السيد طارق عزيز إلى موسكو بصفة مفاوض باسم القيادة القطرية لحزب البعث والحكومة العراقية، وكان وقتها وزيرا للثقافة. في ذلك اللقاء حملت شيئا محددا يجب على السيد طارق عزيز سماعه، قبل أن يخوض غمار الحديث حوله مع القيادة السوفيتية. اتصلت بالسفارة العراقية وبالسفير السيد صالح مهدي عماش وطلبت مقابلة الوزير طارق عزيز. ودون أبطاء حصلت من سكرتير الوزير على موعد في الثانية عشر ظهرا في دار الضيافة الرسمي وهو سكن الضيف العراقي. قبل الموعد كنت جالسا في دار الضيافة الرسمي، وكان هناك بعض أعضاء الوفد المرافق للوزير. كان الجميع مشغولا بأحاديث جانبية . سمعت أحدهم يتحدث عن رغبة الوزير عزيز بشراء جهازي تلفزيون ملون وهي أجهزة ظهرت حديثا. رن جهاز الهاتف، أخبرني السكرتير أثره بأن السيد الوزير سوف يتأخر قليلا بالمجيء، ثم ظهر نائب الملحق العسكري السيد فاضل البراك ليسألني بعد التحية عن سبب حضوري إلى دار الضيافة، فأخبرته برغبتي مقابلة الوزير عزيز. بعد ذلك استمعت لحديث دار بين فاضل البراك وسكرتير الوزير حول موضوعة نشرت في أحدى الصحف، ضج جميع الجلوس بالضحك بعد أن سمعوا بمحتوى الموضوعة.عند تلك اللحظة دخل الوزير عزيز فتساءل عن سبب الضحك هذا فاخبره السكرتير بأن هناك أحد الانكليز وضع كرسي في ساحة الطرف الأغر وسط لندن ورفع لافته كتب عليها، لن أغادر هذا المكان أن لم تعلن السيدة تتاشر استقالتها، ضحك الوزير وقال مباشرة، على هذا الرجل أن يأتي إلى بغداد، فضحك الجميع. كنت انظر للوزير وأراقب حركته وحديثة ثم وجدته يلتفت نحوي حين أخبره السكرتير بوجودي وسبب حضوري والجهة التي أمثلها، عندها دعاني الوزير للدخول معه إلى غرفة جانبية وسألني عن الذي أريد الحديث حوله، فأخبرته بأني أعمل في معهد الاستشراق السوفيتي ومرسل من قبل رئيس المعهد السيد غفوروف وهو يود أخبارك بأن لا حاجة لكم لطرح موضوعة طلب الغواصات على الجانب السوفيتي، فتقديمكم لمثل هذا الطلب سوف يواجه بالرفض القاطع، ذهل الوزير عزيز وقال، لا أريد أن أناقش الأمر معك ولكني لا أعرف ما دوافع السوفييت من ذلك، ففي الوقت الذي يملك الشاه الإيراني غواصتين في الخليج العربي فأن مثل هذا لا يدخل في حسابات السوفييت عن سباق التسلح والإخلال بالتوازنات ورفع وتيرة التسلح في الخليج، وعندما يطلب العراق غواصات تثار كل تلك المسائل في وجهه، أمريكا وحلفاؤها يزودون إيران بمختلف الأسلحة ودون قيود ، وأصدقاؤنا السوفييت يتهيبون من سباق التسلح وتصدع الأمن في المنطقة، أي منطق هذا، هل تستطيع أن تجيبني على ذلك. فأخبرته بأني موظف مكلف بنقل المعلومة ولست خبيرا عسكريا وأيضا غير قادر أو مخول بمناقشة أية موضوعة ، وحسب علمي فأن وزارة الدفاع وليس فقط القيادة السياسية غير موافقة على طلبكم ورغبتكم تلك.
دخل السكرتير وأخبر الوزير بجاهزية مائدة الطعام فدعاني الوزير لتناول الطعام معهم فذهبنا وجلسنا حول المائدة وجلس معنا فاضل البراك والبعض من الموظفين ودار حديث عام،كان منه عن طبيعة وأعمال معهد الاستشراق والحياة في موسكو ولم نتطرق لموضوعة الغواصات. بعد أكمالنا وجبة الغداء طلبت من الوزير السماح لي بالذهاب فقال لي ، قبل أن تذهب يجب أن أقول لك بأني أستغرب جدا من هذه المعلومة التي بلغتني بها، ودهشتي كبيرة أيضا للسبب الذي جعلهم يكلفونك بالذات أخباري بموقفهم هذا . فأجبته باني موظف وجزء من مؤسسة سوفيتية، وأكلف بمهام حالي حال باقي الموظفين، أما لماذا كلفوني شخصيا بهذا فلا علم لي به غير ما أخبرتك عنه.
ولكن وبعد ساعات حصلت على معلومة بان الوزير عزيز طرح الطلب على القيادة السوفيتية خلال لقاءه بالرفيق برجينيف بوجود وزير الدفاع كريشكو، وعندها طلب برجينيف من الوزير كريشكو الحديث مع الوزير طارق بما يخص الطلب ومثلما كان متوقعا فقد انصب حديث الجانب السوفيتي حول عدم الرغبة في سباق التسلح ومهام الحفاظ على التوازنات وأبعاد شبح النزاعات. ولكن مهام تسليح الجيش العراقي بباقي أنواع الأسلحة نال موافقة السوفييت ورضا الجانب العراقي.

أما لقائي الثاني بالسيد طارق عزيز فقد جاء وفق حيثيات ترؤسي للوفد السوفيتي والعلاقة التي بنيت على أسس الحوار والإعداد لمهرجان الفارابي. ففي لقائي مع الرئيس البكر تطرقنا للحديث عن مهرجان الفارابي وهي المهمة التي قادتني إلى بغداد، فأخبرني الرئيس البكر بأنه قد كلف وزير الثقافة طارق عزيز بأن يكون مسؤولا عن ملف المهرجان في الجانب العراقي لذا من الموجب أن يلتقي بالوفد السوفيتي ويعد التحضيرات للمهرجان. ولهذا السبب أخبرني الرئيس البكر بأن علي مقابلة الوزير طارق عزيز. ذهبت في اليوم التالي إلى وزارة الثقافة والتقيت بالوزير وكان لقاءا متشنجا بعض الشيء ولم اشعر بالراحة وأنا أتحدث معه، فقد واجهني مباشرة ودون مقدمات قائلا : خليل لدي سؤال لك .وقبلها عليك أن تعرف بأننا والاتحاد السوفيتي على علاقة قوية، وهنالك قنوات دبلوماسية كثيرة أن كانت من قبل وزارتنا أو وزارة الخارجية أو غيرها، ولدينا سفارة هناك ولهم مثلها في بغداد وكل شيء يدار عبر تلك القنوات دون شوائب وبأبواب مشرعة، ولكني للمرة الثانية أستغرب من دوافع السوفييت بتكليفك شخصيا لمهام من صلب عمل الدبلوماسية وأن تكون اليوم ممثلا وحيدا لوفدهم المعني بالإعداد لمهرجان الفارابي وبعيدا عن جميع تلك القنوات الدبلوماسية. وأنا أريد أن اعرف ما هي الصفة الرسمية التي جعلتهم يكلفونك بالمهمة دون غيرك وتأتي لتتحدث وتتفاوض باسمهم مع أعلى السلطات في العراق.
كانت إجابتي مثلما السابق ودائما تؤكد كوني موظفا في معهد الاستشراق وهذا المعهد تكفل بأن يأخذ على عاتقه التحضير والأعداد لمهرجان الفارابي، وأنا منسب ومخول من قبل المعهد لأكون مفاوضا ومنسقا مع الجهات العراقية لغرض التهيئة والأعداد للمهرجان. ولكن الوزير طارق عزيز قال وبشيء من الحدة ، بأنه ينظر للأمر بغير تلك الصيغة، ورأيه دون مواربة بأني ودون ريب عميل للسوفيت ليس إلا.وهو على خلاف تام مع رأي الرئيس البكر حولي وأيضا في طريقة التعامل معي. ففي اعتقاده بأن الوضعية التي ترتب عليها قدومي إلى بغداد وطبيعة الوفد الذي اختصر بشخصي وعائلتي فقط، وما حملته من أسئلة سياسية أردت منها الحصول على أجوبة ومعلومات لصالح الإدارة السياسية السوفيتية ،كل ذلك لا يحتمل غير تأويلا واحدا وهو ما أخبرتك به.
أستمر حديثنا عن التحضيرات لمهرجان الفارابي وطلبت من الوزير أن يكون هناك وفدا لجمهورية العراق، ليشارك في الإعداد والتهيئة للمهرجان، على أن يكون حاضرا في موسكو في اقرب فرصة، فأخبرني بأنه سوف يؤلف هذا الوفد ويرسله إلى موسكو، وفعلا وفي اليوم الثاني عرفت بأنه تم تأليف الوفد، وبعد عودتي ومضي بضعة أيام جاء الوفد إلى موسكو وكان مؤلفا من السيد محمد جميل شلش وهو شاعر ومدير عام في وزارة الثقافة والسيد الروائي عبد الرحمن مجيد الربيعي .
حين لقائي في اليوم التالي بالرئيس البكر سألني إن كنت التقيت بالوزير طارق عزيز، فأجبته بنعم وحدثته عن الذي دار بيننا من حديث . وشعرت بأن من المناسب أن أثير الأمر مع الرئيس البكر، فسألته عن رأيه بما اتهمني به طارق عزيز. فراح الرئيس يحدثني عن شخصية طارق عزيز وكيف وصل إلى هذا الموقع المهم قائلا، بأن طارق عزيز وفي بداية ثورة 17 تموز كان يود وبإلحاح أن يُقبل كمراسل لجريدة الثورة في العاصمة اللبنانية بيروت، ولم يكن هناك أجماع في القيادة على تكليفه بتلك المهمة. في وقتها كانت بينه وبين صدام حسين علاقة متوترة بل متشنجة دائما. وكان صدام وحين يذكر طارق عزيز، يطلق عليه تسمية أبو ريشة، وكان هذا تلميحا لكون عزيز مسيحي من طائفة الكلدان ومن منطقة تلكيف، وهذا يعني لدى صدام بأن عزيز من بقايا جيش الليفي الذي شكله المستعمر البريطاني وكان هذا الجيش يضع على غطاء الرأس ريشة ، وحسب قول الرئيس البكر فأن صدام وفي أحدى المرات وجه لطارق عزيز مباشرة شتيمة مهينة ولم يجد منه ردا. ولكن فجأة تبدل الحال لتصبح بينهم علاقات جيدة وباتوا على توافق تام، ما الذي حدث فلا علم له بذلك.
لم أترك الآمر يمر بسهولة ورغم لف ودورا الرئيس في الإجابة فقد كررت عليه استفساري، عن ما اتهمني به طارق عزيز بصيغة العمالة للسوفيت .ومثلما المرة السابقة راح في حديث جانبي ولم يجب على سؤالي.