محطات وشخوص في حياة الدكتور خليل عبد العزيز 5

فرات المحسن
2016 / 4 / 6



آلما آتا المحطة الأولى لمهرجان الفارابي

في حقيقة الآمر فإن السيد صالح مهدي عماش كان قد قدم نفسه إلى المجتمع الروسي كونه أديبا أكثر مما هو دبلوماسيا وسفيرا لبلاده، فكان يحبذ دائما الاختلاط بجمهرة الأدباء السوفييت ويدخل معهم في نقاشات كثيرة حول الأدب والشعر. وعندما بدأنا الإعداد لمهرجان الفارابي، نشط عماش وكان فاعلا وايجابيا، ويذهب بعيدا في نقاشاته وأسئلته ويحاول معرفة المعلومة الدقيقة عن المهرجان، إن كان ذلك أثناء علاقة التحضير للمهرجان مع معهد الاستشراق في بادئ الآمر، أو مع أكاديمية العلوم السوفيتية التي تبنت لاحقا وبشكل كامل التحضير والإعداد للمهرجان.وقاد السيد عماش الوفد العراقي الذي حضر المهرجان الذي جرى في آلما آتا عاصمة جمهورية كازاخستان السوفيتية .
ففي احد الأيام أتصل صالح مهدي عماش بمعهد الاستشراق طالبا لقاءا مستعجلا مع مدير المعهد السيد غفوروف، وحين جاء دخل غرفة المدير وتحدث بعجالة وقوة مشيرا إلى كون شاه إيران يسعى لإقامة مهرجان بالذكرى الألفية للعالم والفيلسوف الفارابي، ويطلق عليه تسمية العالم الفارسي، وهذا لن نرتضيه ولن نوافق عليه فنحن أحق من غيرنا بهذا الرجل العالم وهو عالم عربي في كل الأحوال، لكون بحوثه باللغة العربية وليس بغيرها. ولن ندع شاه إيران يختطفه منا، ولذا أطلب من الجهات السوفيتية العمل على منع الشاه القيام بذلك وتبني موقف الجمهورية العراقية ومساعدتها على إقامة المهرجان الذي استعدت له وزارة الثقافة العراقية . وعرض عماش على غفوروف تسهيلات كثيرة في حالة تقديم السوفيت المساعدة على إقامة المهرجان، وقدم عدة مقترحات منها توفير خط طيران خاص لنقل أي وفد سوفيتي وأجنبي يرغب المشاركة في المهرجان، وأية تسهيلات ومطالب أخرى يرغب بها أو يقدمها الجانب السوفيتي، بشرط أن يقام المهرجان في بغداد وباسم العراق وبمشاركة واسعة للاتحاد السوفيتي .وقدم اقتراح بأن من المناسب أن يعقد المهرجان وبنفس التوقيت في بغداد وأيضا في موسكو دون غيرهما. ولكن غفوروف استغل طبيعة طرح صالح عماش فأضاف على المقترح شرط أخر بقوله بأن المهرجان سوف يعقد في بغداد وموسكو وآلماتا عاصمة كازاخستان وتحت اسم الفارابي فيلسوف الشرق. وأضاف بأن المسألة تحتاج لموافقة اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي. وجاءت الموافقة بعد ذلك بما أملاه السيد غفوروف.
لم تكن هناك أية لقاءات بمعنى مفاوضات بين الجانب العراقي والسوفيتي الذي مثلته حين ذهبت إلى بغداد، وحين عدت إلى موسكو، ومن ثم عند قدوم الوفد العراقي إلى آلما آتا ، فالوفد العراقي الذي ترأسه صالح مهدي عماش وعضوية الشاعر محمد جميل شلش والروائي عبد الرحمن مجيد الربيعي، كان قد وجد كل شيء جاهزا ومعدا من قبل السوفييت، لذا قدم موافقته كاملة على جميع ما عرض عليه ، وهذا ما أخبرني به السيد محمد جميل شلش وأعتبر إن حضوره وباقي الوفد ليس سوى تنفيذ لبروتوكولات رسمية ليس إلا.
ترأس الوفد العراقي السفير السيد صالح مهدي عماش وقد أستقبل بشكل رسمي في المطار من قبل الدبلوماسيين الكازاخستانيين ونقل الوفد إلى الفندق حسب البروتوكولات المعدة. ولم يمض على وجود الوفد في الفندق سوى وقت قصير حين جاء من يخبرني بأن السيد صالح مهدي عماش يبحث عني، فدهشت لذلك، وذهبت حيث غرفته فوجدته وسط الممر مرتبكا متوترا، وفاجأني بسؤال غريب ، خليل من أكون أنا ، فأجبته بأنك رئيس الوفد العراقي لمهرجان الفارابي فقال ، حسنا تعال معي حيث الغرفة، فذهبنا سوية ودخلنا الغرفة، عندها قال بعتاب ظاهر هل من المعقول ذلك، أنا رئيس وفد العراق يضعوني في هذه الغرفة الضيقة، أيعقل هذا. كانت الغرفة عادية في كل شيء مثل باقي غرف الفندق، لذا قلت له لا أعتقد أن الغرفة ذات أهمية، فنحن لن نبقى في الفندق سوى ثلاثة أيام، فقال بعصبيته المعهودة، أنا رئيس وفد وسوف استقبل رؤساء وأعضاء وفود فكيف يتسنى لي استقبالهم في مثل هذه الغرفة. وأصر عماش على منحه غرفة خاصة تليق برئاسته لوفد العراق. شعرت بالإحراج والحيرة من أمري ولم أجد حلا لهذا سوى الذهاب إلى استعلامات الفندق والحديث معهم في محاولة لاستبدال الغرفة بأخرى أوسع. ولكن استعلامات الفندق أخبروني بشكل جازم بأن أمر توزيع الضيوف على غرف الفندق لم يكن من اختصاص موظفي الفندق وإدارته، فهناك لجنة خاصة أشرفت على ذلك التوزيع. فسألتهم عن اللجنة وكيفية الوصل لها ومقابلتها فأنكروا معرفتهم باللجنة وطبيعة عملها.ذهبت أبحث عن السيد غفوروف لاستشارته ولعله يساعدني في حل هذا الإشكال. فوجدته قد ذهب لمقابلة رئيس جمهورية كازاخستان. فعدت أدراجي إلى غرفة صالح عماش فوجدته في حالة حنق وضجر وأصر على عدم بقاءه في هذه الغرفة وقال بأنه سوف يهبط إلى صالة الفندق ويجلس هناك حتى الصباح. ومع ما وجدته من إصرار قررت أن أخذه إلى غرفتي وأمنحه إياها، وبحماس وسرعة رفع حقيبته وجاء معي ليدخل غرفتي ويحتلها، وكانت الغرفة واسعة قدمت لي كوني عضوا في اللجنة التحضيرية للمهرجان.وبدوري انتقلت إلى غرفته راضيا بالذي فعلته.
صباح اليوم التالي وعند وقت الفطور جلست عند أحدى الطاولات أتناول فطوري وإذا بأحد الرجال يطلب مني المجيء معه ، فأخبرته بأني على استعداد لذلك، ولكن بعد إنهاء فطوري، ولكنه وبشكل آمر اخبرني بوجوب الذهاب معه الآن دون أبطاء ، عندها سألته من يكون وعن الجهة التي ينتمي لها فقال بلغة جافة، بأنه سوف يخبرني بذلك لو ذهبت معه الآن ودون تأخير لكون الآمر مهم جدا.ذهبت معه ودخلنا غرفة مجاورة لاستعلامات الفندق وكان هناك رجل يجلس خلف منضدة عريضة وجه لي كلامه بصيغة رفيق وطلب مني الجلوس. ثم بادرني بالكلام. رفيق هل أنت مخول بإبدال غرفة صالح مهدي عماش بغرفة منحت لك؟ ، فأجبته أعتقد ذلك فأنا حتما مخول بالغرفة التي منحت لي، فأجابني ، كلا يارفيق فنحن فقط المخولون فيما يجري ويحدث في الفندق ومنها التصرف بالغرف. وأنت لا تملك أي حق بمنح غرفتك إلى رئيس الوفد العراقي. فأجبته بأني عضو الوفد السوفيتي وكذلك لجنة التحضير للمهرجان وأعتقد بان ما قمت به لا يؤثر في طبيعة عمل اللجنة أو أعمال المهرجان. فقال الرجل كلا رفيقي وعليك أن تعلم بأن ما فعلته كان فيه الشيء الكثير من الإشكال لنا، وقد فاجأنا، وأنت في هذا قد ارتكبت خطأ كبيرا ، نرجو أن لا يتكرر مثله مستقبلا. وضع في بالك بأننا وحدنا من يشرف على ويدير مثل هذه الأمور في الفندق وأيضا في قاعة المهرجان. عندها سألته من أنتم فقال لي نحن دائرة الأمن، عندها قدمت اعتذاري عن الذي سببته وأضفت بأن تصرفي كان عاديا وأني مقتنع بأن ما فعلته لا يضر أحدا وكان تصرفا عاديا. فشكرني مبتسما .
خرجت من الغرفة منزعج ومتوتر وبالصدفة الغريبة قابلت السيد غفوروف في الممر الجانبي فبادرني دون مقدمات بالسؤال عن الذي جعلني أفعل مثل هذا الآمر. شعرت بأنه على علم بحيثيات الحدث، فأجبته بأني لم أفعل سوى ما ارتأيته مناسبا فصالح عماش رئيس وفد وسفير العراق واعتقد من المناسب معاملته بما يليق به وأن يحصل على غرفة تليق بمنصبه لذا تصرفت بما وجدته مناسبا ولم أفعل سوى منحه غرفتي ولم يكن هناك أمرا سيئا. فأخبرني غفوروف بأن ما فعلته كان خاطئا فرجال الأمن يضعون أجهزة تصنت وإرسال في غرف من يريدون مراقبتهم والتصنت عليهم وما فعلته أنت أفشل خططهم.ويأتي ذلك محاولة لمراقبة صالح عماش بسبب ما يقال عنه، فأخبرته بأن لا علم لي بكل هذا ، فأجابني بأن لا أقلق، فرجال الأمن سيفعلون ذات الشيء في غرفة عماش الجديدة أثناء انشغال الجميع بوقائع وأعمال المهرجان.
في نهاية اليوم الثاني من أعمال المهرجان قررت أكاديمية العلوم في جمهورية كازاخستان إقامة دعوة عشاء تكريما لرؤساء الوفود المشاركة وهم قادمون من أغلبية الدول العربية وإيران ومنظمة اليونسكو، وكنت أنا ضمن المدعوين كوني عضوا في اللجنة التحضيرية ولوجود وفود عربية أيضا. ومن غرائب الصدف أن يكون مقعد السيد صالح مهدي عماش جوار مقعد رئيسة الوفد الإيراني، وهي امرأة جميلة وقورة ووظيفتها الرسمية مديرة لمكتبة قصر شاه إيران، والمعروف عنها في الاتحاد السوفيتي بأنها تأتي إلى موسكو سنويا وتحمل معها مبالغ مالية كبيرة لغرض شراء ما يناسب من إصدارت في موسكو وأيضا في جمهوريات أسيا الوسطى السوفيتية ودائما ما كانت تلتقي بمدير معهد الاستشراق. وكانت تلك السيدة تتمتع بنباهة عالية وثقافة واسعة ومهنية ظاهرة وحين تتحدث في مجال السياسة لا تتعرض بالسوء لآي شخصية أو بلد وإنما تصوغ جملها بإتقان وحكمة وحنكة دبلوماسية .
في ذلك الحفل ألتكريمي جلست هذه المرأة جوار صالح مهدي عماش وجلس خلفهما سيدة أخرى وهي المترجمة. مع الطعام قدم الشراب لجميع الحضور ولكن رئيسة الوفد الإيراني امتنعت وأعلنت بأنها لا تتعاط الكحول وسوف تكتفي بكاس عصير. مضت ساعات وكان الضيوف في نقاشات وارتياح ظاهر، حين بدأت المترجمة خلف عماش تلوح لنا نحن أعضاء اللجنة وكأنها تستنجد بنا، وبعد برهة بدأت رئيسة الوفد الإيراني بالبكاء ثم وقفت وغادرت القاعة بعجالة ودون عودة، وعندما سألت المترجمة عن الذي حدث، أخبرتني بأن رئيسة الوفد الإيراني كانت تريد المغادرة لتذهب إلى المرافق الصحية ولكن رئيس الوفد العراقي كان يجبرها على البقاء، وبشكل غريب يلح عليها بأن تبقى جواره، ولم يكن ليستمع لأعذارها وتوسلاتها وطلبها المغادرة ولو لوقت قصير، لحين شعرت المرأة بتعرضها لضغط هائل من قبل عماش لذا بكت مما كانت تتعرض له. وكنت ارقب عماش فلاحظت التغيير الذي طرأ على سحنة وجهه حين غادرت السيدة مكانها. فقد بدا الضجر والنرفزة واضحين على تصرفاته.فقد كان مستمتعا بمجالسة المرأة وربما أعتقد بأن الحديث الطويل الذي دار بينهما سوف يكون بابا لاستدراجها وجعلها صيدا دسما ذلك المساء.
في اليوم التالي ذهبت إلى السيدة الإيرانية وقدمت لها اعتذارا باسم اللجنة التحضيرية للمهرجان وبينت لها إن ما حدث كان سلوكا شخصيا لا علاقة له بمجمل الأحداث الأخرى ولم يكن متعمدا وضع مقاعد الوفدين جوار بعض. وكانت تلك واحدة من نزوات مهدي صالح عماش.