العميد وجيه برازي رفض الفساد فأقاله البعث فور اغتصابه السلطة

ربحان رمضان
2016 / 4 / 26

العميد وجيه البرازي ، أحد رجالات سورية الوطنيين في العهد الذي سبق انقلاب ألناصريين راشد القطيني ومحمد الصوفي والمستقل زياد الحريري عام 1963 ثم اغتصاب البعثيين للحكم في سوريا ، و أبعد عن مركز القرار حال اغتصاب المقبور حافظ أسد للسلطة ..
كان وجيه البرازي " أبو شادي" الضابط المسؤول عن الحدود السورية الجنوبية في عام 1958. التي سادها توتر إثر ترسيم الحدود بينهما ، فكانت تخرج مظاهرات في الرمثا تطالب برفض حلف بغداد وكان البعثيون الحاكمون في سوريا تغذي تلك التوترات باسم القومية مما دفع بأهالي الرمثا للمطالبة بإزلة الحدود بين الدولتين خاصة وأن التقسيم الاستعماري للمنطقة لم يأخد بالحسبان امتداد الجماعات القومية بين الحدود تماما كما حدث على الحدود الشمالية بحيث انقسمت ارض الكرد بين الدولتين التركية والسورية الحديثة العهد .
في تلك الفترة وإثر النزاع بين الدولتيين " السورية والأردنية" شارك العميد البرازي في تسوية الأمور ، ولما كانت القوات العسكرية متأهبة بين الطرفين أطلقت مدافع المضادة للطائرات نيرانها من مصفحة أردنية أصابت إحدى قذائفها العميد البرازي فنقل على أثرها إلى المشفى العسكري وبقي في حالة الخطر أكثر من خمسة أشهر نقل بعدها من القوات العسكرية إلى عمل مكتبي في الشرطة المدنية وتسلم وظيفة المدير العام لسجون دمشق
الطريف بالأمر أن العميد وجيه البرازي لم تكن لديه خبرة على الإطلاق في إدارة السجن خاصة أن إدارة السجون بنيت على نظام فاسد تتحكم به الواسطة والرشوة وسرقة البلد ، لكنه كان رجلا ّ بكل معنى الكلمة ، لا يعرف قلبه الخوف أو الاستسلام وهنا مأثبته رحمه الله من رجولة وحنكة ، وانسانية فريدة .
كان دائماً على استعداد لتحدي الوضع الراهن ، استلم إدارة سجن قلعة دمشق بعد أن كان بادارة مدير فاسد وعصابة من الحراس الفاسدين، تعاونهم داخل قواويش القلعة عصابات من السجناء تستخدم العنف من أجل البقاء في تلك البيئة.
حسب علمي وهذا لأنه كان زوج ابنة خالتي أم شادي ، أن راتبه في ذلك الوقت يقرب من ألف ليرة سورية لاغير ، وفي بداية فترة تسلمه لمنصب مدير السجون في دمشق ، فوجئ في يومه الأول عندما فتح دفتر الدوام الصباحي بمبلغ مئتي ليرة سورية موضوع ضمن الدفتر فما كان منه إلا أن استدعى الضابط المناوب وسأله عن السر ّ ، فأوضح له الضابط بأن هذا المبلغ هو الدفعة من قبل مقاولي اللحوم والخضرة الذين يوردوا المواد التموينية عادة للسجن وذلك بغية ترغيب البرازي في التوقيع على عقود التمويل الخاصة بهم للسجن، مع الاشارة إليه بأنهم سيدفعوا له أيضاً 200 ليرة كل يوم ، أي إضافة ستة أضعاف راتبه كل شهر إلى راتبه من هؤلاء المتعهدين .
فما كان منه في اليوم التالي إلا أن ذهب شخصيا إلى سوق الهال الواقع في جنوب سوق ساروجة – شرق خان التبن ليسأل ويستفسر عن أصدق وأفضل تاجر ، صاحب سمعة حسنة من موزعي الخضر واللحوم ، يبيع أفضل بضاعة وبأرخص الأسعار .
وفعلا وجد شخصان مناسبان عرض عليهما أن يصبحا الممقاولان المعتمدان للسجن وكان العقد في نظره مصافحة اليد ذلك لصدق كلمته رحمه الله ، واتفق معهم على انه سيرسل شرطي مدني يوميا ّ للتحقق من الأسعار وجودة البضاعة ، وأنه إذا لم تكن الفاتورة أرخص اسعارً في السوق والمنتجات من أفضل الجودة سيتم إلغاء العقد على الفور.
طبعا طرد المقاولين السابقين ، وأبلغ إدارة السجن في قلعة دمشق أن أي شخص يأخذ رشوة سوف يعاقب على الفور ويصبح بدلا من أحد حراس السجن.
الضابط المناوب الذي أبلغه عن مبلغ المئتي ليرة طلب نقله فورا ً وأبدله بضابط آخر .
في الأشهر الستة التالية قام بهدم " المشنقه " واستبدلها بمسرح موسيقى، وأقنع إدارة التربية والتعليم للبدء في تدريس شهاده إبتدائيه وإغداديه وثانويه واستحداث فرع لكلية الحقوق .
وشجع منذ بداية استلامه لمنصبه هذا على العمل داخل السجن وتحفيز السجناء على صناعة فن الخرز وتفصيل وخياطة أحذية الشرطة ، وخياطة ألبسة أفراد الشرطة وبيعها لادارة السجن .
وكان رحمه الله مولع بالرياضة والفن ، فشجع الرياضة داخل السجن وساعد السجناء على تأسيس فرقا رياضية لألعاب كرة السلة، كرة الطائرة، بناء الأجسام، رفع الأثقال، الجمباز، كرة الطاولة، ورياضات أخرى، وأدخل السجن في بطولات الدوري العام للبلاد .
كما استحدث منظمة خيرية لدعم أسر السجناء (جمعية رعاية المساجين)، وشجع الاعلام لينشر وأيضاً مقال أسبوعي عن الرياضة بين نزلاء سجن القلعة في صحيفة الرياضة الأسبوعية ، وأن يبث راديو دمشق برنامج إذاعي أسبوعي بعنوان "من وراء القضبان" لزيادة وعي الناس .
نجح رحمه الله في إقناع وزارة العدل للموافقة على برنامج رائد دعاه ربع المده يقضي إذا نجح سجين في اجتياز البرامج التعليمه والرياضية والفنيه ، والابتعاد عن أي نوع من المتاعب لمدة 12 شهر بحذف ربع المده من فترة عقوبته.
كان العميد البرازي حسب تصريحات العديد من السجناء السابقين في عهده يتجول في زنزانات السجون دون حراس ويأكل مع السجناء من نفس طعامهم .
كان يخصص وقتا ً خاصا لدراسة ملفات المساجين ، كل على حدى محاولا ً المساعدة قدر الإمكان ، وحسب أحاديث أم شادي زوجته فإنه كثيرا ما كان يتأخر لساعات متأخرة جدا في عمله .
صرح أكثر من شخص أنه فعل ذلك لفترة أربع سنوات وستة أشهر ، وأن السجن حسب تصريحاتهم تحول في ذلك الوقت إلى مركز إصلاح مثالي .
فحصلت الفرق الرياضية لسجن قلعة دمشق على جوائز ودرجات عالية في المنافسات الرياضية ، ومنح رحمه الله المساجين فرصة التثقيف والتثقيف الذاتي ، وشجعهم على تعلم مهن عمليه ، ووزرع في قلوبهم الأمل والفخربالنفس .
تضيف زوجته قائلة أنه في عام 1961 استضاف السجن أكثر من 200 مباراة رياضية واثنى عشر حفلاً موسيقياً ، تطوع مشاهير المطربين للغناء والموسيقى مع السجناء .
انخفضت نسبة معدل عودة المساجين في 61-62 إلى السجن (سجين يعود إلى السجن بعد إطلاق سراحه) لدرجة أن مفتش دولي فرنسي جاء للتحقيق وبعد زيارته لسوريا وأورد في تقريره للأونيسكو أنه للمرة الأولى في حياته شاهد مركز إصلاح حقيقي.
اثنان من الإخوة الذين أمضوا مدة عقوبتهم وإتبعوا برامجه الإصلاحيه حصلوا مرتين على تخفيض العقوبة بربع المده زاراه بعد الإفراج عنهم وطلبا منه المساعدة على العمل الشريف خارج أسوار السجن ، ذلك بشراء مكان ، أو استئجاره لبيع العصير في الوقت الذي لايملكان فيه المبلغ المناسب فما كان من العميد البرازي إلا أن ذهب معهما شخصياً واستخرج لهما الترخيص على باب عتبة دار القضاء ، وأعطاهم 200 ليرة سورية لبناء الموقف وبدء العمل ، ومرت فترة طويلة يمر خلالها يوميا للاطمئنان عليهما .
تقول زوجته أنه وبعد شهرين زاراه في مكتبه ومعهما كيس كبير من الورق وضعاه على مكتبه وقالا له : هذا هو نصيبك من الشراكة .
فتح الكيس فوجد فيه مبلغا من المال أكثر مما يقبضه كراتب شهري ، ولما سألهما عن السر ، قالا له أنت شريك لنا 50% وهذا هو نصيبدك من المحصول لشهرين فما كان منه إلا أن أدخل يده داخل الحقيبة وأخذمبلغ 200 ليرة سورية وقال لهما : والآن تنتهي الشراكه وأتمنى لكما التوفيق .
في الثامن من آذار عام 1963 اغتصب البعث السطلة في سورية ، وأول منجزات هذا الحزب الفاشي هو إقالة العميد وجيه البرازي وإحالته إلى التقاعد المبكر.
قام نزلاء السجن باضراب لمدة أسبوع استنكارا لهذا الفعل ، وتضامنا مع العميد البرازي حتى أن الحكومة الجديدة توسلت إليه ليعود إلى عمله ، فرفض .
بالمناسبة : المدير الجديد إشترى منزلين في حي المالكي بدمشق ، ومزرعة كبيرة في غضون سنتين من تاريخ استلامه إدارة سجن القلعة ، ثم تمت ترقيته إلى وزير للداخلية .
تقول زوجته أن العميد البرازي استمر في خدمة السجناء من خلال جمعية رعاية المساجين .
رحم الله البرازي ، كان رجلا في زمن اغتنى فيه أمثاله من الموظفين حتى أتخمتهم أموال الفقراء .