9نيسان من إعلان للحرية إلى إعلان الحرب العالمية الثالثة

كامل الدلفي
2016 / 4 / 9

الى الدكتور احمد الجلبي ذكرى يوم ليس كالايام

ان اغلب مراكز البحوث السياسية تصنف الحدث الخطير الذي شهدته بغداد في اليوم التاسع من نيسان من العام٢-;-٠-;-0٣-;-، وتم بموجبه إسقاط نظام صدام حسين ، على انه نتيجة ثانية لإحداث الحادي عشر من سبتمبر٢-;-٠-;-11، بعد إسقاط نظام طالبان في أفغانستان.
هذا الانطباع لا يمتلك الحقيقة كاملة، لان تاريخ العلاقات الدولية المعاصر يسجل بوضوح ان قرار تحرير العراق أصدرته الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس الأميركي بل كلنتون في العام 1998 تتويجا للجهود الخارقة التي بذلها السياسي العراقي المعارض الدكتور احمد الجلبي رحمه الله.
لا يمكن أن نخرج بتحليل دقيق ومطابق للواقع العراقي من دون ان نستعين بمقاربات منهاجية للتاريخ العراقي مطابقة لمنهج وطني في كتابة التاريخ يتجاوز المنهج التاريخي القومي العربي والمنهج التاريخي الإسلامي باعتبارهما منهجين عابرين للمحلية العراقية -.
ان 9-4- ٢-;-٠-;-0٣-;- هي رد عراقي لنفي تواريخٍ مضادة رسمت رحلة القطيعة بين هوية العراقي وتاريخه الحضاري قبل الغزو.فهي نفي لما حل ببابل في العام 539 ق.م على يد كورش ونفي لما حل ببغداد في العام 1٢-;-58 م على يد المغول .وهي نفي لسيطرة نظام المركزية التقليدية الطويل العهد الذي عمل على تغييب الهوية العراقية في داخل الذات العراقية وقطع خطوط اتصالها مع وجودها التاريخي المضيء.
هنا نعتبر أن هذا اليوم هو إجراء وجودي لنفي سيطرة الآخر و القبض على لحظة حرية هاربة.
أن هذه اللحظة أطلقت ثلاثة مستويات وجودية في صراع الهوية وهي:-
1- نظام المركزية الأوروبية (الرأسمالية المتوحشة)
2- نظام المركزية التقليدية ( الشرق أوسطية)
3- الهوية العراقية الموحدة (حاضرا وماضيا)

فالغزو الجزري الذي ابتدأ بمسمى الفتح الإسلامي ،لم يزل يرى في العراق ثروته وخزانته وحديقته ، وان العراق هو رأس العروبة وهامة الإسلام وان الفاتحين هم الصحابة المقدسين مع كل ما فعلوه على هذه الأرض من استباحات وسرقات وقتل وجرائم ، وان كل عراقي معارض لهذا الاعتقاد إنما هو شعوبي وليس بمسلم ولا عربي ، وابتدأ منهج التهميش و الإقصاء والمحو لكل أثر عراقي حتى صارت الإمبراطورية الرافدينية العظمى مجرد قطر عربي يتساوى بالصومال وجيبوتي وموريتانيا وقطر وبقية أعضاء الجامعة العربية.
لهذا خرجت كل أسلحة الدهاء البطرياركي للمنظومة العجوز بوجه هذه اللحظة الجديدة وعملت على تغيير مسارها خوفا من حدوث أي احتمال ليقظة عراقية خارجة عن إرادتها .
فبعد ان امتصت صدمتها المذهلة بسقوط سيفها (نظام صدام) من يدها ،استعادت دهائها بان وضعت قدمها على رأس العراق حتى تمنع ولادة حريته وتركت يديها للتعامل مع الغزو الأمريكي بين صراع ووفاق حسب مقتضيات الحاجة.ونجحت في تحويل لحظة البهجة العراقية إلى نقطة ظلام مركزة ، عبر خطوات هرمية تمزيقية تحفظ لسلطتها التاريخية هيبتها الغريزية وتحقق أهدافها . بينما فشلت الإدارة الأمريكية من التواصل مع برنامجها المعلن قبل إسقاط النظام وهو بناء العراق الديمقراطي الجديد بقيادة حكومة وطنية تمثل جميع الشعب العراقي ودعمها بوجه التحديات الإقليمية ، تخلى الأمريكان مباشرة عن هذا المشروع المتفق عليه مع قيادات وطنية عراقية وفي المقدمة منهم المرحوم الدكتور احمد الجلبي ، فأعلن الأمريكان قرارهم باحتلال العراق، بتصريح من مجلس الأمن الدولي القرار 1483/ ٢-;-٠-;-0٣-;-، كيف تحقق هذا الانقلاب؟ لقد وافقت الدول الاقليمية للعراق وجميع الدول العربية والاسلامية على قرار احتلال العراق من قبل الامريكان حتى ان بعض الدول الخليجية فاتحت الامريكان قبل اعلان الاحتلال وطلبت من الامريكان البقاء في العراق تحت ذريعة القلق من القوة العسكرية العراقية واستحضار تجربة احتلال العراق للكويت كباعث للقلق المستمر.وفي مذكراته يذكر بول بريمر ان هناك طلبات مشابهة قدمها له سياسيون عراقيون ينتمون الى المنظومة التقليدية ذاتها ( من العرب السنة) طالبوه فيها بقاء الجيش الامريكي طويلا بالعراق خوفا من التفرد الشيعي في السلطة.
ماذا كان وراء إعلان الاحتلال؟
يكمن وراء ذلك هو رغبة جامحة لتلطيخ لحظة الحرية بوحل العمالة للمحتل ،بما يمثل إيقاظ العداء المحلي ضد أي إجراء تغييري ديمقراطي جديد يؤمن بربط بلد ما بأسباب الحضارة العالمية ، فارتبطت أسماء قادة التجربة العراقية هذه بمصطلح الذين جاءت بهم الدبابات الأمريكية.ولكن لماذا وافق الطرف الأمريكي ،لا شك ان الرشوة وفتح آفاق رحبة للمصالح الامريكية في مساحات واسعة في الشرق الاوسط كانت كافية لتوفير القناعات بتغيير الرأي.
وقد تعاون الجناح المرتشي من الإدارة الأمريكية مع أساطين السلطة الهرمية التقليدية في الشرق الأوسط للعمل على إعادة المارد العراقي الى قمقمه التاريخي ، ففي لحظات حاسمة رأى النور بأم عينيه وتلمس الحرية واقعا ، فجاءت إجراءات هذا التحالف المدنس صاعقة لمسح أثر التغيير، انفتحت ابواب مؤسسات الدولة العراقية للنهب والسرقة والحرق ، وضعت نفائس وكنوز الاثار والثقافة تحت سلطة التهريب والبيع المباشر ،كان تخطيطا يهدف الى رسم صورة وضيعة عن لحظة التغيير ،وكسر ذمم واخلاق الانسان العراقي بما يقدمه كهمجي وبربري لا تليق به سوى الديكتاتورية، ومن ثم اتخذ القرار بحل الجيش العراقي كمقدمة لاعلان الفوضى العامة واطلاق مشروع الطائفية والمحاصصة ، واخيرا اتفق الطرفان على اعلان قرار الارهاب في العراق وصعود موجة العنف والعنف المتبادل .
قامت السلطة الابوية التقليدية في الشرق الاوسط بتوجيه عقوبة وجودية للعراق حين قرر في لحظته الثورية السامية في الخلاص من تاريخية الاحتلال المؤبد ، فتجلت تلك العقوبة في نهر من الدماء لم يجف حتى هذه الساعة ،وفي فشل ذريع بادارة الدولة العراقية ،فبدلا من ان تجد الديمقراطية ديمقراطيين يتمثلون مفاهيمها وجدت ديماغوجيين عرفوا كيف يمسكوا بزمام الانتخابات كحصان يصل بهم الى السلطة كل اربعة اعوام وهم يطلقون اكبر موجة فساد في التاريخ البشري من دون خجل او ضمير،تحول العراق على ايديهم الى ميدان للصراع المذهبي والطائفي والعرقي ولاحتدام الحروب بين المكونات، عراق تتضاءل قوته وسيادته وقدرته على الاعتماد على ذاته فهو ميدان واسع للتدخل الأجنبي المستمر.
ان نجاح العقوبة الشرق أوسطية للعراق تجلت في سرقة فرصته في القبض على الحرية الهاربة منه قرونا ،لكن ان العقوبة تعدت جسد العراق لتصل الى جميع الشرق الأوسط ( الربيع العربي) وجميع دول العالم لتبدأ على هذه الأرض الحرب العالمية الثالثة.