إدارة صراع الفاسدين ترسيخ لقبضة الخارج على الإرادة العراقية

كامل الدلفي
2016 / 4 / 20

الآن بدأت نسخة جديدة من الاحتلال ،عقب ثلاثة عشر عاما من إعلان مجلس الأمن الدولي بالقرار 2003 / 1483 احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة الأميركية ، النسخة التي أضحت متهالكة و غير مستساغة بتجاربها المرة و عطائها الشحيح ، وعانت من يقظة مناوئة وكره شديد من لدن الشعب العراقي ، جرت تلكم التجربة ويلات و أوجاع ينوء تحت ثقلها ظهر التاريخ ، فتراخت قبضة المحتلين الدوليين و المتدخلين الإقليميين عقيب الثورة الشعبية الكبرى ضد الفساد التي بدأت في ساحات التظاهر "الجمعوي" ، والثورة الإعلامية الموجهة إلى كشف رؤوس الفساد ، وقد تخلل تلك الثورة جهد عملاق للهيئة المالية البرلمانية حين كان يرأسها النائب الراحل الدكتور أحمد عبد الهادي الجلبي ، فقد عملت اللجنة على متابعة سير إدارة الأموال العراقية وتزويد البرلمان العراقي بمستويات المد والجزر ، وكشف مظاهر الفساد واللصوصية والاحتيال على القانون ، وفرّغ الدكتور الجلبي أثمن لحظات وقته (الزمن الأخير من حياته) فكتب ملفاً فريداً عن الفساد المالي أحصى به كلَّ شاردة وواردة عن صرف المال العراقي لدورتين انتخابيتين والذي ناف على " 557 " مليار دولار من عائدات النفط العراقي. بلغ الملف ( 10000صفحة ) بالإضافة إلى ما كان يقوم به من توضيح و فضح لمظاهر الفساد من على القنوات الفضائية المختلفة و بشكل خاص من على شاشة قناة آسيا كل يوم سبت ، لقد قدم الدكتور احمد الجلبي ملف الفساد الكبير (إلى المرجعية الدينية العليا- رئيس الحكومة-رئيس البرلمان-السفيرين الأمريكي والبريطاني - البنك الفيدرالي الأمريكي- جريدة المدى) ، من الذين تصورهم بأنهم من ذوي المسؤولية ، إلا أنهم انكمشوا عن الحقائق و أخذوا وقتهم لتجميد الملف و نسيانه بعد أن جاء أمر الله والتحق الدكتور الجلبي إلى رضوان ربه تعالى، فانفتحت أمامهم مساحة عبوره ، وقتذاك كان رئيس الوزراء قد أعلن تبنيه برنامجاً إصلاحيا يتناغم مع الثورة الجماهيرية المضادة للفساد، برأيي أن رئيس الوزراء قد عمد إلى الشعاراتية الميدانية للتخفيف من ضغط الثورة الشعبية ،التي قد خدعت ومنحته تأييدها فقد اصطفت شعارات ساحة التحرير إلى صف مشروعه الإصلاحي ، بينما الرجل لم يكن يمتلك أية رؤية إصلاحية وان وجدت فهو لا يمتلك قوة تنفيذها ، لان محصلة القوى التوافقية التي أوصلته إلى استلام القرار السياسي في العراق متساوية ، فقوة العبادي هي حاصل نتاج صراع تلك القوى .
في هذه المدة من الثورة الشعبية التي بان فيها فساد القوى الحاكمة من غير استثناء ، وقفت المرجعية الدينية و الثورة الشعبية مع مشروع رئيس الوزراء وفوضاه بما لا يطيق ،وهو ضرب الفاسدين بقوة و تحويل رؤوس الفساد الى القضاء والمجيء بحكومة إداريين حقيقيين ، أدى ذلك إلى أن تراخت القوى الخارجية عن تقديم دعمها لحلفائها المحليين ، و أحست بحاجة الى التواري الوقتي عن المشهد العراقي خوفا من التغييرات القادمة التي ستدمغ هويتها كدولة داعمة للفساد في العراق.
العقل السياسي العالمي يميل إلى الاسترخاء السياسي عند الأزمات الحادة بينما يميل العقل السياسي العراقي إلى الرغبة في مليء جميع مساحة الزمن دون مراجعة أو استرخاء.
لقد دبرت القوى الخارجية انقلابها الجذري ضد ثورة الإصلاح و مكافحة الفساد، فقد تمكنت من تغيير ميزان القوى في المعركة ضد الفساد .
الطرف الأول (أ) = ( القوى الشعبية المتظاهرة والمرجعية الدينية العليا وملف الدكتور الجلبي الكاشف للفساد وبرنامج رئيس الوزراء الإصلاحي والثورة الإعلامية).
الطرف الثاني(ب)=( رؤوس الفساد –الحكومة الفاشلة )
لقد تحولت معادلة الصراع بإقصاء الطرف(أ) بكامله من مشهد الصراع، واستمرار صراع غير مخيف بل ايجابي للطرف الخارجي ، تجلى في شطر الطرف الثاني (ب) موئل الفساد إلى شطرين يتصارعان على السلطة في العراق .
لقد نجح العامل الخارجي في استصدار نسخة جديدة من احتلال مركز ، فان الدول الخارجية أميركا – بريطانيا- إيران - السعودية – تركيا وغيرهم تباشر تدخلها اليومي في دعم هذا الطرف او ذاك من اجل وصوله الى هذه السلطة او تلك ، وهذا لا يتم من دون صفقة مصالح طويلة الامد لتلك الدول في العراق بما يضمن ان تحكم قبضتها على قرار العراق السياسي وعلى اقتصاده وجغرافيته والتحكم بمديات مستقبله.