من الذاكرة الدماغية .. إلى الذكرة الشعرية

حمزة رستناوي
2016 / 3 / 26





الهدف من هذه الدراسة
رصد و تحليل كيفية عمل الوظائف الاستعرافية للدماغ , و خصوصا وظيفة الذاكرة عندما يقوم دماغ الإنسان بعمليتي حفظ و استرجاع المعلومات, و في دراستنا هنا الذاكرة اللغوية للقول الشعري بالخاصة , و تطمح هذه الدراسة إلى تجاوز الهوة الافتراضية بين حقل العلوم بمعناها الخاص , و بين حقل الإبداع الأدبي الشعري .

الذكرة Memory
هي الوظيفة الذهنية التي يتم بموجبها اكتساب المعلومات و اختزانها, ثم استدعاء ما يلزم منها عند الطلب, و تنقسم الذاكرة إلى : بعيدة remote قريبة recent فورية immediate
و يتم النظر حاليا للذاكرة على أنها عملية فيزيلوجية عصبية و ذهنية تقوم بها دارات عصبونية, و تحتاج لتنسيق متعدد, و ليس كما كان يعتقد سابقا أن الذاكرة تسكن مكان محدد من الدماغ ؟
تقسم الذاكرة حاليا إلى خمسة مسارات هي:
- المسار المعنوي :semiotic
- المسار العرضي:episodic
- المسار الإجرائي: procedural
- المسار الآلي:automatic
- المسار العاطفي:emotional
" كل من المسارات المذكورة هناك نوعان من الذاكرة, الذاكرة الواضحة explicit , و الذاكرة الضمنية implicit . أما الذاكرة الواضحة فهي اختيارية و تخزن في منطقة قرين آمون hippocampus و تتعامل مع تذكر الكلمات و الحقائق و الأماكن و الذكريات, و تعد الذكرة المعنوية و العرضية من أنواع الذاكرة الواضحة , أما الذاكرة الضمنية فهي غير اختيارية وبعبارة أخرى فهي انعكاسية أو استجابة إجبارية لمثير أو موقف ما , و تعد المسارات الإجرائية و الآلية و العاطفية من الذاكرة الضمنية[1]

المسار المعنوي: semiotic
يحتفظ هذا المسار بالمعلومات المسموعة و المقروءة, فعند سماع أو قراءة نص شعري سيكون هذا المسار مسؤولا عن عملية الحفظ و الاستذكار, و هو المسار الأكثر صعوبة و إرهاقا حيث يتطلب التركيز و تدخل الإرادة الواعية غالبا.
و من أمثلته قيام متسابقين بحفظ أبيات شعرية تردّد أمامهم حيث المطلوب منهم حفظها خلال فترة زمنية معينة, أو مثالها المعلم الذي يطلب من تلاميذه حفظ أبيات قصيدة معينة ..ففعل الحفظ و الاسترجاع هنا يتطلب هنا جهدا ً ذهنيا ً واضحا ً لا يستطيع عموم الناس الاستمرار فيه لفترة طويلة. و من الاستراتيجيات المقترحة لتحسين مردود الذاكرة المعنوية:
التلخيص – المناظرات – المسابقات – التمثيل و اللعب- الرسوم و المخططات – تكوين الخط الزمني...الخ
فلتسهيل تذكر الموضوعات تساعد تقنية تكوين الخط الزمني في بناء الذاكرة المعنوية للموضوعات المدروسة و ذلك بترتيبها زمنيا على طريقة التعاقب مما يسهل حفظها و تذكرها , و كذلك جرت العادة لتسهيل دراسة و حفظ و فهم و استذكار تاريخ الأدب في ثقافة معينة أن نقوم بتصنيفه تبعا لقاعدة " تكون الخط الزمني" فعلى سبيل المثال تصنف المدارس النقدية التقليدية الشعر العربي إلى مراحل : عصر جاهلي – مخضرمين – أموي – عباسي- انحطاط – حديث..الخ
و نفس الإستراتيجية تساعدنا في حفظ و تذكّر القصائد الشعرية التي تحتوي على حدث و حبكة قصصية مثل : قصيدة الفرزدق الشهيرة عن الذئب التي يقول في مطلعها:
وأطلس عسال وما كان صاحبا *** دعـَوت بنـاري مـَوهِـنا فأتـاني
فلما دنـا قلت ادن ،دونـك ، إنّني *** وإيـاك في زادي لـمشـتـركـان
فـَبـِتّ أقـُدّ الـزاد بـيـني وبـيـنــه *** على ضَـوء نـارٍ مـرّة ودخـان

فمما يلاحظ أن حفظ هذا النمط من القصائد أكثر سهولة من القصائد التي لم تكتب وفقا لإستراتيجية تكوين الخط الزمني, و كذلك فإن هذه الإستراتيجية تحكم و تتحكّم في تقنية كتابة القصيدة عند الشاعر, فالحدث يستدعي حدثا ً آخر يعقبه, مثلما أن البيت الشعري يستدعي زمنيا بيتا شعريا آخر يعقبه , و من استراتيجيات الذاكرة المعنوية كذلك التمثيل و استخدام تقنيات الحوار, و هذا ما نجده في المسرح الغنائي و القصية التمثيلية و القصيدة متعددة الأصوات, و قصيدة القناع في الشعر الحديث.
و من الأساليب التي تقوي الذاكرة و تسهل الحفظ و الاستذكار كذلك نظم المعلومات في كلام موزون له لحن, و هذا ما نجده مثلا في أساليب التعليم التي استخدمها العرب القدماء في تعليم النحو , و تعليم التجويد كما في " الجزرية في التجويد"
حيث يجري صوغ القواعد النحوية و قواعد علم التجويد بشكل نظم شعري
كما في ألفية ابن مالك كذلك التي مطلعها:
قال محمد هو ابن مالك ِ *** أحمدُ ربّي الله خير مالك ِ
مصليا ً على النبي المصطفى*** و آله المستكملين الشرفا
و أستعين الله في ألفية ْ*** مقاصد النحو بها محويَّة ْ
و رغم أن هذا ليس شعرا ً بالمعنى الاصطلاحي الخاص ,إلا أنه يستخدم تقنية شعرية هي تقنية الوزن و القافية و بما يسهم في حفظ المعلومة و سهولة تذكرها.


المسار العرضي: episodic
يرتبط هذا المسار بالمكان و السياق الذي تم فيه التعلّم, فلا يمكن تجريد فعل التعلّم عن بعده المكاني, فكل عملية تعلم أو حفظ تكون متضمَّنة في مكان ما, و تتم عبر سياق ما, يربط الشيفرة المعلوماتية بما قبلها و ما بعدها. و المسار العرضي يتدخل في عمليتي الحفظ و التذكّر بشكل لا ننتبه له عادة, فتذّكر تفاصيل المكان الذي تمت فيه عملة الحفظ يقدح عملية التذكّر, و تصبح هذه التفاصيل بمثابة شاخصات تساعد الإنسان على التذكّر الفعّال, و من هنا ينصح أخصائيو التعلّم بضرورة تغير مكان التعلّم و عدم الركون إلى رتابة المكان, و لا يخفى ارتباط كثير من القصائد في التاريخ العربي و الحاضر العربي بمكان محدّد
فهذا البحتري يكتب سينيته الشهيرة بتحريض مكاني واضح في المدائن مستحضرا " إيوان كسرى"
صُنْتُ نَفسي عَمَّا يُدَنِّسُ نَفسي
وَتَرَفَّعتُ عَن جَدَا كُلِّ جِبسِ
وَتماسكتُ حِينَ زَعزَعني الدَّهـ
ـرُ التِماساً مِنهُ لِتَعسي وَنُكسي
حَضَرَت رَحليَ الهَمومُ فَوَجَّهـ
ـتُ إلى أبيَضِ المدائِنِ عَنسي
فالقصيدة هنا تقوم على مُرتكز مكاني يحرّض الذكريات الشخصية و الجمعيّة للزمان, زمان الشاعر و زمان استحضار الأمم الدَّارسة ,و ما كان لهذه القصيدة أن يستمر حضورها في الذاكرة الشعرية بعد ما يزيد عن ألف عالم على كتابتها لو لم تكن وثيقة الصلة بالمكان , بل و بمكان محدد ,يصلح كقرينة عبرة و تأمل و تصوير عند من يقرآها... و لو بعد ألف عام من تاريخ كتابتها.
و في ذات السياق ,سياق الذاكرة المكانية , لا يسع الباحث سوى الوقوف على كثرة أسماء الأمكنة التي يحتفي بها الشاعر الجاهلي.
ففي هذين البيتين من مطلع معلقة امرأ القيس نجده يعرض لأسماء خمسة أماكن:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزلِ بسقط اللوى بين الدخول فحوملِ فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها لما نسجتها من جنوب وشمألِ
و هذا ما يفسر لنا رسوخ القصيدة الجاهلية و القديمة في الذاكرة الشعرية العربية و ضعف الحضور- النسبي- للقصيدة الحداثيّة كونها قصيدة ذات بنية تميل للتجريدية و مطلقة البعد الزمكاني, و بالطبع إن الحضور الشعري للمكان , لا يتقيّد بالحضور الجغرافي و الواقعي , و لكنه يتمظهر في سياق شعري له خصوصيته و حمولاته النفسية و الإيحائية .
فالمكان هو مفتاح الذكرة الشعرية, و كثيرا ما يرتبط حفظنا و تفضيلنا و تفاعلنا مع نصوص شعرية معينة كونها تُعنى بمكان يخصّنا. فكثيرا ما تحضرني – هنا في غربتي - قصيدة سعيد عقل " قرأتُ مجدك" التي غنّتها فيروز: قرأتُ مجدَكِ في قلبي و في الكُتُـبِ شَـآمُ ، ما المجدُ؟ أنتِ المجدُ لم يَغِبِ إذا على بَـرَدَى حَـوْرٌ تأهَّل بي أحسسْتُ أعلامَكِ اختالتْ على الشّهُبِ أيّـامَ عاصِمَةُ الدّنيا هُـنَا رَبطَـتْ بِـعَزمَتَي أُمَـويٍّ عَزْمَـةَ الحِقَـبِ. و كذلك ما يتفاعل معه ملايين المسلمين حول العالم مع قصيدة أخرى لسعيد عقل- أيضا- تغنّيها فيروز يستحضر فيها مكة المكرمة كمكان يعني لهم الكثير و التي مطلعها :
غنّيت مكة أهلها الصيدا و العيد يملأ أضلعي عيدا إن تذكّر المكان أيسر و أثبت من تذكر الزمان , فنحن نتذكر التفاصيل المكانية لرحلة ما و نحددها بوصفها المكاني : رحلة إلى زحلة ..رحلة إلى باريس , و لا نجد عناء في تذكر ذلك , و لكننا قد نجد بعض الصعوبة في تذكر تفاصيل و توقيتها في الزمان و يحتاج منا بعض الوقت لتذكّر تاريخ هذه الرحلة . و من الضروري الإشارة إلى أن المقصود بالمكان هنا ليس المكان الجغرافي فحسب بل المكان الذي يمثّل فضاءً شعريّا لا يمكن فصله عن دلالاته الحضارية و البيئة و الثقافية . إن الذاكرة العرضية تلعب دورا كبيرا في حفظ و استذكار القول الشعري ,فالشعر الذي نتلقّاه في أمسية شعرية يكون أكثر حضورا و ثباتا من الشعر الذي نتلقاه قراءة في كتاب أو جريدة ,فالأمسية الشعرية تحتوي على تعابير رمزية و طقسية تُغني المكان و تجعله ذو خصوصية ..لذلك يحرص الشعراء على تقديم الأمسيات الشعرية رغم توفر وسائل أخرى للتواصل , و التلقّي الشعري أكثر جودة في الأمسيات الشعرية, بل إن هناك تفاصيل كثيرة تتعلق بالذاكرة المكانية تؤثر في جودة التلقي و الحفظ و الاستذكار , فكون الشاعر يُلقي واقفا أم جالسا يلعب دورا في آليات الحفظ و التلقي و كذلك هناك دور لديكور المكان, و كذلك ابتعاد أو اقتراب الشاعر من الجمهور, فاقترابه يعطي حميمية معينة تساعد في زيادة جودة التلقي.. فكثيرا ما يفضل الناس طريقة التلقّي في المجلس و الحلقات حول طاولة مستديرة على طريقة الأمسية التقليدية , و هذه نقاط يجب أخذها بعين الاعتبار .
المسار الإجرائي: procedural memory
هذا المسار مسئول عن حفظ و استذكار جميع الأعمال الروتينية و المهارات الأدائية التي نقوم بها دون تفكير إرادي, و من أمثلتها السباحة و قيادة السيارة, و المكان المسئول عن هذه الذاكرة في الدماغ هو المخيخcerebellum .
و هذا ما حرّض على البحث في الاستفادة من إمكانات هذا المسار, فأصبحنا نجد مختبرات للغات و العلوم الإنسانية , بعد أن كانت هذه المختبرات تخص بعض العلوم التطبيقية كالفيزياء و الكيمياء , و هذا ما قد يمكّننا من استخدام مسار الذاكرة الإجرائية بالإضافة للذاكرة المعنوية, " و بصفة عامة فإن أي شيء يضيف حركة إلى الموقف التعليمي يساعد في الوصول إلى مسار الذاكرة الإجرائي و تنشيطه, و من أمثلة ذلك التمثيل و لعب الأدوار و السير و الرقص و المناظرات و الألعاب[2]
إن الشاعر يستخدم الذاكرة الإجرائية في لحظة الكتابة الشعرية, فالتدرب على الوزن و حفظ كم كبير من الشعر, يحوِّل مسار الذاكرة باتجاه المسار الإجرائي و الذي بدوره يحوّل الكتابة إلى "روتين كتابي " , فالشاعر المتمرِّس لا يفكر بالوزن أثناء كتابة القصيدة فقد تحوّل لدية الوزن و الإحساس بالإيقاع إلى ذاكرة إجرائيّة, و هذا لا يتأتّى إلا من كثرة التدريب و التعليم ..و من ذلك ما يروي في التراث عن شخص أتى إلى شاعر يطلب تعلّم الشعر, فما كان من الشاعر إلى أن أوصاهُ بحفظ ألف بيت من الشعر , و عندما حفظها , أوصاه بنسيانها ليبدأ عندئذ كتابة الشعر. و كذلك ما حُكى عن خالد بن عبد الله البشري أنه قال: حفّظني أبي ألف خطبة. ثم قال لي: تناسَها. فتناسيتها، فلم أرد بعد ذلك شيئاً من الكلام إلا سَهُل علي. واصطنع ابن خلدون مصطلح (نسيان المحفوظ), ودعاه رولان بارت (تضمينات من غير تنصيص), فكل (نصّ) ماثل إنما هو مجموعة من (النصوص) الغائبة.
إذا ًفي البداية ذاكرة القول الشعري هي ذاكرة معنوية تحتاج لتفكير,و من ثم تتحول إلى روتين و عادة, و من أمثلة ذلك أن الكتابة الشعرية قد تتمّ تحت تأثير اللاوعي, أو في شكل مختلط للوعي و اللاوعي ,و أن كتابة الشعر في المسار الآلي للذاكرة لا يتم إلا بعد تدريب كبير, مثلها مثل السباحة التي لا تتحول إلى فعل لاإرادي إلا بعد تدريب طويل , بحيث تخزَّن في المخيخ في المسار للاإرادي.
و من الأمثلة كذلك على دور المسار الإجرائي للذاكرة ظاهرة الارتجال في الشعر, حيث يتدخل المسار الإجرائي للذاكرة في الكتابة من خلال البعد المرتبط بالإيقاع , و من خلال بُعد استحضار نماذج القول الشعري السابق الأكثر رسوخا في ذاكرة الشاعر, و من الأمثلة عن المسار الإجرائي ما يتعلق كذلك ببعض العادات السلوكية المرافقة لإلقاء الشعر كتحريك اليدين و بعض التعبيرات التمثيلية و السيمائية الخاصة . بشخصية الشاعر.

المسار الآلي:automatic memory
تتحرض الذاكرة في هذا المسار استجابة لمنبه شرطي معيّن حيث يقوم الدماغ باستدعاء عفوي لهذا المسار, و من أمثلتها أن يقوم الإنسان بترديد كلمات أغنية معينة حال سماع لحنها , و مكان هذه الذاكرة في المخيخ, و في هذا المسار تخزّن جداول الضرب و رموز العناصر الكيماوية و قوانين الحساب و الهندسة و الحروف الهجائية بترتيبها الأبجدي أو الألف بائي و بعض الجمل و الكلمات التي نردّدها دون إدراك واع لها, " إن استثارة الذاكرة الآلية يمكن أن يفتح مسارات الذاكرة الإجرائية أو المعنوية و من أمثلة ذلك عندما نردّد نشيد أو أغنية تلقائيا ,فإنها يمكن أن تذكّرك بأول مرة سمعتها , و عندها يمكن أن تتذكر المكان الذي سمعتها فيه, فتفتح المسار الآلي[3] و نجد تمثيل ذلك في الشعر حيث أن صعوبات تذكّر القصيدة الشعرية تتمثّل في عدم وجود مفاتيح و منبهات شرطية مناسبة, فكثيرا ما نطلب من شخص ما تذكيرنا بمقدمة القصيدة فقط لنقوم بعدها باستحضار باقي أبيات القصيدة ,و قد يكون تذكيرنا بكلمة واحدة فقط قادحا ً على عملية الاستذكار, و كذلك نجد تمثيل ذلك في دراسة استراتيجة كتابة القصيدة لدى الشعراء , حيث أن أصعب ما في الكتابة هو مطلع القصيدة, و المطلع قد يتحكّم بطريقة استكمال البناء الشعري القائمة في كثير من الحالات على التداعي المكاني و استحضار التجارب العاطفية المتشابهة, و كما يُقال " الشجي يثير الشجي".... و تلعب الموسيقى دورا مهما في قدح مسار الذاكرة الآلية , و هذا ما يفسر رسوخ و استقرار حفظ و تذكر القصائد و الأبيات الشعرية الكلاسيكية مقارنة بالشعر الحديث و قصيدة النثر كونها- أي الموسيقى- أكثر بروزا في الكلاسيكية, وكذلك هذا ما يفسر أن أكثر النصوص الشعرية حفظا ً لدى الناس هي الأكثر احتفاء بالإيقاع و الموسيقى الشعرية

المسار العاطفي emotional memory
تختزن الذاكرة العاطفية في منطقة اللوزة amygdala في الفص الصدغي للدماغ, و "يمكن اعتبارها خزانة الملفات التي تشعرك بالحزن أو الفرح أو غير ذلك من المشاعر , و تعتبر المعلومات العاطفية أقوى أنواع المعلومات لذا فإن الدماغ يعطيها أولوية المرور على سائر المعلومات[4] و من ذلك أن مواقف الفرح تستثير في الذاكرة ما يلائمها من الأبيات و القصائد الشعرية ,و مواقف الفراق تستثير ما يلائمها كذلك من الذاكرة الشعرية للإنسان, فكثير من القصائد الشعرية الخالدة كتبت بتحريض عاطفي معين, مثال ذلك قصائد الرثاء في الشعر العربي, بل و أكثر من ذلك إن المعجم اللغوي لأي شاعر ما هو إلا استحضار لكلمات و عبارات ترتبط بذكريات عاطفية معينة للشاعر, فلو سأل أي شاعر نفسه, لماذا أطلقتُ على هذه القصيدة أو هذه المجموعة الشعرية الاسم الفلاني؟ فإنه سيجد أن هذا الاسم يرتبط بذاكرة عاطفية قد تكون واعية أو غير ذلك؟ فإذا طلب شخص منا أن نذكر له اسم امرأة ؟ فأول اسم نتلفظ به .. يكون ذو دلالة واعية أو لاواعية, حقيقية أو متخيلة في ذاكرتنا و تجاربنا الحياتية, فالمعلومات الأكثر حفظا و تأثيرا في حياة الإنسان هي المعلومات المشحونة عاطفيا, سواء أكان هذا الشحن العاطفي باتجاه ايجابي أو اتجاه سلبي ,فخياراتنا في الحياة ترتبط بالمسار العاطفي للذاكرة , فما نحفظه من قصائد و أبيات شعرية و أسماء شعراء كلها ترتبط بتجاربنا السابقة و ذكرياتنا . و لذلك كان التذكّر و التأمل مصدران مهمان للشعرية عبر العصور:
من تذكر الأمجاد و غرض الفخر
إلى تذكر فراق الأحبة , إلى تذكر فراق الوطن , و فراق الأصدقاء, بل و حتى فراق المكان ولو كان طللا؟!
و من تذكر الميتين في شعرية الرثاء؟
إلى تذكر التفاصيل في شعرية الوصف؟ إلى تذكر المُنكّدين و الخصوم في شعرية الهجاء...إلى تذكر الخيبة و لحظات الألم في الشعرية الرومانسية... إلى استعادة اللحظة الوجودية في الحياة و ما تستحضره تداعيات و أسئلة و غموض و انعتاق كما نجد في شعرية التصوف و كثير من الشعر الحديث..الخ

الخلاصة:
عند قراءة القصيدة فإن المكان يثير الذاكرة العرضية, أما الموقف أو الحدث فإنه يثير الذاكرة المعنوية و كذلك الذاكرة العاطفية بعد شحن هذه المواقف و الأحداث عاطفيا. و أما الذاكرة الإجرائية و الآلية فيلعبان دورا في إستراتيجية و تقنية الكتابة الشعرية, حيث أنها في جزء كبير تقومان على الخبرة اللغوية المكتسبة و مهارات الكتابة اللاواعية المخزونة و المبرمجة في اللاوعي
الهامش
[1] التفكير و التعلم و الذاكرة في ضوء أبحاث الدماغ, إبراهيم الحارثي , مكتبة الشقري , الرياض, ط1, 2001, ص190
[2] نفس المرجع ص209
[3] نفس المرجع ص192
[4] نفس المرجع ص193

*شاعر سوري و اختصاصي في طب الأعصاب