الطائفية: قناع براغماتي هدفه المال والسلطة.

كامل الدلفي
2016 / 4 / 21


الأزمة العراقية باختلاف صورها تعود إلى جذر واحد، هو البحث عن المال والسلطة، وهذا يتمظهر بسببين أولهما : حضاري يتعلق بأزمة الوعي والآخر أخلاقي يتعلق بأزمة القيم (الأخلاق)، وقد سَهُل على أقطاب التأزّم اتخاذ حجاباً عازلاً عن حقيقة الوجه الأصلي، والظهور بمكياج رجالات الطوائف المدافعين عن مظلومياتها التاريخية وحقوقها المضيعة.
أدى العقل الخارجي (الأمريكي) دوراً حاسماً في تحريك النوازع الباطنية في نفس الطبقات السياسية، و لعب دهائه على بساطة وسطحية المستوى المعرفي للعقل المحلي، والمستوى القيمي للنفس المحلية، فأبرق فكرة المحاصصة كفضاء للانتظام السياسي والاجتماعي، الذي يضمن تدفق المصالح والمغانم له عبر وكلاء محليين تنام في دواخلهم ذئاب جائعة للمال والسلطة، فاختبر العقل الأمريكي "جرذان" السياسة العراقية (كائنات التجربة) بأن وضع أمامهم سلتين للاختيار، وضع في الأولى (وحدة العراق ، الديمقراطية ،المدنية ، حقوق الإنسان) ووضع في الأخرى ( المحاصصة ، السلطات ، المنافع) وملأ فضاء التجربة بعوامل مساعدة للتفاعل تخدم رغبته وتنشط اختيار السلة الثانية، فهي خيار المنفعة والقوموسيون والفوضى وعدم المساءلة، أما الخيار الأول ، فإنما وضع لإرضاء الرأي العام الأمريكي والأوروبي لتبريرما جدوى أن يقطع الجيش الأمريكي كل هذه المسافات لتغيير نظام دكتاتوري في منطقة الشرق الأوسط ؟
ألغى المردّة المحرومون سلّة الخيار الأول، فهي تنطوي على خيارات عقلية وثقافية وحضارية، تجد وسائط الحس والإدراك المحلية صعوبة في الاقتناع بيقينياتها ، كما إنها لا ريب تنطوي على تحديات لمنظومة الاستقرار والسكونية فهي قد تنسف منظومة القناعات وتشقق قشرتها، فإن رفض تلك الفرصة أشبه بتلك التي تورد في المثل العامي ( ينطي الجوز للما عنده سنون) فالنفس أقرب إلى البقاء والتمتع بروائح البئر القديم.
الغريزة البايلوجية المندفعة نحو آفاق لا تحدها ضوابط الرعب، والاستبداد، والخوف اختارت السلة الثانية، واندفع العقل الكلاسيكي الموائم لذلك بترتيب أولياته تحت يافطة الحقوق التاريخية المضيعة، ومن الطبيعي أن يكون وراء كل مظلومية تاريخية هناك فاعل (ظالم)، وليس أسهل من تلبيس الدولة رمزية العدو التاريخي ، العقل العراقي ( السياسي والاجتماعي) وقتئذ وحتى الآن ، لم يدرك أن الديمقراطية تشكل مستوىً بنائياً رفيعاً في تأسيس دولة ما ، هنا تتجلى سيمياء أزمة الوعي الحضاري والفكري، فالعراقيون تخلوا عن موجة الديمقراطية وثقافتها، حقوق الانسان، والمجتمع المدني لمجرد أن الأمريكان كفّوا عنها تداولها وتسويق إعلامها وبهذا تميزت أزمة الوعي بعدم استثمار فرصة تاريخية لبناء أسس الدولة المدنية ،والديمقراطية، والتخلص من شراك المؤسسة الشرقية القديمة.
تضافر مع هذه الأزمة حركة قطار الاكسيولوجيا ( القيم) المحمّل بركام القيم المتهدمة والبالية، فانطلقت سهام اللصوصية، والغزو الباطني لمؤسسة الدولة في كرنفالٍ فريدٍ للعار، دعي (بالحواسم)، كتأسيس جذري لما لحق به من أزمات عالية للفساد، لقد كان دافع البحث عن المال وإشباع الجوع الغريزي له ،وللذة الحصول على ارتواء العطش التاريخي للغنى والتبغدد والترف هو الجذر الوحيد الباعث لا نطلاق كل ذلك الفساد.
وان جميع مظاهر الاصطفاف الاجتماعي- السياسي أنما هي وسائط لتحقيق ذلكم الهدف، كالطائفية والعرقية وتأسيس التحالفات والأئتلافات والقوى، هؤلاء هم عبدة الدولار.
استثمرت المؤسسة الهرمية الاجتماعية (الدينية، القبلية ، العسكرية ،السياسية ، التعليمية) الفرصة بأقصى درجة وجعلت من خيار الطائفية والمحاصصة أفضل برقع للوصول إلى غاياتها في البقاء والتواصل والاحتكام على أسباب البقاء ( المال والسلطة) فتحول العراقيون على ضوء مشيئتها إلى شيعة، وسنة، وكورد، وتركمان، ووو مكونات.
و أعطت التفويض التام لسلاحها المركزي (السياسي) بأن ينهب ما يشاء ، وكيفما يشاء ، من دون أن تحسب حساب تلك الساعة التي تهبط فيها أسعار النفط إلى ما دون 30 دولاراً ، ليبدأ طور جديد في دهائها يتناسب مع أزمتها المالية والأخلاقية ، هو طأطأة الرأس أمام العاصفة، ورفع يافطة الإصلاح والخروج بأبنائها المتصارعين بالحد الأدنى من التوافق والقبول بما يتيسر من سلطات، وثروات، وامتيازات، خوفاً أن ينهض الشعب المخدّرمن مهجعه ،
مسكين ابن آدم حين يكون أذناً لما يقول ابن آوى.