هل كان نجيب محفوظ ملحدا أم متأملا ؟

سلام كاظم فرج
2016 / 3 / 24

هل كان نجيب محفوظ ملحدا أم متأملا ؟
عنوان ثان // دلالات إسم العلم في روايات محفوظ ..
سلام كاظم فرج
أثار اهتمامي خبر مثير عن رسالة تركها احد منفذي اعتداءات بروكسل الدموية في صندوق من صناديق القمامة في المطار يقول فيها ( لا أعرف ماذا أفعل ..) فتذكرت حادثة الاعتداء على الروائي الكبير نجيب محفوظ قبل سنين. وطعنه من قبل فتى أمي أجاب المحققين عن اسباب فعلته من ضمن عدة اجوبة أنه لم يقرأ أية رواية لمحفوظ بل انه لا يجيد القراءة ولا الكتابة .. و ان احد الشيوخ حدثه عن بعض دلالات روايات محفوظ.. بمعنى انه جازف بحياته ومصيره ومستقبله اعتمادا على تحليل قد يكون خاطئا او مفتريا لرجل دين لايفهم ما تعنيه الرمزية في الأدب ولم يسمع بشيء اسمه حرية الفكر وحرية التفكير ولا تعنيه موضوعة الابداع في الادب والفن.. ولا يعرف شيئا عن التورية والمجاز والترميز.. في حين ان الكتب المقدسة ومنها القرآن الكريم زاخرة بالرموز والتوريات والمجازات وحافلة بالحوارات الجميلة بين شخوص كثر.. كحوار الله والملائكة .. وحوار الله وإبليس.. وحوار فرعون وموسى . وسليمان وبلقيس .. وبلقيس وطاقمها الحكومي والاستشاري إلخ..
لقد تسبب ثلاثة من المراهقين بنكبة مجموعة من العوائل والناس في بلجيكا انطلاقا من تفكير قاصر ومتخلف .. ماحدث في بلجيكا .. يحدث كل يوم في العراق وسوريا وليبيا . ويحدث في مصر وبلدان عديدة .. والثيمة الرئيسة لكل مايجري.. تتمحور حول فرضية واحدة // الكفر والايمان // وكأن الكفر والايمان هو المحور وهو الهدف.. وهو الاساس/ اما الطمأنينة والرخاء وصحة الاطفال والسعادة في الحب والزواج والصداقة . وتأمل الجمال في الكون.. والبحث العلمي في الفيزياء والطب والكيمياء امور ثانوية تأتي في مراتب متأخرة.. يا هؤلاء.. ايها القتلة / يامسعورين / ياساقطين // القرآن الكريم يقول/ فمن شاء فليؤمن / ومن شاء فليكفر .. فمن انتم لكي تقرروا مصائر الناس.. ؟؟ ..
بدأ نجيب محفوظ مشواره في الكتابة من خلال نشر ثلاث روايات تأريخية عن مصر الفرعونية كان الترميز فيها واضحا ويتمحور حول قضية الحكم الباترياركي المستبد واحقية الشعب المصري في اختيار حكامه.. وخلال فترة الاربعينيات نشر محفوظ اكثر من عشر روايات تعتمد الواقعية الاجتماعية.. وتعالج الواقع السياسي والاجتماعي للمصريين منذ ثورة 1919 ولغاية سقوط النظام الملكي.. وابرز تلك الروايات (الثلاثية/ والقاهرة الجديدة/ وزقاق المدق ).. وبعد أن أشبع التأريخ المصري بحثا وتقصيا من خلال رواياته الاجتماعية تلك/ انتقل الى ماسمي بالمرحلة الرمزية من خلال اكثر من ثلاثين رواية ومجموعة قصصية . اشهرها على الاطلاق اولاد حارتنا/ ثم الطريق والشحاذ تحت المظلة والحرافيش إلخ.. وقد امتدت الرمزية بكل ما تحمل من تمظهرات إبداعية في الفلسفة والسياسة والتأريخ حتى نهاية مشوار عمر الكاتب تقريبا. وعليه يمكننا اعتبار نجيب محفوظ مجموعة مدارس إبداعية لامدرسة واحدة. فقد استوعبت اعماله الرواية التأريخية والرواية الإجتماعية والرواية الرمزية. وحفلت بعض كتاباته بما سمي باللامعقول والعبث على طريقة بيكيت ايضا..وله مسرحيات قصيرة تنحو هذا المنحى..وفي روايته ثرثرة فوق النيل جمع مابين الواقعية الاجتماعية والرمزية وما يمكن ان نسميه بالنبوءة والارهاص بما سيحدث . حيث ان مسارات احداثها كان تشي بحدوث نكسة حزيران عام 67/ ..
لكنني احبذ ان نتعرف على بعض دلالات استعمال الكاتب الكبير لإسم العلم في روايتيه الرمزيتين اولاد حارتنا والطريق.. ونؤجل الحديث عن دلالات إسم عاشور الناجي الشخص الاول في روايته الضخمة الحرافيش الى مناسبة أخرى !!
فى محاورة شيقة بين رجاء النقاش والكاتب الكبير نجيب محفوظ يعلن محفوظ عن تعاطفه الشديد مع الماركسيين رغم توكيده انه ليس ماركسيا... فالنقاش يساله : ان الماركسيين في رواياتك هم


الابطال والشهداء وحاملو الزهور الحمراء وهم الذين يضيئون الحياة بنور الامل في الظلمات...واحيانايبدو نقدك لهم نقد"العشم ..اي أن مسارك السياسي امتد من الوفدية الى الماركسية فهل انا مصيب في ظني ؟فيجيبه محفوظ : لقد شخصتني فاجدت التشخيص فانا لست ماركسيا رغم التعاطف الشديد ولكي اكون واضحا اكثر اعترف بانني مؤمن بتحرير الانسان من :الطبقية وما يتبعها من امتيازات...والاستغلال بكافة انواعه ..

في رواية الطريق الرمزية.. كان لتشفير اسم العلم حضور ملحوظ لايخفى على القاريء النابه.. رغم إن عدم الانتباه لا يقلل من توصيل رسالة المؤلف الذي نحى منحى وجوديا صرفا في روايته تلك.. صابر بطل الرواية.. فتح عينيه للحياة فوجد انه يعيش في كنف والدته بسيمة عمران..القوادة المحترفة.. والتي وفرت له حياة مرفهة.. لكنها وقبل ان تموت أخبرته بسر رهيب.. أن والده الذي أوحت اليه منذ طفولته إنه قد مات ما زال عائشا.. وإن أسمه سيد سيد رحيمي.. وأنه شخصية محترمة مرموقة يستطيع ان يوفر له الكرامة التي أفتقدتها طيلة حياتها.. إضافة الى العيش الرغيد.. وإن عليه أن يبحث عنه في مصر كلها لأنها لا تعرف له عنوانا.. في رحلةالبحث المضنية يعشق صابر إمرأتين أحداهما زوجة صاحب الفندق الذي سكن فيه في مدينة الاسكندرية وهي أمرأة تلاثينية جميلة.. وزوجها رجل مسن تجاوز الثمانين ... تعود ان يتسلل الى غرفتها عند منتصف الليل بعد ان يكون الشيخ قد غط في نومه العميق..ويتعرف ايضا على صحفية شابة ..خلال مراجعته الصحيفة لنشر اعلان البحث عن ابيه.. وتنمو بينهما علاقة حب رومانسية عذرية.. يطول البحث عن الاب السيد سيد رحيمي.. لكن صابر يقع في حبائل زوجة صاحب الفندق وينفذ مخططها لقتل زوجها لتتحرر من ربقته.. وتقوده سذاجته الى حبل المشنقة دون ان يصل اليه بصيص نور عن والده ومكان تواجده....

هذه بإختصار ثيمة رواية الطريق. ومقالتنا تركز ببساطة على الدلالات الفلسفية والايحائية لبعض اسماء الاعلام التي اختارها محفوظ لشخوص روايته.. فبسيمة عمران تجمع بين البسمة والعمران كأسم لها وبين القيادة كمهنة اتخذتها.. في ترميز لافت للحياة الدنيا.. التي تجمع بدورها الغنى المادي والضحك والانطلاق. فبسيمة عمران هي واهبة الحياة لصابر .. ولكن أية حياة .؟. حياة تجمع الشك واليقين .. القبول والانكار.. فهو كان متيقنا من خلال إخبار الوالدة ان الأب قد مات (رؤية نيتشوية !؟). لكنها وفي لحظة الرحيل تخبره ان والده عائش وحي وموجود (رؤية دينية ..) بل تكلفه ان يستمر بالبحث عنه ولا ييأس ( وهذه هي رؤية محفوظ الحقيقية حسب ظني. وأقول ذلك من خلال متابعة دقيقة لمعظم كتابات وتصريحات محفوظ .. واجد من المفيد الاشارة الى ان نجيب محفوظ قد تخرج في قسم الفلسفة قبيل انصرافه الى الكتابة تماما |).. هذا التكليف من قبل الام في البحث عن الاب يقابله خراب روحي وأخلاقي وحزن داخلي لا يحسه الا من عاش إزدواجية السقوط والنقاء.. وتحمل بسيمة عمران ذلك التناقض الرهيب بين الحادها الذي رافقها طيلة حياتها بإنكار وجود الحق فأوحت لولدها صابر (رمز الانسان عموما أبن الخطيئة حسب المنظور الانجيلي).. ان والده قد مات قبل ان يولد.. لكنها وعند إحتضارها تبوح بحقيقة عقيدتها فتعلن ان (الأب).. لم يمت بل هو حي يرزق. ومن دلالات اسمه سيد سيد رحيمي.. نلمس ان بسيمة التي انكرت وجود الاب واتخذت من القيادة والعهر منهجا في الحياة وارادت لابنها ان يسير عليه .. وفقا لتلك الرؤية (فإذا كان الرب غير موجود فكل شيء مباح.. حسب دستوفسكي).. نجد انها تتراجع وتؤكد ان سيد سيد رحيمي موجود وعلى صابر (الانسان)

ان يبحث عنه وإنه لابد ملاقيه.. وسينعم بخيره الوفير..

إن موت صابر قبل ان يلتقي والده الحقيقي سيد سيد..ترميز لمأزق الانسان على هذه الارض ولإشكالية الايمان وعدمه .. ومابين الايمان والالحاد.. الشك المحفز للتفكير الفلسفي الاشكالوي.. فاليقين لايأتي جزافا الا بالتلقين الساذج وفق رؤية محفوظ.. فصابر تلقى التلقين من امه بموت الاب تلقي القانع المتيقن.. ثم تلقى تلقينا جديدا بوجود الاب..رحيمي.. فراح يبحث عنه لكن دروب الحياة الضيقة والسعي للنهل من مباهجها وقفت حائلا بينه وبين تلمس هناءة اليقين.. ويظل محفوظ مخلصا للفكرة الاسلامية او الدينية عموما والتي تربط بين العفة والاخلاق السامية وبين الايمان الميتافيزيقي..ورغم كل ماقيل عن الحاد محفوظ يظل عصيا على التوصيف او التخندق في خانة فكرية معلومة واضحة.. لكنه متأمل عظيم وفيلسوف ركب صهوة الادب فكان فارسها وجال في تخوم الفلسفة والتأمل فكان نبعا باردا ودليل بحث وتقص غير مسبوق....

يتجلى ذلك بوضوح باهر في روايته المثيرة للجدل اولاد حارتنا

والتي حفلت برموز كثيرة وكان لاسم العلم وترميزه اثر واضح في انزياحات النص.. فالجبلاوي الشخصية الرئيسية التي لاتظهر اطلاقا بل يجري الحديث عنها والتي تعمر بشكل خيالي بحيث تموت كل شخوص الرواية وتتعاقب الاجيال ويظل الجبلاوي من خلال رسوله قنديل يبلغ الناس بسخطه ورضاه.. ونظرة متأملة هادئة تكشف ايحاءات مفردة جبلاوي .. وتصريفها لغويا.. جبل يجبل.. ونظرة الى مفردة قنديل وقربها من مفردة جبريل وما يعنيه قنديل من معاني الانوار والهداية تجعل القاريء يقف منبهرا امام تلك الدلالات..

ويرمز محفوظ للأنبياء باسماء مدهشة.. فالمسيح عليه السلام تتقمصه شخصية رفاعة.. (رفع الى السماء) والرسول الكريم تتقمصه شخصية قاسم (كنيته ابو القاسم) والعلم الحديث يرمز له بشخصية عرفة... من المعرفة.. وهكذا.. حتى الصحابة.. ابو بكر.. صادق.. وعلي.. حسن.. وكل تلك التشفيرات تحتاج الى ناقد يوضحها فالقاريء العابر لا يستطيع فهمها بوضوح.. من كل ذلك كانت الاشكالية التاريخية بين محفوظ والازهر ... لكن الاشكالية التي جعلت الازهر يتخذ موقفا غاضبا من محفوظ ومن الرواية تكمن في شخصية (عرفة ).. عرفة رمز العلم الذي اتت به الثورة الصناعية الكبرى واستغلته الرأسمالية ( رمز اليها محفوظ من خلال شخص العمدة او الحاكم الذي عاش في مرحلة عرفة التي جاءت بعد مراحل كل من رفاعة وقاسم) فالرأسمالية جمعت كل معارف عرفة ووظفتها بأشكال مختلفة منها ما هو بشع كإستغلال العلم في الشر (قنبلة هورشيما مثلا) او الاستغلال الطبقي البشع للعمال والذي ساد طيلة القرنين التاسع عشر والعشرين. ومنها ماهو جيد وتقدمي وعظيم كالتطور في العمران والصناعة والتكنلوجيا والطب وحقوق الانسان.. واشكالية الازهر اتت من خلال إخبار قنديل لعرفة ان الجبلاوي قد مات وهو راض عنه !!( رؤية نيتشوية ..) ..موت الاب.. الذي أشبعته الكتابات الادبية في اوربا واميركا بحثا وتناولا.. ما زال يشكل مشكلة لدى المؤسسة الدينية.. في حين ان الأب قد اخبرهم انه راض عن الجدل الفكري ولكنه ليس راضيا عن قتل الأخ أخاه..وإنه أقوى من كل الكتابات والكنايات.. والاشكالية الرئيسية وفق رؤيتنا لمنهج محفوظ والذي يصعب على رجال الازهر فهمه.. ان الترميز يعني ان الاب قد مات وفق رؤية ناس القرون الوسطى . لكنه لا يمكن ان يموت لأنه ليس بشرا . لكن على البشرية ان تستمر في البحث عنه من خلال معادلات عرفة ( العلم ) لا من خلال معادلات كهنة الكنيسة في القرن السابع عشر او قبله.. وهذه الرؤية لا تستدعي تكفيرا او تعزيرا.. هي رؤية قابلة للنقاش والتداول ..

والشخصية المحورية في الرواية (حنش.) الذي بيده مفاتيح الحل والذي يمتلك كل المعادلات الكيمياوية لسعادة البشرية لكنه مختف والناس تنتظر رجوعه.. تبقى تحمل إشكاليتها وإشكالية عقيدة محفوظ... وعمق عبقريته.. القاريء المحايد... سيرى دلالات (حنش الغائب + معادلات عرفة ) حسب انحداره العقيدي.. فلك ان تعتبره المهدي المنتظر الذي سيملأ الدنيا عدلا وسعادة بعد انتهاء الغيبة.. ولك ان تعتبره يسوع الذي سيعود وفق بعض المذاهب المسيحية... ولك ان تعتبره جيفارا جديد.. او الحلم الاشتراكي وفق ماركس حيث من كل حسب طاقته ولكل حسب حاجته وللناس السعادة والسلام...

او حلم العهد القديم حيث الذئب يرعى مع الغنم ويأكل العشب!!!..

ولك ان تعتبره العلم الحديث بكل تمظهرات التكنولوجيا وما يمكن ان تحققه الوفرة من رفاه مادي وبالتالي من غنى روحي!!!

لعلنا وفقنا لكشف بعض مكامن عبقرية نجيب محفوظ من خلال دلالات اسم العلم في روايتيه الرمزيتين الطريق واولاد حارتنا..



............................