الميتافيزيقا في الفلسفة الديكارتية

عماد الحسناوي
2016 / 4 / 3

إن الميتافيزيقا في العصر الحديث مع ديكارت ستنتقل من دراسة الوجود إلى دراسة المعرفة، لان الميتافيزيقا الديكارتية تهتم بالذات التي تعرف أكثر ما تهتم بالموضوع الذي يمكن أن يعرف. والميتافيزيقا عند ديكارت علم دقيق يمكن إثبات قضاياه بيقين شبيه باليقين الرياضي ولهذا وضع مشروع أسماه "الرياضيات الشاملة". وجعل من الميتافيزيقا الجدر الراسخ في هذا البناء الرياضي الشامل، وتشمل جميع المعاني الواضحة التي نجدها فينا إلى جانب صفة الله. وهناك الفيزيقا التي تهتم بالبحث عن المبادئ الصحيحة للأشياء المادية المرتبطة بطبيعة الأرض والاجسام، وطبيعو الانسان التي من خلالها نستطيع معرفة العلوم الاخرى التي هي منفعة له وفي هذا الصدد يقول ديكارت : "الفلسفة بأسرخا أشبه بشجرة جذورها الميتافيزيقا وجدعها الفيزيقا والفروع التي تخرج من هذا الجذع هي كل العلوم الاخرى التي تنتهي بتلاشي العلوم الرئيسية مثل الطب و الميكانيكا والاخلاق، وأعني الاخلاق الارفع والاكمل التي كما كانت تفترض معرفة تامة بالعلوم الاخرى فقد بلغت المرتبة الاخيرة من مراتب الحكمة." السؤال الذي يمكن إستنتاجه من قول ديكارت هو أين موقع الرياضيات من كل هذا ؟ مع الرغم أن الرياضيات لا مكان لها في هذه الشجرة إلا أن وجودها مهم عند ديكارت فالرياضيات هي التي تقدم لنا منهج البحث في جميع المراحل بدءا بالميتافيزيقا و إنتهاءا بالاخلاق، ولو شئنا أن ندخل الرياضيات ضمن هذا التشبيه لقلنا : "إنها العصارة التي تسري في الشجرة من جدورها حتى أغصانها وثمارها." والسؤال الذي يمكن طرحه الان هو كيف يمكن أن تصل الميتافيزيقا الديكارتية الى يقين راسخ لا يقل أهمية عن يقين الرياضيات ؟ الخطوة الأولى التي ينطلق منها ديكارت لكي يصل الى هذا اليقين هو الشك وهنا يقول ديكارت إنني قد وطت العزم على البحث عن الحقيقة فقد رأيت أنه من الضروري أن أسلك طريقا مغايرة، فأفرض كل ما يمكن أن يكون موضع أدنى شك لكي أتبين هل ثمة في عقيدتي شيء أكيد بصورة مطلقة." واول ما شكك فيه ديكارت هو الحواس ولقد عرض هذا في كتابه التأملات الميتافيزيقا بالخصوص في التأمل الاولويقول إن ما أعتبره حتى الان أصدق الأشياء وأوثقها قد إكتسبته من الحواس او من خلالها. غير أنه تبين لي أن الحواس خدعة أحيانا، ومن الحكمة أن لا نتق بمن خدعنا ولو لمرة واحدة." ويرفض شهادة العقل ذاته " لان بعض الناس يخطئون في أبسط المسائل الهندسية ولما كنت معرض للخطأ كغيري من الناس فقد رفضت كل البينات التي إعتقدت من قبل أنها أدلة قاطعة و إعتبرتها باطلة." وسط هذه الشكوك كاد اليأس يمتلك ديكارت لكن هذا لم يمنعه في مواصلة البحث عن ركيزة أو نقطة لبداية فلسفة يقينية، ومن هنا ديكارت قارن نفسه بأرخميدس مكتشف الطفو قائلا : لكي أتمكن من سحب الكرة الأرضية من مكانها ووضعها في مكان أخر لا يتطلب مني أي شيء سوى نقطة الثابتة ومضمونة." ويمكن إعتبار هذه النقطة هي الكوجيطو الديكارتي. فقد قال في التأمل الثاني " أنا أفكر" ومهما شككت في هذه الحقيقة فالشك في حد ذاته نوع من أنواع التفكير، أي ان المرء مهما شك فهو يفكر وطالما ملكة التفكير مرتبطة بالوجود، فكل من يفكر فهو موجود وهذه هي البداهة العقلية التي توصل إليها ديكارت وإعتبرها القاعدة الاولى من قواعد المنهج. لكن ديكارت يرى أنه إذا عاد الى نفسه فأول ما يتبدى له هو نقصه ويقول ما كنت لاعرف أني كائن ناقص متناه لو لم تكن لدي فكرة الكائن الكامل و اللامتناه، وهذه الفكرة لا يستطيع أحد أن يضعها في نفسي إلا موجود لا منتاه وهو الله الذي هو اليقين الثاني. وتوصل ديكارت الى اليقين الثالث (وجود العالم) إنطلاقا من وجوده ووجود الله، فأنا موجود تعني أن لي نفسا متميزة عن بدني إذن فهي خالدة لا تموت، والله موجود واليقين به منزلة رفيعة ، فلو لا الله لا كنت سجينا في الكوجيطو لان وجود الله ضمان لكل علم، لكل يقين وبوجوده أستطيع أن أعبر الهوة التي حفرها الشك بين فكري وبين الأشياء وأستطيع أن أطمئن الى وجود عالم خارجي. وبهذا يكون ديكارت قد أسقط كل المعارف والمعتقدات السابقة -للبدء من نقطة الصفر- للوقوف على بداية طريق الحقيقة. هذه البداية عي الكوجيطو أي إثبات الحقائق الثلاث الكبرى التي يقوم عليها بناؤه الميتافيزيقي وهي النفس و الله و العالم .