عن الجنّ و نصيحة خليل الحسن لي

حمزة رستناوي
2016 / 4 / 10




أوّلا- نص رسالة خليل الحسن
الدكتور حمزة رستناوي مساء الخير.
لقد عرفتك عندما كنت في الرقة إنسانا مثقفا" محبّا" للعلم والبحث العلمي وخاصة في موضوع تجديد الخطاب الإسلامي واستوقفني حديثا " لك آنذاك فيما يتعلق بتقبيل الحجر الأسود والطواف ووصفك لتلك الظاهرة بأنّ الإسلام مازال يحمل في بعض جوانبه شيء من الوثنية حسب قولك! ولم أكن أعلم ان البحث في هذا المجال سيقودك إلى نسف حقائق غيبية ذكرت في القرآن كالجن مثلا وإن وجود الجن مجرد خرافة ولم يتم الكشف عنها بالبحث التجريبي وكل ما أخشاه أن تتطرق ببحثك عن نفي وجود الملائكة و غيرها من الغيبيات التي وردت في القرآن الكريم.
والدلائل على وجود الجن في الكتاب والسنة كثيرة وأهمية الإيمان بالغيب ومفرداته كثيرةٌ جداً في أبواب المعتقد، ويأتي من أبرزها : عالم الجن، ذلك العالم الذي يوقن بوجوده أهل الإسلام بل أهل الديانات السماوية كلّها، فضلاً عن عداهم من الأديان الأرضيّة، وليس يُنكره بالمطلق سوى الفلاسفة والباطنيّة والقدريّة، ومن أنكرَ الديانات وتشبّت بالمنهج التجريبي جرياً على عادتهم في الكفر بكل ما لا يُدرك بالحواس الخمس
وهذا مقام التذكير بالأدلة السمعيّة والعقليّة التي تُثبت وجود الجن على وجه الحقيقة، وأنه ليس مجرّد أساطير تربّت عليها البشريّة جيلاً بعد جيل كما يزعم منكرو الديانات، بل عقيدةٌ راسخةٌ أصيلة نؤمن بها إيماننا بغيرها من المعتقدات الغيبية، من وجود الجنة وعذاب القبر والملائكة، وغيرها من الغيبيّات التي هي من صُلب المعتقد
الأدلة الشرعيّة
نستطيع أن نتتبّع الأدلة على وجود الجن بالتطواف في نصوص القرآن المبين، واستعراض أقوال النبي الأمين، مع الإشارة إلى ما يتعلّق بها من الإجماع، وهذا هو الاستعراض السريع لأصناف الأدلّة الشرعيّة في هذا الصدد
*القرآن الكريم:
يتجلّى لنا ذكر الجن في العديد من النصوص القرآنية حتى بلغت ما يُقارب أربعين موضعاً من كتاب الله تعالى، بل تناولت سورةٌ كاملة أحوالهم وحديثهم سُمّيتْ باسمهم: (سورة الجن)، وكانت أوّل آية فيها: {قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا} الجن:1)
وتذكّرنا كثيرٌ من الآيات باشتراكهم مع عالم الإنس في أصل التكليف، من مثل قوله تعالى: {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم} (الأنعام:130)، واشتراكهم في الجزاء الأخروي بحسب أعمالهم، نجد ذلك في قوله سبحانه: {قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار} الأعراف:38)
واستعرضت سورة الجن بالكامل أحوالهم المتعدّدة، وطرفاً من أخبارهم مع الوحي، وموقفهم من رسالة الإسلام، وافتراق طوائفهم وتنوّعها، وتعظيم مؤمنيهم لله سبحانه وتنزيههم له عن الصاحبة والولد، إلى غير ذلك من الأمور
والقصدُ هنا التنبيه على أن ذكر الجن والتفصيل بأحوالهم على نحوٍ واضحٍ لا لبسَ فيه، لا يدعُ لأحدٍ مجالاً أن يُنكر وجودهم أو يحرّف معاني الآيات الدالة عليهم.
*السنة النبويّة:
نستطيع أن نقول: إن قضيّة وجود الجن هي من قبيل التواتر المعنوي؛ فإن ذكرهم قد ورد في العديد من الأحاديث الصحيحة الصريحة في مواطن متعددة وبسياقات متنوّعة مما يُثبت وجودهم ويردّ على جماعة المُنكرين, والأحاديث في وجودهم لا تُحصى، بل تملأ مصنّفاً مستقلاً، نجد فيها: ذكر أصل خِلْقتهم: (خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم) متفق عليه، وبيان طعامهم: (هما من طعام الجن –يعني العظم والروثة-، وإنه أتاني وفد جن نصيبين، ونعم الجن، فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم، ولا بروثة إلا وجدوا عليها طعاما) رواه البخاري، وأنهم يتراحمون: (إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على ولدها) رواه مسلم، وغير ذلك من أحوالهم
وأخيرا" اتمنى أن تراجع نفسك كثيرا" حينما تبحث في أمور الغيبيات في معتقدات ديننا الإسلامي وأن لا تترك ثغرة يستغلها اصحاب الديانات السماوية الأخرى وذوو الديانات الأرضية في تشويه الإسلام
فالإسلام لم يقدم من الغيبيات سوى القليل كالبعث والحساب والجزاء، وهي أمور ليس في قدرة الفلسفة التوصل إليها، فالفلسفة (كما ذكرت في المقال السابق) هي مجرد وجهات نظر لم تفلح منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام في تقديم حقيقة علمية واحدة.
خليل الحسن
31 مارس 2016
**
ثانيا - تعقيب حمزة رستناوي
الصديق خليل الحسن ..لم أفاجأ كثيرا بمضمون رسالتك.. لكونها تعكس خطابا سائدا في مجتمعاتنا العربية الاسلامية.. ألفتُ التعامل معه و بشكل شبه يومي. و أشكرك على بقيّة الودّ التي أبقيتَها في الرسالة, مقارنة بما يصلني من شتائم و انفراط عقد صداقات قديمة.
سأعرض الآن لنقد العدد من النقاط التي أثارتها رسالتك:
أ-لا يوجد قطيعة ثقافية, اجتماعية / عقائدية ما بين الاسلام و ما اصطلح على تسميته بالعصر الجاهلي, ومن الشائع في التاريخ أنّ الموالين لكل عقيدة جديدة يحاولون تقليل فضائل و صلات المرحلة السابقة لها, و يحاولون اعلاء شأن عقيدتهم و طرحها كاستثناء تاريخي , و كبديل جديد و شامل لما سبق. إذا كان انكار الاسلام للأصنام الحجرية بسبب كونها لا تفيد و لا تنفع من دون الله, و اذا كان الوثنيون المعاصرون للنبي محمد و بنصّ القرآن الكريم نفسه يؤمنون بواحدية الله و لكنهم يعتقدون في الاصنام كوسائط و وسائل تقرّب من الله " وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرّ.. " الزمر 38


حسنا ما هي وظيفة الحجر الاسود و تقبيله اذا لم يكن كواسطة و وسيلة تقرّب من الله تعالى! أليس المسلم الذي يقبّل الحجر الاسود يقوم بذلك تأسّيا بالنبي و احتسابا للأجر و الحسنات ! كثير من الروايات المنسوبة للنبي الكريم تقول بأنّه حجر ذو فضل و أنّهُ من أحجار الجنّة و لا يمتُّ بصلة الى عالمنا الأرضي!
" إن مسح الحجر الأسود والركن اليماني يحطان الخطايا حطاً " رواه أحمد وصححه الألباني.
عن ابن عباس "نزل الحجر الأسود من الجنة، وهو أشد بياضاً من اللبن، فسودته خطايا بني آدم" رواه الترمذي.
ثمّ ما وظيفة الكعبة - هيكل حجري مكعّب – و الطواف حولها اذا لم تكن كعبادة و وسيلة تقرّب من الله! إذن فالمبدأ واحد. صحيح أنّهُ و مع ظهور الاسلام طرأت تعديلات على طقوس الحج الوثني باتجاه توحيدي و باتجاه تأكيد المساواة الانسانية ما بين الحجيج كالغاء استثناء قريس بما يُسمّى بالحمس مثلا . .و لكنّ طقوس الحجّ الاسلامي بمجملها هي استمرار لطقوس الحج الوثني . عادة ما يؤكّد المسلمون على أنّ النبي محمد أعاد طقوس الحج الى سيرتها التوحيدية الاولى زمن النبي ابراهيم, و لكنّ هذا لا يغير في توصيف الحالة من جهة الاستمرارية الثقافية الاجتماعية العقائدية , و كذلك من جهة تضمين كتل حجرية مخصوصة الشكل و المكان و التسمية في طقوس عبادة الحجّ بما يفيد الوسيلة و التقرّب الى الله سبحانه.
ب-استخدام مصطلح ( حقائق غيبية ) بحدّ ذاته اشكالية, فكيف تكون حقائقا و كيف تكون غيبية؟! الحقيقة تعريفا هي موضوعيّة و ليستْ شخصيّة ذاتيّة , و الحقيقة تعريفا تكون برهانية تجريبية يمكن التحقّق منها, و بهذا المعنى ليس الجنّ أو الملائكة بحقيقة ! بل هي معتقدات ايمانية , و إنّ تقدَّيم المعتقدات الايمانية على أنّها ( حقائق علمية ) هو مغالطة علمية , و اساءة استخدام للمعتقدات والنصوص الدينية المقدّسة, و هو يؤسس للعنصريّة من جهة اعتبار الايمان الديني الفئوي لجماعة مخصوصة من البشر مُلزم بقوة العلم لكلّ البشر! و هذا اضطراب في فهم الدين كمرجعيّة فئوية تقوم على الحرية بما يتضمّن الغيبيات. ..القرآن الكريم كتاب عقيدة و ليس كتاب علم, و في هذا احترام و تقدير للقرآن الكريم و ليس العكس كما يظنّ دعاة الاعجاز العلمي ..و ما يُسمّى بالحقائق الغيبية !!
ت-لا ينبغي ان يكون انكار وجود الجنّ هو موضوع نقاشنا, لأنّ الاصل هو الاثبات و ليس الانكار, و من يقول بوجود الجنّ يقع عليه عبء الاثبات, و أمّا المرويات القرآنية و المنسوبة للنبي الكريم فهي قناعة خاصّه بالمؤمنين و ليست بدليل علمي تجريبي مُلزم لعامة الناس عبر العصور و المجتمعات.
ث-المنهج التجريبي ليس كفرا , بل هو سنّة الله تعالى في العِلم و العالم , و بفضله أنت تستخدم الجوال و تكتب على صفحة الفيسبوك و ترسل لي الرسالة اعلاه, و بفضله يركب دعاة السلفية الجهادية السيارات و يستخدمون الرشاش في قتال من يُسمّنونهم بالكفّار!
ج- لا انكر عليك أو على غيرك معتقد الجنّ و عذاب القبر و لكنّ ينبغي ان تعلم أنّه ايمان خاص , و لا يجوز لك أو لي الزام الآخرين به أو لومهم على رفض هكذا معتقدات غيبية! و ما تسمّيه ( بالعقيدة الراسخة الاصيلة ) التي توقن بها, هي شكل محدّد من اشكال العقيدة الاسلامية , و لا تمثّل كل المسلمين , هذا عداك عن عقائد المؤمنين بالديانات الابراهيمية التي تسمّيها بالسماوية ! صديقي إنّ العامل الأهمّ في يقينكَ ( بالعقيدة الاسلاميّة الراسخة الاصلية) هو كونك ولدتَ في عائلة مسلمة و ليس في عائلة يهودية مثلا ! و كونك عشتَ في بيئة مسلمة سنّية و ليس في شنغهاي و بيئة بوذية مثلا!
ح- الفلسفة ليستْ تهمة أو نقيصة , فقليل من الفلاسفة عبر التاريخ قَتَلَة و مجرمين لكون الفلسفة تقوم على الشكّ و التساؤل و الحكمة و التأمّل الداخلي! و لكنّ الكثير من المسلمين من أصحاب ( العقيدة الاسلامية الراسخة الأصيلة ) قتلوا أخوتهم المسلمين هذا عداك عن غير المسلمين , قتلوهم بدوافع شدّة الايمان و تحتْ مُسمّى التكفير و حد الردة ! 1400 عام من الصراع السني الشيعي ألا تكفي! و قتال داعش و النصرة ليس ببعيد! و كلاهما يمتلك عقيدة راسخة و يسعى كما يقولان ( لتحكيم شرع الله في الناس)!
خ-الصديق خليل أتظنّ بأنّي لم أطّلع على القرآن و سورة الجنّ و الأحاديث المنسوبة الى النبي بخصوص الجنّ ؟ و أنا الذي ختمت القرآن مرارا في عهد طفولتي! إنّ ايمان المسلم بالجنّ كحقائق تجريبية واقعة , ينمّي عزلته عن عصره و علوم عصره, و يجعله أكثر عرضة لتقبّل التصورات السحرية عن العالم و الفكر المستقيلْ , بما قد يصل أحيانا الى نحر نفسه و أهله طمعا بالحور العين !. كان الجنّ جزءا من ثقافة العالم في القرن السابع الميلادي, وكانت قصص الجنّ حاضرة في مجتمع الجزيرة العربية إبان عصر النبوة, و قد وجدتْ أخبارهم و مروياتهم في القرآن الكريم و مجموعة المرويات النبوية, ربطا بثقافة ذلك العصر , فلا يمكن عزل النصوص المقدسة - وغير المقدسة - عن أبعادها الزمنية التاريخية و المكانية الاجتماعية, لنتذكّر هنا أيضا الآيات القرآنية الخاصة بالعبيد و ما ملكتْ أيمانكم و نحوها, و كذلك آيات السبي و الجزية و نحوها من مصالح مضى عصرها. و قناعتي أنّ قصص الجنّ و مثيلاتها ليستْ هي الاساس في القرآن ,بل ينبغي تقديم قراءة حيوية معاصرة للقرآن الكريم تؤكّد على الجانب القيمي و الاخلاقي العام أكثر منه على الجانب التاريخي التفصيلي. يعتمد القرآن الكريم و غيره من كتب العقائد كثيرا على القصص كأسلوب لعرض الأفكار و الموعظة الحسنة لجماهير المؤمنين , و قد لا يكون برهان الحدوث الواقعي التاريخي هو الأولوية في هكذا مُقام, يمكن مراجعة كتاب " الفن القصصي في القرآن الكريم لمحمد أحمد خلف الله
ح- الغالبية العظمى من الآراء و النقاشات التي شاركتُ فيها من العالم الواقعي أو العالم الافتراضي حول موضوع الجنّ و ضرورة الفصل بين العلم والدين كانت تؤكّد على نقطتين. الأولى - أنّ هذه الآراء هي بمثابة تشويه و هجوم على الاسلام , و فتح ثغرة للخصوم و الاعداء أي بمثابة خيانة لقبيلة الاسلام ! و هذا يعكس ضعف ثقافة الاختلاف و المزاج الاتهامي في الثقافة العربية الاسلامية الراهنة.
الثانية- الانتقال من حوار الافكار, الى الجانب الشخصي , و تحوُّل الحوار الى محضر اتّهام, بما يشبه جلسة تحقيق و تفتيش في معتقداتي الخاصة, فإذا كان المُحاور صديقا أو طيب القلب كمحاوري خليل الحسن ينتهي الامر بدعاءٍ لك بالهداية ( اتمنى أن تراجع نفسك كثيرا )!
أما اذا كان المحاور عقائديا مُغلق الافق متحمّسا فلن يطول به الأمر لتقرير كوني من الملحدين أو الكافرين و أستوجب القتل شرعا بتُهمة الردّة!
في هكذا مناخات مغلقة ..سيتجنّب الكثير من الناس أي نقاش في قضايا العقائد و الدين , تجنّبا للمشاكل و حفاظا على كرامتهم و حياتهم. و هذا ما سيعزز القمع الفكري ..وتأجيل استحقاقات ثورة عقائدية حيوية تحتاجها المجتمعات العربية الاسلامية لدخول العصر , و لوقف سياسات الانتحار الذاتي, عن سبق اصرار وجهل !
صديقي خليل الحسن أتمنّى أن ننتقل من موقف الحارس أو المدافع عن العقيدة, الى موقف المتفكرّ والمتبصّر في الحياة و العقائد بما ايجاد القواسم الانسانية المشتركة ما بين العقيدة الاسلامية و غيرها من العقائد الدينية و حتّى غير الدينية.
مع المودّة

9 نيسان 2016