دلالات إسم العلم في روايات نجيب محفوظ ( القسم الثاني)

سلام كاظم فرج
2016 / 4 / 11

دلالات إسم العلم في بعض روايات نجيب محفوظ
سلام كاظم فرج
لابد من التنويه إن مقالتي السابقة عن نجيب محفوظ قد اعتمدت على مراجع عدة منها قراءة روايتي الطريق واولاد حارتنا قراءة متأنية فاحصة .. إضافة الى مقالة مهمة نشرها الدكتور عدنان الظاهرقبل اكثر من خمس سنوات عن رواية اولاد حارتنا ( في الحوار المتمدن)..وكنت قد إطلعت على مقالات متفرقة كثيرة نشرت في الآداب البيروتية لمحمود امين العالم وغيره من نقاد الرواية في سبعينات القرن الماضي وستيناته ..واليوم اجد لزاما علي ان أكمل مشوار فحص دلالات اسم العلم في بعض روايات الكاتب الكبير/...
كان لنا في حينها اعتراض بسيط على استاذنا الدكتور عدنان الظاهر في قسوته على نجيب محفوظ وفي ضرورة الأخذ بعين الاعتبار طبيعة المجتمع المصري المحافظ والقوانين السائدة في البلد التي تحرم تناول الرموز المقدسة وكلنا نعرف الضجة التي أثارها الازهر ضد الكاتب .. ومحاولة الاغتيال التي تعرض لها..وعليه لابد من تقدير وسطيته عند التصريح المباشر عن مقاصده الدقيقة. وقد نجح الدكتور الظاهر في فك كل تشفيرات الرواية واعتراضنا ينصب على قسوته على الروائي الكبير..
لقد اختار نجيب محفوظ اسماء محددة وواضحة ودقيقة ومميزة لرموز دينية معروفة في الكتب المقدسة..
.. كالجبلاوي ( علة الوجود وفق الكتب المقدسة العهدين القديم والجديد والقرآن الكريم) وقنديل / جبريل: وادهم آدم.. ورفاعة / المسيح/ كونه قد رفع الى السماء/ وقاسم..( النبي محمد ًص).. باعتبار كنيته.. وصادق / ابو بكر..(رض) باعتبار لقبه.. وحسن. الامام علي (ع) باعتبار كنيته...وعرفة/ العلم.. من تصريف الفعل عرف / يعرف.. الا ان ثمة اسمين لم يتكشف سر اختيار محفوظ لها.هما. جبل.. وحنش..
اكثر الترجيحات تشير الى ان جبلا دل على النبي موسى في الرواية انطلاقا من جملة ترد فيها على لسان عرفة يقول ان الجبلاوي إختفى منذ موت جبل.. باعتبار ان موسى هو النبي الوحيد الذي كلمه الله مباشرة / كليم الله / في حين ان الله سبحانه أوصل كلماته الى بقية الرسل من خلال الملاك الامين جبريل.. وهنا يتبادر سؤال.. ماعلاقة مفردة جبل بالنبي موسى وما نعرفه عنه انه عبر اليم (البحر) وسار في الصحراء؟؟,,فنقول انما قصد بجبل النبي نوح من خلال قول ولده في القرآن الكريم.. سآوي الى جبل يعصمني.. اما اختيار اسم حنش لتلميذ عرفة الذي احتفظ بالعادلات وهرب بها واختفى..
. فأعتقد ان نجيب محفوظ قد استفاد في اختياره للإسم الغامض( حنش).. من ملحمة كلكامش.. وعشبة الخلود التي سرقتها (الأفعى/ الحية ) .. والحنش هو ذكرالأفعى/ الحية. وبهذا .يمكن ان نفهم رسالة الرواية بإن المستقبل سيكون للعلم مقترنا بالمبدأ الانساني والروحي.. وسيكون بيد الشعوب لا بيد طبقة بعينها.. وهذا هو الخلود المعنوي والمادي للبشرية كما رآه نجيب محفوظ.. لقد كرر محفوظ تجربة اولاد حارتنا في ملحمته الكبرى الحرافيش..
وفي رأينا المتواضع انه قد بدأ ايضا بآدم.. لكنه اختار له اسم عاشور الناجي.. ومن خلال سلالته التي امتد وجودها متنقلة بين الفاقة والغنى. وبين الاستحواذ على السلطة وخسارتها..وتعرضها للمطاردة والظلم.. وممارستها مطاردة آخرين وظلمهم.. ووجود الخير والشر في سلالة عاشور الناجي.. يدلنا على بدايات طفولة البشرية كما يسميها هيجل وصولا الى العصر الحديث الذي اقتصر على ان يكون عربيا وفق محفوظ حيث الانقلابات العسكرية والمؤامرات..والثورات الوطنية ..ان غموض اصل عاشور الناجي.. واختلاط الروايات بشأنه وعدم معرفة حقيقة أصله. وهل كان ابن الخطيئة . ام رجلا عفيفا صالحا توحي للتدبر في حقيقة اخبار الكتب المقدسة عن آدم الذي مزج خبره بين الخطيئة الكبرى بعصيان اوامر الخالق وبين كونه احد الانبياء... لقد بقيت سلالة عاشور الناجي تقدس ذكرى عاشور الاول وتحيطه بالإجلال رغم ان هناك شبهات تحوم حول ولادته ..
واختيار الناجي لقبا له.. من قبل محفوظ نفهمه من خلال توبة آدم وعفو الله عنه وعن زوجه..فقد مات وهو نبي مرضي عنه.. بهذا فقد نجا من العقاب .. ومفردة عاشور تثير إشكالية المزج بين الدراوينية وبين الفكرة الدينية . وعاشور تعني العاشر وهو رقم يدل على الكثرة... وهناك نظريات بعضها مقبول وبعضها متهافت حول تخلق اكثر من آدم عند بدايات وجود الانسان على الارض.. وهناك نظرية تتحدث عن أبي آدم !!! وكلها افتراضات مبهمة.. ولكن ما يهمنا هنا التعرف على سر اختيار اسم عاشور الناجي بطلا لأهم رواية إشكالية لنجيب محفوظ الحرافيش. والتي أكملت رسالة اولاد حارتنا واشتغلت على الثورات والانقلابات المعاصرة ايضا. اما ابناء الناجي فقد توزعت ترميزاتهم لكنها لم تبتعد كثيراعن (قايين) او (قابيل وهابيل.).ورأينا هذا اجتهاد نجتهده ولا نعترض على من يعترض عليه .. ودمتم سالمين ناجين . والحمد لله رب العالمين..