المصريون وعلم نفس التحرر: أزمة الموضوعية والذاتية

حاتم الجوهرى
2016 / 4 / 4

فى واقع الأمر تنشأ لدى الشعوب التى تتعرض للقهر والاستبداد لفترات ممتدة من الزمن؛ منظومة قيم سلوكية تقوم على "التكيف"، والتنميط الإنسانى والاتباع والتقليد لـ "النمط السائد" أيا كان هذا النمط وشكله، كما تحضر الفردية و"المصلحة الفردية" وتغيب الجماعة والاهتمام بـ"المصلحة العامة".. حيث يتحول الإنسان فى هذا المجتمع لفكرة الدوافع الفردية والذاتية ويرتد لمرحلة الغرائزية البحتة على معظم المستويات، ويكتسب الفرد لامبالاة شديدة تجاه المصلحة العامة وفكرة الأخلاق والمثل العليا والمعايير الموضوعية والعلمية، ويختبأ وراء نمط سلوكى دفاعى شائع يختصر الاهتمام بالجماعة فى شعارات وأفكار أحادية مسطحة، يروجها "العقل الجمعى" الموروث والمتكيف كقيم مستقر عليها فى هذا المجتمع..
بحيث يتحول معظم أفراد هذا المجتمع والنمط السلوكى السائد عندهم، لفكرة الفردية والذاتية وشخصنة العلاقة العامة مع المجتمع، فكل فرد يتعامل معها وفق مصلحته ولا يعنيه منها سوى قدر ما يحقق ذاته ولو تعارض ذلك مع فكرة الخلاق والمثل!

علم نفس التحرر والبحث عن مخرج:
هنا عند دخول هذه المجتمعات لمرحلة التغيير الحقيقي والتحول القيمى، وعبور منظومة قيم الاستبداد والتكيف التاريخية.. تنشأ إشكالية ملحوظة؛ فيجد دعاة "التحرر" وبناء منظومة القيم الجديدة أنفسهم أمام إشكالية: الذاتية والموضوعية، التى استقرت عندها القيم السلوكية طويلا لأهل بلادهم، كما هو الحال فى الطبيعة التاريخية للمصريين. سيخبرنا علم "نفس التحرر" أنه عند محاولة تحرير المقهور من أثر الاستبداد والتنميط والخضوع لفترات طويلة موروثة من الاحتلال والقهر، من المفترض أن يمر الفرد المقهور و"المتكيف" بمرحلتين نفسيتين حتى يصل لنقطة "السواء النفسى" أو الأصح "التصالح مع النفس" و"الرضا عن الذات"..

مرحلة اكتشاف الذات:
المرحلة الأولى التى سيمر بها الشخص المقهور والمتكيف؛ هى "اكتشاف الذات" للمرة الأولى! فهذه الذات كانت تخضع للقهر والتنميط وفق "النمط السائد"، وكانت "تُكيف" من نفسها لتتحقق وفق متطلبات ذلك النمط السائد. أما عند "التحرر" من منظومة قيم القهر والتكيف، فستبدأ هذه الذات فى اكتشاف ميولها وطبائعها التى كانت مكبوتة ومُنمطة، وستحاول هذه الذات فى تلك الفترة أن "تؤكد على ذاتها"، وتسعى لمحاولة استكمال أركان ومتطلبات هذه الذات التى كانت مشوهة قبلا.. وهى مرحلة طبيعية من الناحية المنطقية والنفسية لأنه فى مرحلة القهر والتنميط ينتظم الجميع فى أشكال اجتماعية موحدة وقهرية، لا تسمح للتباينات والتمايزات الفردية بالظهور، وعند تحرر المجتمع من الطبيعى ان تبدأ هذه التباينات فى الظهور ويبدأ الأفراد فى اكتشاف ذواتهم للمرة الأولى.

مرحلة الموضوعية (المعيارية):
لكن ما يلى هذه المرحلة هو نقطة الحسم ومعيار الفرز؛ انتقال "الفرد المقهور" أو الأًصح "الفرد المحرر" من مرحلة "اكتشاف الذات" والتأكيد عليها إلى "مرحلة الموضوعية" أو "المعيارية" والتعامل مع الذات فى ظل علاقتها بمنظومة المجتمع الجديد ووفق قدراتها الحقيقية والواقعية.. وأزمة التغيير فى "مرحلة تحرير المقهور" أن بعض الشخصيات ستقف عند "المرحلة الأولى"، وتتعامل مع التغيير كمساحة للتطور الشخصى والفردى وتعزيز المكتسبات الفردية، بصياغة أخرى ستقف عند فكرة "الذاتية" والمصلحة الفردية القديمة، وسيصبح التغيير عندها مجرد وسيلة أو شكل خارجى لتبرير مصلحة فردية ليس إلا..
فى حين أن المهم ومعيار الفرز فى "علم نفس التحرر" هو ضرورة الانتقال للمرحلة التالية والعبور من الذاتى والشخصى إلى الموضوعى والمعيارى، والمقصود بذلك أن يبدأ الفرد فى إقامة علاقة مع ظروف المجتمع (وفق إمكانياته واختياراته الواقعية) ويشرع فى تطوير منظومة قيم أعلى تتحكم فى سلوكه ويخضع لها تربطه بمصلحة المجتمع! ويتجاوز الذات باعتبارها محورا للحدث والوجود، وينتقل للموضوعية ويتبنى منظومة قيم أشمل تقوم على العدل والمساواة وإتاحة الفرص والحرية الجادة و"التسكين الاجتماعى" والعام وفق القدرات والمواهب الفعلية لكل فرد.

الاعتراف بالقدرات الشخصية:
ويكون التمثل الحقيقى لانتقال الفرد المقهور من مرحلة الذاتية والتمركز حولها إلى مرحلة الموضوعية والمعايير الواقعية: هو اعترافه بقدراته الشخصية، والمؤهلات التى يمتلكها، والتى قد تجعله فى منظومة المجتمع الجديد الذى كسر فكرة التنميط ويبحث عن أصحاب المواهب فى شتى المجلات؛ تجعله يعترف بقدراته المحدودة، وانه سيكون فى مجال وجوده ونطاق حركته الاجتماعية الجديدة، عامل مساعد لمن هم أولى بتحمل المسئولية، هنا ينتقل لممارسة نوعا من الضبط لذاته، ويتجاوز مرحلة اعتبارها محورا للكون، إلى مرحلة الواقعية والموضوعية ويرى قدراته الحقيقية ويتصالح معها، ويضبط هوى نفسه.

الفرز الطبيعى لأفضل العناصر و"المجتمع الفعال":
فى مثل هذه المرحلة الانتقالية ما بين منظومة "قيم التكيف" والتنميط ، ومنظومة قيم "المجتمع الفعال" والمتحرر ومتعدد الأنماط؛ علينا أن نعى بضرورة تجاوز "الذات" وضبط هوى النفس، خاصة لمن يتقدمون للعمل العام، ومن قد يتورطون بحسن نية، ويكون المعيار هنا هو القدرة على "الاعتراف بالخطأ" والتراجع عنه، والرضا بالمكانة التى تناسب إمكانيات كل فرد! ذلك هو "شرط المجتمع الفعال"، والفرز الطبيعى لأفضل مواهب المجتمع وأفضل عناصره..

دمج لبنة الذات فى بناية الجماعة:
أزمة الشخص المحرر فى المجتمع المقهور (سابقا)، تتلخص فى انتقاله من اكتشاف الذات والتأكيد عليها، لمرحلة الموضوعية ووضع هذه الذات وقياس إمكانياتها الحقيقية فى علاقة بمنظومة الجماعة ودورها فى المجتمع، بحيث يقبل الفرد فكرة الجماعة، ودور الفرد داخلها، الذى كان قديما مشوها وتنميطيا فى ظل فكرة العجز والفرجة على الحضارة الجماعية (انظر كتاب: المصريون بين التكيف والثورة، وأسباب نشأة فلسفة التكيف عند الشعب المصرى).

التغلب على "تصدير القهر" بين الأفراد وماكينة التشوه:
أزمة المجتمع المقهور والمتكيف والمستبد به حقيقة، هو نجاح الاستبداد فى الترسيخ لفكرة التنميط وتشويه المغاير، والتأكيد على فكرة التشوه النفسى و"تصدير القهر" للغير، وصنع أنماط اجتماعية منتجة للتشوه.. أهمها فكرة تمييع القيم فى حد ذاتها ومحاولة المساواة بين معيار الحق والعدل ومعيار الباطل والهوى، والتأكيد على الوجود الفردى فقط والمصلحة الشخصية غير المعيارية فى علاقتها مع الجماعة وأهدافها..!
أهمية الوعى بمجال "علم نفس التحرر"، وأزمة "الموضوعية" و"الذاتية" ضرورية فى أنها تدور فى مساحة تؤكد على علاقة الفرد بالجماعة، وتدور فى نطاق يربط "علم النفس" الفردى بـ"علم الاجتماع" والجماعة فى رؤية الحلم المصرى الجديد، من هنا أسميتها بعلم "نفس التحرر".. لأن هذا هو ما نحتاج أن نفهمه وندركه جيدا فى هذه الفترة الانتقالية.


خاتمة:
"الذات المقهورة" أو المنمطة فى حقيقة الأمر، ستمر فى "مرحلة التحرر" بالتأكيد على هويتها التى كانت مسلوبة ومشوهة من قبل منظومة "قيم التكيف"، لكن يظل معيار الحكم النهائى هو قدرة هذه الذات على تجاوز هوى النفس، وأن تتحول للموضوعية وتعترف بقدراتها وقبول المكان المناسب لها فى منظومة المجتمع الجديد راضية.
ذلك هو سر "علم نفس التحرر"، الذى سيفصل بين الذات التى شوهها القهر ربما بلا عودة، والذات التى يمكنها أن تشارك فى البناء الجديد بسماحة النفس، والقبول بما تقدمه إمكانياتها وموهبتها الواقعية.
"البنية النفسية" للفرد المقهور والمنمط سيستقيم حالها فى مجتمع جديد فعال وحر؛ عبر اختياره الخاص فى مرحلة ما، أو عبر تطور بنية "المجتمع الفعال" ومؤسساته فيما بعد، وحين تتحول مجموعة المفاهيم والخصال الجديدة إلى "نمط سائد" فى مجتمع يسعى لبناء مشروع حضارى ونموذج إنسانى جماعى، يتطلع له العالم فى وقت انتهت فيه قدرة النماذج الحضارية القديمة على الاستمرار بفعالية.