الأرض، الحرية والديمقراطية 12

امال الحسين
2016 / 3 / 26

توالى على قصبة تالوين عدة خلفاء، كان آخرهم الحاج حمادي، بعد اعتقال عبد الله الكلاوي، طور جديد من الحكم، اليد الحديدية، الخليفة حمادي حاكم قاسي، نفذ أوامر التهامي الكلاوي كاملة، أضاف اجتهاداته القمعية المتطورة، يستعين باستشارات الشيوخ الخونة، إخماد نار الثورة بالشمال، القضاء على ثورة أسد الريف، سي موحند، كما ينطقه الريفيون، بن عبد الكريم الخطابي، كما يسميه المؤرخون، القضاء على جمهورية الريف، تدمير تجربة جديدة من الدولة الوطنية الديمقراطية الديمقراطية، لم تستسغ الإمبرياليتان الفرنسية والإسبانية وجود تجربة ديمقراطية بالريف، ذلك يهدد إستراتيجية الإستعمار، إستغلال الإنسان والطبيعة، لم تستسغ الإمبريالية الإسبانية هزيمتها، عزيمة الثوار تكبر، تجربة جديدة من المقاومة المسلحة تولد بالريف، درس في المقاومة المسلحة الشعبية، ينتشر خبرها بالعالم، كل قادة التحرر الوطني بالعالم، ينظرون إلى الريف، إلى الثورة الريفية، إلى دولة الريف المستقلة، على فوهات البنادق، ترفع الألام، إنهزام ثاني أكبر جيش إمبريالي، العدو الجار، إسبانيا الإمبريالية، فرنسا تحاصر الريف من الجنوب، من الشرق، تعقد تحالفا مع إسبانيا، تهاجم الإمبرياليتان الشعب بالريف، تدمر تجربته، تبيد الرجال، النساء، الأطفال، الأسلحة الكيماوية، تحرق الإنسان، الطبيعة، القائد الشهم، سي موحند، يقدم نفسه للعدو الفرنسي.

تابع الكلاوي تطورات الحرب الإمبريالية على الريف، أعطي أوامره لخلفائه، حذرهم من الشيوخ الخونة، تشديد الخناق على المناطق، الحرب تستمر بالجنوب، أيت بعمران، صغرو، جبال الأطلس الصغير تقاوم، القائد لخصاصي بالجنوب الغربي، القائد زايد أحماد بالجنوب الشرقي، نغمات سمفونية الثورة، على البنادق بالجنوب، ألحان الحرية والديمقراطية، يكرس الكلاوي اضطهاد السكان بالأطلس الكبير، بالأطلس الصغير الأوسط، يحكم سيطرته، خلفاؤه يضطهدون السكان، من مراكش يشق المستعمر الطريق إلى الجنوب، "تزي نتاست"، تارودانت في يد المستعمر، الكندافي، حيدا ميس، الدردوري، عملاء تحالف الإستعمار والكلاوي، يؤمنون الطريق من مراكش إلى تالوين، العسكر الفرنسي، يراقب ورشات شق الطريق، خلفاء القواد العملاء، شيوخهم، جواسيسهم، يرهبون الفلاحين الفقراء، الأعمال الشاقة اليومية ترهقهم، المستعمر يشق جبال الأطلس الكبير، الدرك الفرنسي ب"أسني" يراقب الطريق، من "إيمليل" في سالفة جبل توبقال، إلى "إيقيداس" بسافلة الأطلس الكبير بسوس، الفلاحون الفقراء في معتقلات الأعمال الشاقة، تكسير الصخور، المطارق تدق تباعا، على نغماتها معاناة العمال، يسقط كل يوم عامل، شق الطرق بالجبال، شق السكك الحديدية بالسهل، وسائل استعمار جديدة، من مراكش إلى ورزازات، من مراكش إلى تارودانت، إلى تالوين، من أكادير إلى ورزازات، شق الطرق، العمال يعملون دون أجر، إستعباد العمال، إستغلال ثروات البلاد : الفوسفاط، الكوبالت، المنغنيز، الذهب، الفضة، النحاس .. السمك، أركان، الأرز .. جبال الأطلس، كنوز البلاد.

تحالف الإستعمار والإقطاع، إخماد الثورة الريفية، أسد الريف يضع السلاح، يستقر بالشرق، منفاه، عيونه على الريف، على المقاومة، تكبر رؤيته، تشمل شمال إفريقيا، التحرر الوطني العالمي، أسد الريف، مرجع كل الحركات التحررية، زاوية المقاومة والتحرر بالقاهرة، كل قادة العالم يزورونه، يعملون بنصائحه، توجيهاته، تكتيكاته الحربية، إستراتيجية الثورة في البلدان المضطهدة، مات لينين بالشرق، يظهر محرر الشعوب المضطهة بالغرب، حرب التحرير الشعبية تولد بالغرب، الثورة من الغرب إلى الشرق، من المغرب إلى الضين، إلى الفيتنام، مسار الثورات العالمية، من الغرب إلى الشرق، مسار الثورات بالمغرب، من الجنوب إلى الشمال، الثورة الإشتراكية فقط، تولد في الشرق، الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية تولد بالغرب، بالريف، بنادق الفلاحين الفقراء، في متزامنة مع الثورة الإشتراكية بالشرق، تولد ثورة المضطهدين بالغرب، بالريف، تكبر بالصين، الجمهورية الإشتراكية بالشرق، الجمهورية الوطنية الديمقراطية الشعبية بالغرب، بالريف، الريف الأحمر، بدماء الفلاحين الفقراء، القاهرين للإمبريالية.

كان الكلاوي، بوعيه الحسي، بالوعي الزائف، يعي جيدا هذه المعادلة، الثورة الريفية حيرت خبراء الحرب بالغرب، كل الإمبرياليات تجتمع بطنجة، المدينة المستعمرة دوليا، كل الإمبرياليات حائرة، بين الثورة الإشتراكية بالشرق والثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية بالغرب، لا مفر، إنزال الآلة العسكرية الإمبريالية، كل قواها، جيوشها، يجب تدمير الثورة بالغرب، ثورة المضطهدين، بعد فشل تدمير الثورة الإشتراكية، لا بد من تدمير ثورة المضطهدين، كان الكلاوي يتابع هذه الأحداث، دور المخابرات الفرنسية، تزويده بجميع المعلومات، الأخبار، المخططات، يجب تدمير فكرة الثورة بالغرب، فكرة الثورة بجنوب المغرب، ثورة أحمد الهيبة، إنتشرت كالنار في الهشيم، عمت البلاد ملك أرواح الفلاحين الفقراء، ما زالت فوهات البنادق ترفع عاليا بالجنوب، الكلاوي يحكم، ثالوث الثورة المضادة، مراكش تالوين ورزازات، معقل الإضطهاد، بأيادي الخونة، الشيوخ الخونة، خدام الكلاوي، يفتحون الطريق أمام الإستعمار الفرنسي.

يدخل الفرنسيون تالوين، يحط الإستعمار بالهضبة، هضبة أيت منصور، من العائلات العريقة بزاوية تكركوست، ينحدرون من الصحراء، دفعهم البحث عن العيش، الفرار من جفاف الصحراء، القحط، إلى العمل بمزارع "أفرا"، وادي إسكتان يستهوي القضاة، حط القاضي محمد أميوس، في قمة بجنوب الوادي، بنى قلعته، تكديرت نميوي، ملك العبيد، قبله بنى محمد الوضيلي قلعته، على قمة شمال الوادي، أول الملاكين بالمنطقة، المعلم براهيم أمزيل، حكيم تكركوست، لقبه أصدقاؤه ب"المهم"، يختزن في ذاكرته العديد من الأحاث التاريخية، ذاكرة طفل ذكي، منذ صغره، رافق أباه، جزاز تكركوست، شارك في ثورة أحمد الهيبة، "المهم" يختزن جزء كبير من تاريخ تالوين، تاريخ الشيوخ، إمغارن، الكلاوي، خلفاء الكلاوي بتالوين، الحاج حمادي، الإستعمار، نواب المقيم العام بتالوين، العسكريون، المخزنية، الشاوش حمادي كبيرهم.

هذان الشخصان، رمزان للقمع، قمع الإستعمار : الشاوش حمادي، قمع الكلاوي : الحاج حمادي، كان الحاج حمادي طاغية، جاء إلى حكم قصبة الكلاوي، في وقت عصيب، فشل عبد الله الكلاوي في الحكم، خاف التهامي الكلاوي على الحكم، يعرف جيدا مكائد شيوخ سكتانة الذين عينهم، على رأسهم عبد الرحمان الخائن، المتمرد سي أحمد ألمغاطي، بين هذين الشيخين، تناقضات الوفاء والخيانة، المستعمر يصل إلى تالوين، قوة جديدة قاهرة تحل بالمكان، قوة تحالف الإستعمار والإقطاع، القصر بمراكش في سبات عميق، سذاجة ملك، قصة الدراجة الهوائية بالقصر، تعم البلاد، الملك على دراجته الهوائية، الفرنسيون يعبثون البلاد، إستغلال الإنسان والطبيعة، الكلاوي عميل الإستعمار.

الفلاحون الفقراء بين المطرقة والسندان :

مطرقة الشاوش حمادي، مخزني القبطان الفرنسي، نائب المقيم العام بتالوين، أمازيغي من قرية "تيفلت"، رجل قوي البنية، طويل القامة، ضخم، يركب حصانه، الدابة تفقد توازنها، كما يقول حكيم تكركوست، جثة من لحم وعظام، لا يقوى دماغ الرجل على التحكم فيها، همه الوحيد إبتلاع الطعام بشره، عشرات الكيلوغرامات، مهمته الوحيدة، إرهاب السكان.

سندان الحاج حمادي، خليفة الكلاوي، حاكم قصبة تالوين، الحاكم الطاغية، أرهب إسكتان، كان يجسش إمخزنين لنهب ممتلكات الفلاحين.

هذان الشخصان، الطاغيان، أرهبوا الفلاحين الفقراء بإسكتان، لما يتحركان بأرض تالوين، كل أشجار الواحة تتمايل، مياه الوادي تولول، تختفي الحيوانات، كانت تقام محاكمات، الجنايات، بدار الإستعمار، هضبة أيت منصور، بدار الكلاوي، قصبة تالوين، حكايات وحكايات، يتداولها الفلاحون الفقراء، يتوارثها الأبناء والأحفاد، حكايات قهر الفلاحين الفقراء.

بعد دخول الفرنسيين إلى تالوين، توفي قاضي تالوين، قاضي الكلاوي، محمد أترودانت، سيطر على جزء كبير من أملاك زاوية تكركوست، مزارع "أفرا"، كان قبله بقرون، هناك في قمة جنوب الوادي، محمد "أميوس"، قاضي "تكديرت نميوس"، لم يخلف أبناء، قبل وفاته، لم يفكر في عبيده، خدامه، جواريه، منح كل أملاكه لزاوية تكركوست، هذه الأملاك، يتصرف فيها شيوخ الزاوية، توفي قاضي تالوين، ترك أملاكا كثيرة.

خليفة الكلاوي، نائب المقيم العام، قاضي التوثيق، هذا الثلاثي، يعبث بمصير الفلاحين الفقراء، ركائز حكم الإستعمار بتالوين : الحاج حمادي، الشاوش حمادي، محمد أترودانت.

كان القضاة قديما، يقيمون فروع الزوايا، زوايا خاصة بهم، يملكون ثقافة العصر، علوم عصورهم، بتالوين : محمد الوضيلي، محمد أميوس، على بن حسو، محند أبرهيم اليعقوبي، يملكون العبيد والثروة، الشيوخ، إمغارن، شيوخ القبائل، يملكون العبيد والثروة، لا يملكون علوم عصرهم، يملكون القوة العسكرية، كان الكلاوي ضمن هؤلاء.

يقول حكيم تكركوست عن قصته :"كان أهل تلوات يطلقون لقب "أمغار" على أب الكلاوي، وهو لا يحكم، هو من أصول دادس، كان طلاب العلم، طلبة المدارس العتيقة، يتنقلون بين الدواوير، يقيمون "أدوال"، يطلبون ضيافة أهل البلدة، يقرؤون القرآن، الأحاديث، يأكلون ويشربون، يتسلمون الهدايا، لما حل "أدوال" بتلوات، لم يجد الطلاب إلا أب الكلاوي، إستضافهم ثلاثة أيام، كان التهامي الكلاوي ما زال طفلا صغيرا، بقي الحال هكذا، يستقبل "أدوال" كل عام، نشأت نواة حكم الكلاوي، أصبح حاكما كبير، لا يفقه في العلم شيئا".

حكم الكلاوي بالجنوب، حكم عائلة الكلاوي، الأعمام، الإخوة، الأولاد، حكم القبيلة، في دولة القبيلة، قبيلة العلويين، يتحالف مع الإستعمار، الإقطاع والبرجوازية، كانت شعارت الثورة الفرنسية تقدمية، ضد مصالح الإقطاع، ضد العبودية، مع التحرر، لعب العمال والفلاحون دورا كبيرا في الثورة، طلعت البورجوزية إلى السلطة، حكمت، طغت، إستعبدت العمال، إضطهدت الشعوب، البورجوازية تعانق الإقطاع، ضد مقاومة الفلاحين الفقراء، الإستعمار يحل بتالوين، معاناة جديد تحل بالفلاحين الفقراء، نيران بنادق الأطلس الصغير تخف، تخمد، آخر جيوب المقاومة تندتر، في 1934 كل الجيوب تخمد، مرحلة جديدة من الإستعمار، تحالف الإستعمار والإقطاع يرتكز، الحاج حمادي والشاوش حمادي، الكلاوي وفرنسا، رياح المقاومة السياسية تحب بالمنطقة، روادها قاضي تالوين، الحاج إسماعيل، العدول، طلب المدارس العتيقة، مقرهم دار الكناش، زاوية تكركوست.

يتبع