في العنصريّة و العقائد السياسية للسوريين

حمزة رستناوي
2016 / 3 / 24



الجوهر Substance هو المقولة الأولى من المقولات الأرسطية العشر الشهيرة, بينما تشكّل الاعراض بقية المقولات التسعة الاخرى, الجوهر هو الثابت القائم بنفسه , المستغني عن غيره, المستقلّ عن الاعراض المتغيرة, و تأتي خطورة مفهوم الجوهر في كونه الجذر المنطقي للعنصرية و ازدواجية المعايير ,عبر ادّعائه وجود هويّة ثابتة للكائن, بحيث يختلف جوهريا عن غيره من الكائنات و بما يشمل المادّيات و المعنويات , ويعد أرسطو افضل المعبَرين عن مصالح مفهوم الجوهر الثابت نظريا. إنّ تعبير الجوهر يعبّر عن مصالح واحتياجات تتطلب عدم الإقرار بالتغير أو التواصل الشامل, ومنطق الجوهر هو الجذر المشترك لكل الفلسفات المادية و الروحية الدينية وغير الدينية التي تحتكر لنفسها - دون غيرها - امتلاك الحق و الحقيقة وكل الحقوق.. الامر الذي يجعلها تحتوَّي ازدواجية معايير وسياسات عنصريه بوعي او بدون وعي " فالهوية الجوهرانية الثابتة لا تشمل التغيير في هوية الكائن الواحد, و لا التعدد في الوحدة ,و لا التدرج في الشكل , و لا الوسطية بين الصفر و الواحد , و هذا يناقض ما استقر عليه اهل الاختصاصات العلمية التجريبية المعاصرة , و هو مصدر القصور الاساس في المنطق الارسطي[1] و منطق الجوهر الثابت ليس حكرا على المنطق الارسطي فقط , فثنائية الجوهر الخالد و الاعراض المتغيرة عند ارسطو, نجدها عند أفلاطون عبر ثنائيّة المثال الخالد و الظلال الزائفة , و نجدها عند ماركس بالجوهر المادي , و نجدها في العقائد الدينية و غير الدينية , حيثُ يدّعي المؤمنون وجود جوهر خاص لعقيدهم, جوهر مختلف كلّية عن جواهر الآخرين! جوهر أشرف و أسمى و أرقى و أصح من جواهر الآخرين الفاسدة الوضيعة المتخلفة الضالة التافهة ..الخ! إنّ مقولة الجوهر الثابت هو الجذر المنطقي للعنصرية و ازدواجية المعايير وفقا لنظريّة المنطق الحيوي [2]. إنّ هويّة الكينونة أي كينونة اجتماعية - سواء أكانت فردا أم جماعة - تتشكّل في أشكال و صيغ متعددة و قابلة لفهوم مختلفة , أكثرها قصورا تلكَ القائمة على الجوهر الثابت , و التي تبرر العنصرية و ازدواجيّة المعايير استنادا الى ايمان بجوهر سامي و خالد. لننتقل الآن الى الحالة السورية و تحديدا عقب اندلاع الثورة / الحرب السورية, حيث أثبت تاريخ الصراع السوري مدى هشاشية الوطنية السورية و كذلك ضعف الهوية السورية مقارنة بالهويات الفئوية الطائفية و القومية , التي تنتمي سياسيا الى مرحلة ما قبل الدولة الحديثة . و سأعرض لنماذج مختلفة للهويات الجوهرانية بما يشمل العقائد الدينية و غير الدينية معا, مع التأكيد على أنّ العقائد- أي عقيدة- قابلة لفهوم و تفسيرات و اشكال متعددة , منها ما هو أكثر أو أقل حيوية, و الفهم الجوهراني ليس هو الشكل الوحيد الحصري للعقيدة, و لكنّه في الحالة السورية هو الأكثر حضورا بما يشمل العقائد الدينية و اللا دينية ايضا , و سنبيّن ذلك فيما يلي: العقيدة السنّية بصيغتها الجوهرانية :
نجد تعبيراتها السياسية الثقافية في: أحزاب و تنظيمات من قبيل: جماعة الإخوان المسلمين- تنظيم الدولة الاسلامية في العراق و الشام- تنظيم القاعدة في بلاد الشام ( جبهة النصرة)- حركة أحرار الشام- تنظيم جيش الاسلام ..الخ و هي تعبيرات سياسية مغلقة على المسلمين السنّة دون غيرهم من السوريين, و تتبنّى التصوّر الديني للدولة – وفقا لفهم أحادي- و استنادا ما يُسمّى تقليديا بالشريعة الاسلامية ! و مثالها أيضا مصالح عبارات شائعة من قبيل : ( سوريا للسنّة, سوريا طول عمرها سنية من زمن معاوية) ( لن نقبل أن يحكمنا علوي أو درزي أو اسماعيلي بعد اليوم ! نريد رئيسا سنّيا لسوريا ) ( الشيعة المجوس أبناء المتعة ) ( العلويين ليس لهم كتاب أو عقيدة ..هم بلا ضمير! )( كل العلويين شبيحة و مجرمين بحق الشعب السوري ) ( الروافض المجوس !) و من أمثلتها أيضا تشريع استرقاق اليزيديات و الزام المسيحين بما يُسمّى بضريبة الجزية.. الخ.
العقيدة العلوية بصيغتها الجوهرانية : نجد تعبيراتها السياسية في البعد الطائفي للسلطة السورية , و استخدامها العلوية كعصبية ولاء طائفي للسلطة السورية , و هو بعد غير مُعلنْ رسميّا, و لكنّه حاضر اجتماعيا و شعبيا, و نجد تعبيراته كذلك في المجازر الطائفية التي قام بها علويون ضد المجتمعات السنّية كما في مجازر الحولة و التريمسة و كوكب و غيرها, اضافة الى سلوكيات عنصرية قام بها أفراد علويون من الاستخبارات و الجيش و الشبيحة ..بغطاء أو تحت سياسة غض نظر من قبل الحكومة و السلطة السورية, و مثالها أيضا مصالح عبارات شائعة من قبيل: ( العلويين أسيادكم يا كلاب ! ) (العلوية هي الديانة السورية الأكثر عراقة ! ) (السنّة ارهابيين أو مشروع ارهابيين ) ( التركمان غرباء عن هذه البلاد!)
العقيدة الشيعية الاثني عشرية بصيغتها الجوهرانية: نجد تعبيراتها السياسية في الولاء لسلطة ولاية الفقيه , و كذلك تعبيرات و سلوكيات مليشيا حزب الله و المليشيات الشيعية العراقية و الايرانية و الافغانية المتحالفة مع السلطة السورية كعصائب أهل الحق و لواء أبو الفضل العباس و لواء فاطميون , و كذلك نجد تعبيراتها الجوهرانية في شعارات من قبيل(لن تُسبى زينب مرّتين)( يا لثارات الحسين )(النواصب !)..الخ. بعد ان انتهينا من العقائد الدينية سنعرض للعقائد الغير دينية , و هي أشكال عقائدية دنيوية لا تُعنى بمواضيع الألوهية و حياة ما بعد الموت , و لكنّها تسلك سلوكا مشابها للعقائد الدينية , في إيمانها و تأكيدها على يقينيات فئوية مشتركة بين جماعة المؤمنين بها, و رفضها التشكيك في هذه اليقينيات , و انغلاقها على أفكار و طقوس و شعارات خاصة تقدّسها جماعة المؤمنين . للعقائد اللا دينية أشكال متعددة منها العقائد القومية – العقائد الحزبية- العقائد العائلية – العقائد الشخصية و عقيدة الوطنية وعقيدة العلمانوية ..الخ. التكفير في العقائد الدينية قد يصبح تخوين في العقائد اللا دينية, و النبي أو الامام في العقائد الدينية قد يصبح زعيما ملهما في العقائد اللا دينية , و طقوس العبادات و الشعائر الدينية تصبح أناشيد و شعارات وسلوكيات ملزمة للجماعة . و في الفلسفة يطلق مصطلح الميتافيزيقيا , أي ما وراء الواقع, على العقائد الدينية و غير الدينية بما يشمل الفلسفات المثالية و المادية معا. و بالطبع ليس ثمّة قصورا في اللجوء الى العقائد و الغيبيات مادامتْ هذه العقائد تقدّس و تأكّد على أولوية الحياة و العدل و الحرية. العقيدة القومية العربية البعثية بصيغتها الجوهرانية : نجد تعبيراتها السياسية في السياسات الاحادية و الشمولية لحزب البعث العربي الاشتراكي , و اقصاء السوريين المعارضين له, و نجد تعبيراتها السياسية في شعارات من قبيل (أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة) ( الحزب القائد للدولة و المجتمع) ( لا صوت يعلو فوق صوت المعركة) و كذلك في سياسات التمييز ضد السوريين الأكراد.. و اقصاء المعارضين للسلطة السورية بتهمة التخوين أو العمالة لإسرائيل. العقيدة القومية الكردية بصيغتها الجوهرانية : نجد تعبيراتها السياسية في السياسات الاحادية و الشمولية لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي PYD , و تهجيره للسكان العرب في مناطق سيطرته و تكريد المدن و القرى العربية أو المختلطة الأثنيات . العقيدة الاسدية بصيغتها الجوهرانية: نجد تعبيراتها السياسية في تقديس الرئيس حافظ الاسد و ابنه بشار الاسد و تنزيههما عن أي خطأ , و انزال العقاب الشديد بأي نقد أو معارضة لشخصهما أو سياساتهما, و نجد تعبيراتها السياسية في صيغة توريث الحكم و تعديل الدستور وفق مقاس بشار الاسد , و كذلك في تشييد التماثيل الضخمة لحافظ أسد في الساحات العامة , و الزام الدوائر الحكومية بتعليق صور الرئيس الاسد , و كذلك شعارات ( سوريا الاسد- قائد المسيرة – القائد الخالد ) ( الاسد أو نحرق البلد) ( حلّكْ يا الله حلّكْ.. تحطّ الاسد محلّكْ ) ( حافظ أسد بعد الله منعبده !)..الخ. في النهاية من الضروري تحاشي التعميم لكون تعميم القصور على أي عقيدة دينية وأو غير دينية هو بحدّ ذاته ازدواجيّة معايير. و قد تطرّقنا في هذا المقال الى الاشكال الجوهرانية للعقائد فقط لكونها أكثر خطورة على المؤمنين بها قبل غيرهم ..و للتأكيد على ضرورة تجاوزها باتجاه انفتاحي أكثر حيوية .
الهوامش:
[1] مخطوط كتاب السيرة الحيوية, محمود استانبولي, نسخة مهداة من المؤلف 2016, ص51
[2] المنطق الحيوي: نظرية تقول بقوننة حيويّة واحدة تعمّ الكون بجميع تشكيلاته ، وتشمل " المجتمع والفرد والفكر والسياسة ضمناً " , و يمكن اختصار هذه القوننة في ما يلي: كل كائن شكل - بمعنى كونه طريقة تشكّل و ليس جوهر- حركي احتوائي احتمالي نسبي