إطلالة تاريخية؛ روسيا من الأرثوذكسية إلى البرجماتية

ناظم الديراوي
2016 / 4 / 6

إطلالة تاريخية؛
روسيا من الأرثوذكسية إلى البرجماتية*
ناظم الديراوي
يعود ظهور أول كيان روسي موحد على أراضي روسيا وأوكرانيا المعاصرتين إلى عام (882 م)، حين ألحق الأمير أوليغ (ت؛عام- 912 م) عاهل مدينة نوفغورود الواقعة شمال غرب روس، مدينة كييف بأملاك إمارته المتطلعة إلى جني الإتاوات، وضم الأراضي المجاورة لبلاده والتمدد جنوباً والتخوم على شواطئ المياه الدافئة.
روايات روس الغابرة تنعت الأمير أوليغ بصفة موسع أراضي إمارة الروسيين القدامى وموحدها، منذ أن فتح كييف دون حرب أو مقاومة تذكر من أهالي المدينة، بعد أن تمكن، وبحلية ذكية، من القضاء على حاكمي المدينة أسكولد ودير، واتخذها عاصمة لدولته الناهضة الموحدة للتو (كييفسكايا روس).
كييف، المدينة المطلة على نهر الدنيبر الهادر، ذات مناخ معتدل بالمقارنة مع شمال غرب البلاد، وموقع جغرافي هام، إلى الجنوب من إمارة نوفغورود الروسية، وفيها تجارة نشطة، وعبرها تمر مسالك برية ونهرية بين إمارتي روس والبلدان المحيطة بالبحار الثلاث، التي هي اليوم أهم المنافذ الحيوية لروسيا إلى بلدان القفقاز وتركيا والشرق العربي وإيران. نقصد البحر الأسود وبحر أزوف وبحر قزوين (الخزر)، الأبعد كثيراَ عن كييف من البحرين الأولين، حيث يمكن بلوغهما عبر نهر الدنيبر أو الأسفار براً. بحر قزوين غني بثروات الأسماك و(الكوفيار) والنفط والغاز ومواد ثمينة، لم تحسم، بشكل نهائي، حصص الدول الخمس المطلة عليه؛ (روسيا، إيران، كازاخستان، أذربيجان وتركمستان)، الأمر الذي يسيل لعاب أمريكا ودول أوروبية لا تتوانى عن دس أنفها في ثروات وأملاك، بل وعقائد وأعراف الآخرين، وإن أدى ذلك إلى تأجيج النزاعات مع كل اكتشاف جديد لموارد الطاقة!.
إغراءات القسطنطينية
توصف المصادر القديمة الأمير أوليغ بطبعه الحاد والحازم في إدارة أعمال الإمارة والطموح الشديد في توسيعها. فما أن وطّد حكمه في العاصمة الجديدة حتى بات يرنو بنظره إلى ما هو أبعد من بلاد الروسيين وغاباتها الكثيفة وسهولها المديدة، يرنو إلى حيث تراكمت الثروات على مدى القرون، إلى ممتلكات ستارغراد (القسطنطينية) عاصمة إمبراطورية بيزنطة العريقة، التي أغرت ديانتها الأرثوذكسية بعد نحو مائة عام أهالي روس وأميرها العظيم فلاديمير، الذي حكم البلاد في الفترة (980-1015)، واتخذ هذه الديانة عقيدة لبلاده، وبهذا نقلها من دياجير الوثنية إلى نور الله وتقواه. لتصبح موسكو، بعد خمسة قرون ونصف روما الثالثة، مركز الأرثوذكسية العالمي وراعية لها إلى اليوم، بعد سقوط القسطنطينية وانهيار الإمبراطورية البيزنطية على يد السلطان العثماني محمد الفاتح عام (1453) واتخاذها عاصمة للدولة العثمانية الإسلامية إلى حين انهيار الخلافة في عهد السلطان عبد الحميد الثاني في أعقاب هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى، وسيطرة كمال أتاتورك، الشخصية المثيرة للجدل في تاريخ تركيا الحديث، وحزبه على الحكم وبما تبقى من أراضي وممتلكات الإمبراطورية المفككة وفق اتفاق سايكس- بيكو.
بيزنطة وارثة روما الجبارة، ذات الأملاك الباذخة والمراسيم الملكية الفاخرة والطقوس الدينية المُبجلة، والمنافذ البحرية المشرفة على حركة الملاحة والتجارة والأساطيل بين الشرق الإسلامي ممثلاً بدولة الخلافة العباسية والأندلس الإسلامي من جهة والغرب النصراني وروس الوثنية ومملكة الخزر اليهودية من جهات أخرى. تلك الإمبراطورية الأرثوذكسية العتيدة، التي أخذ الهرم يدب في نسيج جسمها المترهل مترامي الأطراف، غدت موطن إغراء دولة الخلافة العربية الإسلامية، وممالك تربض على تخومها وتتربص بها وبرابرة يتصيدون ما ضعف وأهمل من أملاكها.
وليس مصادفة إن تتواصل لأكثر من نصف قرن المفاوضات بين رؤساء الكنائس الأرثوذكسية في أكثر من عشرين دولة، لإعادة إحياء المجمع الكنسي الأرثوذكسي بعد أن تم إلغاءه منذ مئات السنيين. وليس لدي أدنى شك أن أثره في الديانات والسياسة الدولية المعاصرة سيغدو عظيماً وسيسلك نهجاً جديداً غير ذاك الذي ألفه ألشرق الإسلامي تاريخياً من بيع أحبار اليهود ومجامع الكاثوليك والبروتستان (المحتجين) الغربيين الذين ناصروا الحملات الصليبية والحروب الاستعمارية وجهزوا وموّنوا المبشرين المناهضين للإسلام عقيدة ونظام حياة.
ولعل الاتفاق المبدئي التاريخي الذي تم التوصل إليه مؤخراً في اسطنبول (القسطنطينية) لتوحيد أتباع الكنائس الأرثوذكسية على مختلف مشاربهم القومية والمذهبية في الشرق والغرب في مجمع كنسي واحد يشرف على شؤون الأرثوذكس الدينية في أوطانهم ويحافظ على دور العبادة ويدير العلاقات مع أتباع الديانات السماوية، يعيد إلى الأذهان رسالة موسكو الروحية والخيرية باعتبارها روما الثالثة في عصرنا الجديد أيضاً. تلك الرسالة القديمة التي يمكن تتبع حبلها منذ عهد أمير (كييفسكايا روس)، فلاديمير، الذي لم يقنعه اليهود بأحقية دينهم، وهو العارف بخذلانهم أنبيائهم واضطهادهم وقتل بعضهم ونكرانهم لإلوهية الأديان الأخرى وغضب الله عليهم، ورغم اعترافه للمسلمين بعدالة دينهم غير أنّه، كما تروي الإخباريات، لم يكن مستعداً لاعتناق هذا الدين وإجبار رعايا إمارته، الذين تبنى جماعات منهم الأرثوذكسية البيزنطية قبل عقود وظلت الغالبية المطلقة وثنية الديانة، على الامتناع عن عادة لا زالت تشكل جزءاً هاماً من ثقافته الاجتماعية ومراسيم الأعياد والأعراس والمآتم إلى اليوم. ومن غير الممكن تصور حياة المجتمع الروسي وطقوسه الدينية والدنيوية دونها، بل تراها شاخصة في النتاج الأدبي والفني على مر العصور.
الأمير ويد القِِسِّيس
والذي عجل في اعتناق الأمير الروسي الأرثوذكسية هو احتلاله لمدينة هيرسون اليونانية في شبه جزيرة القرم ذات الديانة الأرثوذكسية، وبعثه رُسل إلى إمبراطور بيزنطة يطلب منه الموافقة على رغبته (الأمير فلاديمير) في الزواج من أخت الإمبراطور الأميرة أَنّا، وإلا في حال الرفض سيحتل القسطنطينية التي كانت تشهد يومها تمرداً. ولم يكن بوسع الإمبراطور فاسيلي قسطنطين أن يرفض طلب الأمير الطموح على أمل أن يلقى الدعم منه. وقبيل الزفاف أقنعته الأميرة أَنّا أن يشهر اعتناقه الأرثوذكسية وهذا ما تم فعلاً، لاسيما وأن الأمير كان يعاني من مرض في عينيه. ويومئذ حصلت أعجوبة عندما مست يدا القِسِّيس الأرثوذكسي يدي الأمير ولحظتها شعر بنبض الإيمان يدب في روحه وجسده، ومثله شعر النبلاء الذين رافقوه في حملته. بعدها عاد الأمير إلى إمارة كييف ليُهدي شعبه إلى الديانة الأرثوذكسية، وحينها تم تعميد كييف يوم (1-8-988). غير أنَّ أهالي نوفغورود انتفضوا ورفضوا التخلي عن دين أبائهم الوثني مما اضطر عاهل روس أن يجهز حملة بقيادة عمه دوبرينا الذي دخل المدينة وتدريجياً جرى تعميد نوفغورود وختم في سبتمبر عام (990 م). ويعكس المثل الروسي؛ " بوتياتا عَمَّدَ (أهالي نوفغورود) بالسيف ودوبرينيا بالنار" كيف تم تعميد كييفسكايا روس.
الأسطول والجيش حليفا روسيا
وما من شك أن تلك الرسالة اتسعت، وبعمق أكثر اليوم، في ظل تفاعل وتعقد المصالح والأقوام والثقافات العقائد في هذه البلاد المترامية الأطراف، برعاية بطريرك عموم روسيا، المجتهد دينياً والمحنك في قضايا العلاقات السياسية والدولية وكواليسها، المُسند بقوة مِمْن يسميه الغرب والشرق قيصر روسيا الجديد فلاديمير، الشديد الولاء لوطنه وأمته ودينه، صاحب الشعبية الكبيرة في البلاد، (حبيب روسيا الجديد). المؤمن بالأُطروحة القديمة؛ إنْ أردت العيش بسلام عليك أن تتهيأ للحرب. وواضح أنَّ منهجه لبلوغ هذا الهدف هو (البراجماتية الواقعية) المُعْتمدة على الدفاع القوي والأساطيل الرادعة والاقتصاد المكين. وكأنه يطبق مقولة القيصر الروسي الكسندر الثالث؛ ( لروسيا حليفان هما الأسطول والجيش). وربما هذا ما كان قابعاً دائماً في قرارة نفوس أمراء وقياصرة روسيا، القديمة والحديثة، وهم يخوضون معارك توسيع إمبراطوريتهم التي تشغل اليوم نحو سبع مساحة المعمورة. وليس من شك أن روسيا الفيدرالية لها ما تتعلمه وتستثمره من خصال أولئك الرجال العظام في تاريخها المديد، في ظل تصاعد نزعة الوطنية، التي حسب الكثير أنها اضمحلت في روح وعقول أهالي روسيا الجديدة، غير أن أزمة القرم أتتنا بغير ذلك، وأكدت أن نور تلك الشكيمة الروسية لم يهفت بعد، رغم تعاقب الدهور. وكأن هؤلاء القوم يبعثون في كل عصر من ينهض ببلادهم من جديد كلما زادت المخاطر على بلاط وحواضر وسهوب دولتهم، التي تغتسل أطرافها اليوم بالمحيط الهادي والبحر الأسود وقزوين والبلطيق وبحر الشمال وخليج فنلندا وغيرها الكثير.
أجل، لساسة روسيا اليوم ما يسندهم في أعمال قادة بلادهم العظام، منذ إمارات أوليغ وفلاديمير والكسندر نيفيسكي، وممالك إيفان الثالث وإيفان الرهيب (إيفان الرابع) وبوريس غودونوف، وإمبراطورية بطرس الكبير باني روسيا الحديثة، وحروب يكاترينا الثانية التوسعية، وانتصارات الكسندر الأول وهزيمته نابليون، وسماحة الكسندر الثاني وإلغاء نظام القنانة، ومرونة نيقولاي الثاني ضحية الحماس الثوري وجشع اليهود وخداع الغرب، وظاهرة لينين واختلاط الفكر الثوري بمطامع منافسي القيصرية الروسية، وهيبة ستالين وحزمه، وتمازج عظمة الشرق بالإرث الإمبراطوري الروسي المدار بأيديولوجية ثورية.، وترى بوتين، اليوم، مستغرقاً في فكرة بعث روسيا حاملة إرث الأرثوذكسية والأمراء العظام والقيصرية ذات التقاليد الإمبراطورية، والإتحاد السوفييتي وتغيير طبيعة التاريخ الحديث وإلهام الشعوب وغزو السماء والغوص في أعماق المحيطات..،
بلا شك، أن وضع روسيا اليوم أفضل بكثير من جوارها ودول أوروبا، ربما باستثناء ألمانيا ذات الاقتصاد المكين، ولاسيما بعد حسم مسألة القرم لصالح الروس، وظهور معضلات جديدة في السياسة الدولية ستغير حتماً صورة أوروبا من قارة يتحكم في حركتها منذ أربعة عقود الثنائي الفرنسي- الألماني المُقاد أمريكياً إلى قارة يعتمد مصيرها على طبيعة العلاقة المتكافلة بين روسيا وألمانيا. وربما سيكون مستقبل أوكرانيا مرتبطاً بنفوذ هاتين الدولتين العملاقتين، اللتين لهما من التاريخ المأساوي المشترك، الذي ما زالت أثاره حية في بيوت وحارات ومدن وسهول البلدين، وضحايا الحرب العالمية الثانية وأبطالها وشواهدها التي تدمي القلوب، والمصالح المتداخلة ومسؤولية الحفاظ على الأمن والاستقرار في بيتهم الأوروبي، الذي هو اليوم بحاجة ماسة إلى إعادة ترميه، وربما تحديد مكانة وصلاحيات نزلائه.
* هذا المقال كُتب قبل سنتين، إبان اندلاع الأزمة الأوكرانية وفرض عقوبات على روسيا الفيدرالية، ولم نجر عليه أيّ تغيير.