التربية العلمية في عصر الانفجار المعرفي

عصام عبد العزيز المعموري
2016 / 4 / 17

التربية العلمية في عصر الانفجار المعرفي
د0عصام عبد العزيز المعموري - دكتوراه طرائق تدريس الفيزياء - بعقوبة
العلم هو هرم معرفي متدرج قاعدته الحقائق العلمية وقمته الأفكار الأساسية ،تم بناؤه نتيجة البحث والتفكير وتحكمه قيم ويسعى لتحقيق أربعة أهداف هي الوصف والتفسير والتنبؤ والضبط أو التحكم .
ان هذا المفهوم للعلم يعني بأن العلم هو ليس هيكلا" من المعلومات فقط أو طريقة للبحث والتفكير فقط وانما هو مزيج من المادة والطريقة .
ان لفهم طبيعة العلم انعكاسات على كل في وقت تسعى فيه التربية بشكل عام للارتقاء بالمتعلم معرفيا" ووجدانيا" ومهاريا" واحداث تغييرات ايجابية مرغوبة تربويا" واجتماعيا" في سلوك المتعلم وتفكيره ووجدانه فان التربية العلمية في عصر العلم والتكنولوجيا وثورة الاتصالات والانفجار المعرفي Knowledge Explosionتسعى الى خلق متعلم يفهم أن العلم هو ليس مجرد كل منظم من المعرفة التي تتضمن الحقائق والمفاهيم والقوانين والنظريات والمبادئ لأن هذا الفهم يقود بالمتعلم الى التصور بأن العلم يقتصر على الجانب المعرفي وينظر الى العلم بأنه كم من المعلومات عليه حفظها فقط .
وان التربية العلمية لا يقتصر دورها على تبصير المتعلم بأن العلم ليس مجرد هيكل من المعلومات فقط وانما يتعداها الى تبصيره بأن العلم هو ليس طريقة للبحث والتفكير فقط تؤدي الى التوصل الى معلومات جديدة في حقل المعرفة الانسانية .
وهنا يبرز تساؤل مشروع : اذا لم يكن العلم نسقا" من المعارف العلمية المتراكمة فقط أو طريقة
للبحث والتفكير فقط تؤدي الى التوصل الى هذا النسق من المعارف ..فما هو العلم ؟
من أهداف تدريس العلوم وطرائق التدريس ومفهوم المنهج ودور المدرس ومصدر التعلم ودور التقويم .
فاذا نظرنا للعلم على أنه بناء معرفي أو هيكل من المعلومات فقط يكون الهدف من تدريس العلوم وفقا" لهذه النظرة هو تزويد المتعلمين بالمعلومات المختلفة التي يتكون منها العلم فقط .
وتكون طريقة المحاضرة أو الطريقة الالقائية هي السائدة في تدريس العلوم وتهمل باقي الطرائق ويكون دور المدرس هو الملقن ويكون للمتعلم دور بسيط في العملية التعليمية وتبنى المناهج وفق المفهوم الضيق للمنهج حيث ستقتصر على المحتوى المعرفي أو المادة الدراسية وتهمل العناصر الأساسية الأخرى في بناء مناهج العلوم ، ويصبح الكتاب المدرسي هو المصدر الوحيد للتعلم في عمليتي التعلم والتعليم دون الاستعانة بالمصادر الأخرى والوسائل التعليمية المتعددة وتصبح المعرفة العلمية مطلقة في صحتها وبالتالي غير قابلة للتعديل أو التغيير لكنها تنمو بالإضافة وينظر للتقويم على أنه وسيلة لمعرفة حفظ وتذكر المعلومات لدى المتعلم وسوف يركز على العمليات العقلية الدنيا ويهمل العمليات العقلية العليا (تحليل ، تركيب ، تقويم ) وفقا" لمستويات المعرفة العلمية التي أوجدها المنظّر التربوي الأمريكي بلوم Bloom .
أما اذا نظرنا للعلم بأنه مزيج من المادة والطريقة فسيكون لهذه النظرة النتائج الايجابية الآتية :
1- أهداف تدريس العلوم : سوف لا تقتصر تلك الأهداف على تنمية الجانب المعرفي للمتعلم بل تتعداه الى تنمية الجانب المهاري والوجداني لديه .
2- مفهوم المنهج :سوف يشمل المنهج جميع الخبرات التي تقدمها التربية العلمية للمتعلمين لغرض تنميتهم في مختلف الجوانب ومساهمتهم في تنمية المجتمع الذي يعيشون فيه .
3- طرائق تدريس العلوم : سوف تهتم تلك الطرائق بإيجابية المتعلم ومشاركته في العملية التعليمية وتهتم بتدريب المتعلمين على التعلم بأنفسهم والتعلم عن طريق الاكتشاف حيث أثبتت نتائج دراسات علم النفس التربوي الحديث بأن أي معلومة يكتسبها المتعلم بجهده الخاص فإنها تبقى في ذاكرته لفترة طويلة وتدخل في الذاكرة طويلة المدى Long Term Memory وان النظرة الى العلم على أنه طريقة في البحث والتفكير تجعل المتعلم يستخدم اسلوب حل المشكلات الذي يتضمن عدة عناصر منها الشعور بالمشكلة وتحديدها وصياغتها في صورة اجرائية قابلة للحل وجمع البيانات ذات الصلة بالمشكلة المدروسة ووضع أحسن الفرضيات لحل المشكلة واختبار الفرضية بأية وسيلة علمية والوصول الى حل للمشكلة واستخدام الفرضية كأساس للتعميم Generalization في مواقف أخرى مشابهة .
4- التقويم : سوف يصبح التقويم أداة لمعرفة مدى تحقق الأهداف بحيث يساعد على التغلب على نقاط الضعف فيها مما يساعد على تقدم العملية التعليمية .
يحدد لنا الأدب التربوي البريطاني أربعة أنماط من المدرسين أو المعلمين وهي : المعلم الضعيف يلقّن والمعلم المتوسط يفسّر والمعلم الجيد يعرض والمعلم الممتاز أو المتميز يلهم ،ففي وقت أصبحنا فيه لا نلحق بالتطورات الجذرية والشاملة في جميع جوانب الحياة فنحن أحوج ما نكون الى معلم ملهم يقود المتعلمين الى بحوث علمية منتجة للمعرفة لا مستهلكة لها وأن الطريقة التدريسية الناجحة في تدريس العلوم في عصر الانفجار المعرفي هي التي تعطي للعمليات العقلية اهتماما" أكثر من المعرفة العلمية ، ومن العمليات العقلية التي يجب التأكيد عليها هي : (الملاحظة ، المقارنة ، التحديد أو التعريف ، التصنيف ، القياس ، التنبؤ ، التحقق ، فرض الفروض ، عزل المتغيرات ، التجريب ، المشاهدة ، الاستنتاج ) ، ويجب اعطاء المتعلم دورا" أكثر فاعلية وايجابية في الدرس .
واذا كان الهدف الرئيس للتربية كما يقول منظّر التربية العلمية بياجيه Piagetهو خلق رجال يتمكنون من عمل أشياء جديدة وليس اعادة الأشياء القديمة التي قامت بها الأجيال السابقة وتشكيل العقول التي لا تقبل كل شيء يقدم لها من دون تمحيص وتحليل فان من أولى مهام التربية بشكل عام والتربية العلمية بشكل خاص تعليم التفكير واشاعة مبدأ تعلّم كيف تتعلم Learn How To Learn والاهتمام بما وراء المعرفة (الميتامعرفة) وان موضوع تعليم التفكير عظيم المغزى في عصر العولمة والتكنولوجيا والمعلومات انطلاقا" من مسلّمة مفادها أن القدرة على التفكير مكتسبة أكثر من كونها موروثة ومرتبطة بمهارات يمكن تعليمها .
عندما أرسل الاتحاد السوفياتي الكلبة (لايكا) الى أول مدار حول الأرض عام 1956 فان تلك المبادرة أحدثت ضجة لا نظير لها في الأوساط العلمية والسياسية في الولايات المتحدة الأمريكية وبدأ التساؤل الكبير لديهم : لماذا سبقنا الاتحاد السوفياتي في ذلك ؟ أين يكمن الخلل لدينا ؟ وبعد دراسات معمقة أثارها انذار كبير في كل المؤسسات ذات الاختصاص عنوانه :أمة في خطر Nation in Danger توصلوا الى أن الخلل يكمن في المناهج التعليمية حيث أن المناهج الأمريكية كانت تركز على ما يسمى( 3R ) أو الكلمات الثلاثة التي تبدأ بحرف أو لفظ R وهي Reading (القراءة) وWriting (الكتابة ) و Arithmetic (الحساب) بمعنى أن المناهج كانت تركز على الجانب المعرفي فقط وتهمل باقي الجوانب في وقت كانت فيه المناهج في الاتحاد السوفياتي آنذاك تركز على ما يسمى 3H) ) وهي الكلمات الثلاث التي تبدأ بحرف H وهي (Head ) بمعنى الرأس و(Heart) بمعنى القلب و (Hands ) بمعنى الأيدي , وان ما يعنونه بالرأس هو الجانب المعرفي الذي يتضمن تزويد المتعلم بمختلف المعلومات أما القلب فانهم يعنون به الجانب الوجداني أو الانفعالي المتعلق بتنمية الميول العلمية والاتجاهات العلمية المختلفة مثل (الموضوعية وحب الاستطلاع والاستعداد لتغيير أو تعديل الآراء والانفتاح العقلي والأمانة العلمية والعقلية الناقدة وتعليق الحكم واحترام البرهان وغيرها ) أما ما يعنونه بالأيدي فان ذلك يتعلق بالجانب المهاري وتنميته لدى المتعلم الذي يتضمن سرعة الأداء وقلة الأخطاء والدقة .
وكان رد الفعل الأمريكي سريعا" على هذا التحدي الكبير باستحداث مشروع (سبوتنك) الذي غيّرت بموجبه المناهج التعليمية للمراحل كافة واستحدثت مناهج حديثة وخاصة في مادة الرياضيات .
اذا كانت الولايات المتحدة أطلقت ذلك الانذار المدوي عام 1956 معلنة ضرورة تحديث مناهجها لأن مناهجها تركز على الجانب المعرفي فقط وتهمل الجانبين الوجداني والمهاري فماذا يقول مصممو المناهج لدينا ونحن في عام 2016 في وقت أهملنا فيه هذين المجالين وياليتنا ركزنا على الجانب المعرفي فقط ،فحتى هذا المجال أهملناه ، انها دعوة لدق ناقوس الخطر ،ناقوس كصافرة الانذار نطلقها يوميا" لعل مصممي المناهج لدينا يستفيقون من غفوتهم العميقة!!