جناية أرسطو على السوريين , أمّ أنفسهم !

حمزة رستناوي
2016 / 4 / 18



ما علاقة أرسطو بالعنصرية ؟ ألم توجد العنصرية ما قبل و ما بعد أرسطو؟! ما الصلة بين المنطق التقليدي الأرسطي و سيرة حياة مكتشف هذا المنطق! لماذا لا نعتمد نظرية موت المؤلف , و نفصل أرسطو المؤلف عن كتب المنطق و العلوم المنسوبة أو التي ألّفها ارسطو! في الاجابة على التساؤلات المشروعة السابقة نذكر: المفهوم الأرسطي للهوية يعادلها بالجوهر الثابت, فالكائنات تختلف و تتفاضل جوهرانيا عن بعضها البعض , أليس في هذا تأسيسا و تبريرا للعنصرية ! في المنطق الارسطي إنّ اختلاف الكائنات عن بعضها البعض هو منطق الحياة, و هو يعود الى اختلاف طبائع الكائنات عن بعضها البعض فلكلّ كائن جوهره الخاص و الفريد!, و هو لا يعزيه مثلا الى اختلاف شروط أو ظروف أو سياقات تشكّل هذه الكائنات. وفقا للمنظور الارسطي : الرجل أفضل من المرأة , و هذا التفاضل يعود لطبيعة الرجل و طبيعة المرأة نفسها , فالجوهر الشريف للرجل أفضل من الجوهر الوضيع للمرأة ! يورد ول ديورنت في قصة الفلسفة على لسان أرسطو هذين الاقتباسين : في الأوّل نعاين منظوره للمرأة " إن المرأة من الرجل كالعبد من السيد, و كالعمل اليدوي من العمل العقلي, و كالبربري من اليوناني, و المرأة رجل ناقص تُركت واقفة على درجة دنيا من سلّم التطور, و الذكر متفوّق بالطبيعة , و المرأة دونه بالطبيعة , الأوّل حاكم و الثاني محكومة[1] أما في الثاني فنعاين منظوره للعبودية " لقد طبع الناس منذ الساعة الأولى من ولادتهم ليكونوا بعضهم حكاما و بعضهم محكومين.. إن العبد من السيد كالجسم من العقل, و بما أن الواجب خضوع الجسم للعقل, لذلك من الأفضل أن يتدرج جميع الضعاف تحت حكم السيد, إن العبد آلة حية, و الآلة عبد لا حياة فيها[2] انتهى الاقتباس. أرسطو إذن يميز تفاضليا ما بين الانسان الرجل و الانسان المرأة , ويميز ما بين الانسان السيد و الانسان العبد , و هو كذلك يميز تفاضليا ما بين الانسان الاغريقي الحر و بقية الناس المهيئين بطبيعتهم لان يكونوا عبيداً, و تلك نظرية الطبائع في تصنيف المجتمعات و الشعوب .
لكن ما الجديد في ذلك ؟! هذا التميز كان موجود قبل ارسطو و استمر بعده ! الجديد هو تقديم أرسطو لأساس فلسفي و تبرير يقنون العنصرية استنادا لمنطق الجوهر, فالرجال و السادة و الشعب الاغريقي ينحدرون من جواهر سامية , على نقيض النساء و العبيد و بقية الشعوب الذين ينحدرون من جواهر خسيسة بطبعها. لكن , مرة أخرى لماذا العودة لأرسطو و الإغريق و الغالبية العظمى من السوريين و العرب لا يعرفون عن ارسطو و الاغريق الا بضع كلمات او أسطر! أليس من الاجدى العودة إلى منابع و جذور الثقافة الفاعلة في المجتمعات السورية خاصة و العربية عامة بدلا من استحضار ارسطو؟! ما موقف الاسلام من المرأة ؟ هل حرّم الاسلام العبودية ! ما هي نظرة الاسلام الى غير المسلمين؟! هل هي أفضل حالا من نظرة أرسطو الى غير الإغريق مثلا! كلها أسئلة مشروعة , لا يليق تجاهلها أو الالتفاف حولها. في الاجابة عليها نعود مجّددا الى الفهم الجوهراني للعقائد, و كون أي عقيدة – بما يشمل الاسلام- تتشكّل في صيغ و أشكال مختلفة , و هي قابلة لفهوم مختلفة منها ما هو أكثر أو أقل حيوية من بعضها البعض , و الفهم الجوهراني للإسلام الذي يبرر العنصرية و ازدواجية المعايير تجاه المرأة أو غير المسلمين هو فهم قاصر و أقل حيوية .
نعود الآن الى الصيغة التقليدية الأكثر شيوعا لتمثيل القياس الأرسطي , مع معرقتنا المسبقة بأنّ " أرسطو كان يصوغ أقيستهُ في صورة رمزية, و لم يرد في عرضه المنهجي لنظريَّة القياس أمثلة لأقيسَة صاغها من حدود معيّنة, و لم يستخدم هذا النوع من الحدود إلا للتمثيل على الأقيسة الفاسدة [3]
كل المسلم السنّي جيد....فلان مسلم سنّي.... إذن فلان جيد
كل المسلم الشيعي جيد.. فلان مسلم شيعي.. إذن فلان جيد.
كل المسلم العلوي جيد.. فلان مسلم علوي... إذن فلان جيد.
كل المسيحي جيد.... فلان مسيحي....... إذن فلان جيد
كل العربي جيّد......فلان عربي.... إذن فلان جيد.
كل الكردي جيد.....فلان كردي.... إذن فلان جيد.
كل الأسدي جيد .....فلان أسدي..... إذن فلان جيد.
إنّ الصيغة السابقة للقياس - بغض النظر الوعي بها أو التصريح بها - هي إحدى آليات التفكير الشائعة التي نستخدمها , و قد أخذنا بها مجرى العادة , و هي تنطلق من مقدمات خاطئة قوامها مفهوم الكلي , و هو " الشامل لجميع الافراد الداخلين في صنف معين و الذي لا يمنع تصوّره من أن يشترك فيه كثيرون [4] إنّ الصيغة السابقة للقياس تخلق نقيضها باستمرار , فصيغة " كلّ مسلم جيد", تستدعي الى الذهن "كل ليس مسلم جيد " أو " كلّ ليس مسلم سيء" و هلم جرة . الصيغة السابقة للقياس نجد تقعيدها فيما يُسمى بمبادئ العقل الثابتة عند أرسطو , و هي : مبدأ الهوية – مبدأ عدم التناقض- مبدأ الثالث المرفوع. حيث تفترض أنّ : المسلم هو المسلم , و لا يمكن للإنسان أن يكون مسلما و لا مسلما بنفس الوقتْ, و المسلم إمّا أن يكون جيدا أو سيئا و لا يوجد حالة أخرى! إنّ الصيغة التقليدية السابقة للقياس هي المحرك الأساسي للاستبداد و الاحتلال و الحروب الأهلية على المستوى النفسي و الثقافي/ السياسي. مثلا : كلّ السنّي ارهابي ..فلان سنّي.. إذن فلان ارهابي.. و النتيجة هي تبرير قتل أو اعتقال أو تهجير السوريين السنّة الابرياء. كل العلوي مجرم.. فلان علوي.. إذن فلان مجرم.. و النتيجة هي تبرير قتل أو اعتقال السوريين العلويين الأبرياء. كلّ الكردي خائن ..فلان كردي.. إذن فلان خائن ..و النتيجة هي تبرير قتل أو اعتقال أو تهجير السوريين الاكراد الابرياء.. و هلمّ جرة.
*هوامش المقال:
[1] قصة الفلسفة , ول ديورنت, بيروت , مكتبة المعارف ,ط 6, 1988, ص97
[2] قصة الفلسفة , مرجع سابق, ص 95
[3]: المنطق و تاريخه من أرسطو حتى راسل ,روبير بلانشي , ترجمة د. خليل أحمد خليل ,المؤسسة الجامعية للدراسات و النشر و التوزيع , بيروت - ص78 و هامش ص 77
[5] المعجم الفلسفي , جميل صليبا , ج1, ص 238