ما الميتافيزيقا ؟

عماد الحسناوي
2016 / 4 / 2

تعرف الموسوعات والمعاجم كلمة ميتافيزيقا إنطلاقا من المعنى الاصطلاحي للكلمة المسمى بهذا الإسم، مع الرغم أنه لم يستخدم هذه الكلمة على الاطلاق،بل لم يستخدمها ولا فيلسوف يوناني، فهي ظهرت في العصر الهلينستي(حوالي 60ق.م) مع الأستاذ الحادي العشر في المدرسة المشائية في روما يدعى أندرو نيقوس الرودسي. عندما جمع هذا الاخير كتب ارسطو وجد أن هناك العديد من الكتب لم يطلق عليها إسما معينا. وقد جاءت كتب(الميتافيزيقا) بعد كتب الطبيعة(الفيزيقا)، وهذا ما جعله يطلق عليها إسم الميتافيزيقا ، أي انها الكتب التي تلي كتب الطبيعة في ترتيب المؤلفات الارسطية. فكلمة الميتافيزيقا او ما بعد الطبيعة لا تحمل اية إشارة الى مضمون هذه البحوث ، بل هي ما بعد طبيعة أرسطو فحسب. اذن هذه الكلمة جاءت كمصادفة فقط، لكن مع تطور المصطلح أصبحت العلم الذي يدرس العالم الباطني اي المقولات التي تعبر عن الخصائص الاساسية لهذا الوجود وهي المقولات العشر التي تحدث عنها ارسطو مثل الجوهر، العرض، العلاقة، الزمان، المكان... وبهذا تكون العلم بالموجودات التي لا تدرك بواسطة الحواس، اي انها ما فوق التجربة او ما بعد الطبيعة، وهذا ما توصل اليه العديد من الفلاسفة مثل توما الاكويني و ديكارت. فالاكويني يقول "بمنزلة كل يكشف ما فوق الطبيعي، بالمعنى المسيحي بحيث صورته الكبرى هي الالهي وكل ما يتعلق به، الله، المحرك الاول، الغاية الاخيرة، النفس بوصفها خالدة..." وهو نفس الشيء الذي يذهب اليه ديكارت في قوله "إن غرض علم ما بعد الطبيعة او الفلسفة الاولى هو معرفة الله والنفس." وهذا العلم قال عنه ارسطو في مقالته الرابعة المرسةم عليها بحرف جيم مما بعد الطبيعة : "إن لعلم واحد من العلوم النظر في الهوية على كنهها، والنظر في الاشياء التي هي الهوية لذاتها وليس هذا لعلم واحد من العلوم التي يقال انها جزئية، لانه ليس لعلم من العلوم الجزئية النظر في كلية الهوية على كننها، بل إنما للعلوم الجزئية النظر في الغرض الذي يعرض لجزء من أجزاء الهوية منفصلا منها، مثل الذي تفعل العلوم التعاليمية(الرياضية)، فإذا كان طلبنا الاوائل والعلل القصوى، فمعلوم انه باضطرار تكون هذه الاوائل كأوائل طبيعية، من الطبائع مفردة بذاتها." اذن الميتافيزيقا لم تعد اسم لكتاب بل للعلم الذي يدل على مجموعة من الافكار المنظمة والمنسقة الحاملة لمعنى معين. يقول كولنجورد "الميتافيزيقا بالنسبة لنا اسم لعلم، ولقد ظلت كذلك لعدة قرون، والسبب انه قد وجد من الضروري- طوال قرون عدة،ومازلنا نجد ذلك ضروريا- ان نفكر بطريقة نسقية منظمة في الموضوعات التي كان يناقشها ارسطو في مجموعة البحوث التي جمعت تحت هذا الاسم." ةبهذا تكون الميتافيزيقا العلم الذي يهتم بالوجود بما هو موجود، وقلنا سابقا هذا المفهوم لم يظهر مع ارسطو. اذن ماذا كان يطلق ارسطو على هذا الميتافيزيقا ؟ كان ارسطو يستخدم ثلاثة أسماء وهي: 1/ العلم الاول : اي انها لم تتجاوز العلوم الطبيعية المختلفة لانها تهتم بالعلل البعيدة او الاولى. وهكذا نجد ان العلم الاول هو العلم الذي يسبق موضوعه منطقيا بقية العلوم الاخرى، وهذا العلم العلم هو علم الوجود لان الوجود أشمل من الموضوعات الاخرى. 2/ الحكمة : يقصد بها الغاية التي تسعى اليها العلوم. كل علم إلا ويسعى للوصول الى المبادئ الاولى التي تصدر عن العلوم. إذن الى جانب الوظيفة المباشرة التي تقوم بها فهي تقوم بوظيفة أخرى تخرج بها عن حدود بحثها الخاص وهي أن تكشف عما تنطوي عليه منطقيا من فروض سابقة. 3/ اللاهوت : كل علم له أساس منطقي للعلوم التي تندرج تحته، ومن ثم فهو الاساس غير المباشر للكليات التي تدرسها تلك العلوم، فإن علم الوجود فهو بطريقة مباشرة وغير مباشرة اساس جميع الكليات الاخرى وعلى ذلك فإن العلم الاول والاخير هو الأساس المنطقي النهائي لكل العلوم الاخرى، والاسم الذي نطلقه على العلم الذي يشرح طبيعة الله هو اللاهوت أو الإلهيات. ومع ذلك فإن تعريف الميتافيزيقا يبقى شيء صعب والمصدر الرئيسي لهذه الصعوبة سببين : السبب الأول يعود الى الفلاسفة انفسهم فالبعض منهم يتحدث عن التفكير الميتافيزيقي بازدراء والبعض الاخر يرفعه الى اعلى عليين. وهكذا نجد وليام جيمس يقول "الفيلسوف الميتافيزيقي أشبه بالأعمى الذي يبحث في حجرة مظلمة عن قطة سوداء التي لا وجود لها." ومن الواضح أن هذه العبارة مليئة بالإزدراء إذ نجد الاعمى يتساوى مع الحجرة المظلمة ومع القطة السوداء التي لا وجود لها في الأصل. هذا الهجوم على الميتافيزيقا بدأ في عصر التنوير في القرن 18م، حيث نجد الفيلسوف والعالم الرياضي د.لمبرت يرى أن صفة الميتافيزيقا أصبحت مهانة أمام العقل السليم مثلها مثل كلمة "السفسطائي" التي كانت تعني قديما الحكيم. وهذه النظرة السلبية كانت سائدة في القرن 18م إذ نجد فولتير يقول "إذا رأيت إثنين يناقشان في موضوع ما، ولا يفهم أحدهما الأخر، فاعلم أنهما يناقشان في الميتافيزيقا." وهيجل نفس الشيء فقد وجه نقد قوي للميتافيزيقا القديمة خاصة كما تصورها كريستيان فولف ووصفها بأنها جامدة، ودعى الى ميتافيزيقا جديدة تقوم على الجدل.