الأرض، الحرية والديمقراطية 11

امال الحسين
2016 / 3 / 23

قضى عبد الله الكلاوي ليلته، من ليالي السمر، ليالي حمراء، أحواش ن تمغرين، الشيخ الخائن يطلق خمس طلقات، متتالية، من خماسيته، فرحا، ينتظر قدوم التهامي الكلاوي، عميل الإستعمار، وعد الشيوخ الخونة، زيارة تالوين أمر سلطوي، الوقوف على نفوذ سلطته، تالوين حصن حصين لحكمه بالجنوب، من تلوات، ينطلق موكب الكلاوي، الإتجاه : تالوين، في سيارته، السيارة الملكية، يتبعه الفرسان والمشاة، العبيد، يشدون بأذيال الأحصنة والبغال.

قبل ذلك بأسبوع، تم تمشيط المنطقة، العسكر ينتشر بجبال الأطلس الكبير، يخترق الدواوير، يرهب الفلاحين، يجمع المخزنية الفروض : تمويل رحلة الكلاوي إلى تالوين، النساء يخرجن منذ الصباح الباكر، جنبات الطرقات مليئة، رقصات أحواش ن تمغرين، الهدايا محمولة على البغال، تنتظر مرور الموكب، الموكب الملكي، أينما حل، يتوقف، تقديم التمر والحليب، إستقبال ملكي، بنى العميل الكلاوي، طقوس حكمه، على غرار دواوين ملوك القبيلة العلوية، الحاكم إسماعيل العلوي، على ظهر فرسه، حكمه كان قاسيا، شديد القساوة، قمع كل ثورات الأمازيغ، الجبال، السهول، الوديان، 54 سنة من إخماد نيران الثورات، التاريخ يعيد نفسة، هذه المرة، بشكل دراماتيكي، جميع مناطق المغرب تنتفض، كانت ثورة الجنوب شرارتها، ما زالت جبال الأطلس الصغير، أيت بعمران، صغرو، تنتفض، تحمل السلاح في وحه الإستعمار، الكلاوي يحكم قبضته على الأطلس الكبير، ثالوث برمودا الأطلس، مراكش ـ ورزازات ـ تالوين، سد منيع ضد الثورات، اليوم السلطة بتالوين في خطر، أعلنها الشيوخ الخونة، حذروا الباشا الكلاوي بمراكش، قضوا أياما برياض الزيتون، ينتظرون استقبالهم، وعدهم الكلاوي بزيارة تالوين، حسم السلطة هناك.

جميع الخونة، عبرالتاريخ، أغبياء، بلداء، يقودهم، ضعفهم الفكري، الإدراك والإرادة، ضعفهما، يقودهم إلى الخيانة، يرون في الخيانة، طريقا سهلا، قصيرا، للوصول إلى السلطة، الوصول إلى الحكم منبطحين، مطأطئي الرؤوس، وصوليون، إنتهازيون، يقبلون الأيادي، حتى أخمس أصابع الأرجل، يبيعون كرامتهم، بدون مقابل، ثقافتهم وشاية، جرأتهم كذب، لا يجرؤون على رفع الهامات، دفعت الخيانة، الشيخ الخائن عبد الرخمان، أن يصبح عبدا، أمام التهامي الكلاوي، لا يرى في الحياة إلا العبودية، يعجز عن رؤية شهامة الشيخ أحمد الهيبة، شهامة أمير ثورة الريف، سي محند بن عبد الكريم الخطابي، بين الثورة والثورة المضادة، بين الحرية والعبودية، يقف الشيوخ الخونة، صامتين، ينتظرون قدوم عميل الإستعمار، إلى قلعة إسكتان، قصبة تالوين، يقيم عبد الله الكلاوي هناك، بعد تكسير حكم المرأة، للا مريم، هزم الشيخ الخائن، إعتقال الشيخ الشهم، الخونة يعبدون العميل، عميل الإستعمار، الخائن عبد الرحمان، تقوده غباوته، إلى الإعتقاد أنه ما زالت أمامه فرصة حكم تالوين، ينتظر الإنصاف من كبير الخونة.

يصل موكب العميل الكلاوي إلى تفنوت، معقل الفقيه سيدي إفني، الفقيه الأسطورة، حكم الجن، حضر الجن، أخرج الجن، كل النساء يزورونه، في خيمته بالبحيرة، يعرضون عقدهم النفسية، أرواح شريرة تسكنهم، زيارة سيدي إفني، فقيه بحيرة إفني، شفاء، رحمة، "الرقية"، الفقيه يضاجع النساء، تدخل المرأة، يضاجعها، تصرخ، تشتد المضاجعة، يرتفع الصياح، النساء خارج خيمة المضاجعة، يسترقن السمع لصرغاتها، ينتظرن دورهن، الخرافة تسكن عقل المرأة، لما عزلها الرجال، أبعدوها عن السياسة، عن الحكم، عن السلطة، لما قتلوا تيهيا، عزلوا للا مريم، إعتقلوا سي محند، يقيم الكلاوي ليالي المضاجعة بتالوين، ليس ب"الرقية"، على حال سيدي إفني، إنما عبر مقدمات فنية، ألحان، نغمات، رقصة أحواش، ماء الحياة، خمور بوردو، ليالي حمراء، مضاجعة الفتيات، الشيوخ الخونة يسترقون الهمس لصرخاتهن، وشايتهم تصل التهامي الكلاوي عميل الإستعمار، ينتظره الشيخ الخائن، يرى في قدومه، طريق الوصول إلى قصبة تالوين، ما زال يحلم بالحكم، هو يجهل أن الباشا الكلاوي، يقضي ليلي حمراء، بمراكش الحمراء، على نغمات الفولكلور، الدقة المراكسية، مضاجعة الجواري.

قضى التهامي الكلاوي، ليلة حمراء بتفنوت، ليلة أحواش ن تمغرين، أعطى أموامره لخليفته، شدة يده الحديدية على المنطقة، نشر جواسيسه، بالجبال، الوديان، الغابات، حذره من شرارة ثورة الجنوب، الثوار ما زالوا صامدين بأيت بعمرا، بويزكارن معقل الصمود، البنادق ترفع عاليا، في سماء جبال الأطلس الصغير، الشمال الثوري، جمهورية الريف، ترفع بنودها عاليا، المآمرات في طنجة، التحالف الفرنسي الإسباني، ضد دولة الريف، ضد الحرية، ضد الديمقراطية، الكلاوي يرتعد من شرارة ثورة الشمال، شرارة ثورة الجنوب، يتحرك إلى قصبة تالوين، يتوقف بإوزيون، خليفته هناك، محمد أمعيوض، مسك المنطقة، يد من حديد، يقيم ليلة أحواش ن تمغرين، على شرف العميل الكلاوي، القائد الدردوري يحضر الليلة، يتآمرون، يتبادول الحديث عن الشمال الثوري، طلوع رايات الثورة عاليا، جمهورية الريف، سي محند بن عبد الكريم الخطابي، أمير ثورة الريف، شرارة الشيخ أحمد الهيبة، ملكة ثورة الجنوب، ملك على عرشه، القائد لخصاصي، يرفع السلاح عاليا، تستمر الثورة.

التهامي الكلاوي يخاف على عرشه، يتحرك إلى تالوين، يحل بها صباحا، باكرا، يجد باب القصبة يعج بالمتقاضين، جيشهم الشيخ الخائن، ينتظر سيده الباشا، باشا مراكش، حاكم الجنوب، يستقبل سيده، إستقبال الملوك، التمر والحليب، الهدايا، التهاليل، الزغاريد، عبد الله الكلاوي في نوم عميق، كعادته، قضى ليلة حمراء، ماء الحياة، خمور بوردو، جواري تالوين، فك بكرة جديدة، يدخل التهامي الكلاوي إلى القصبة، يستقبل المتقاضين، كل نزاعاتهم، حول الأرض والماء، فلاحون تم استعبادهم، علاقاتهم عداوة، تحولت كل نزاعات الحدود، بين القبائل، إلى نزاعات عائلية، شخصية، نزاعات حول الأرض، نزاعات حول الماء، الجبال، الغابات، المراعي، العيون، الوديان، نزاعات عائلية، شخصية، وصل الإستعمار إلى تفريق الفلاحين، خلق نزاعات هامشية بينهم، تغدية هذه النزاعات، الشيوخ الخونة، بعد تعيينهم، بعد سقوط قلعة تالوين، بعد اعتقال الشيخ الشهم، سي محند، إغتياله، نشروا جواسيسهم، ينشرون الفتن، النزاعات، محكمة خليفة الكلاوي تمتلأ.

قبل دخول الإستعمار الفرنسي، قبل 1930، الكلاوي يحكم تالوين، يفتح الطريق لخليفة المقيم العسكري الفرنسي، باشا تالوين، الكلاوي يأمر، ينهى، أحكامه لا تستأنف، كان محمد أترودانت، قاضي قصبة تالوين، فقيه مدرسة دو توريرت سابقا، قاضي قلعة تالوين سابقا، يساعد خليفة الكلاوي، يفك جميع ألغاز السيطرة على الأرض، على الماء، على الغابات، الزواج، الطلاق، الإرث، قاضي قضاء الشرع، الشريعة والحكم، القاضي والباشا، الدين والسلطة، الشريعة وسيلة للإغتناء، كانت ثروة أترودانت، بزاوية تكركوست، يضرب بها المثل، "قطيع أغنامه، رأسها ب"تبنيوت"، بجبل تكركوست، ذيلها بباب منزله بتكركوست"، حصد كل هذه الثروة من خدمات السلطة، كان إبنه الوحيد، سي حمد، في أواخر أيامه، يلبس ثوبا، واحدا فقط، على جلده النحيل، يمشي حافيا، في أزقة تكركوست، يتلو بعض آيات القرآن، كل الأطفال إذا أرادوا إزعاجه، بصوت مرتفع، يقولون "عاش الملك"، سي حمد يستنفر، "عاش العار"، أين هو جاه أترودانت، أين هي سلطة الكلاوي، "عاش العار".

يستيقظ عبد الله الكلاوي، يتناول الفطور، يحس بحركة غير عادية بالقصبة، ما زال دائخا، "التمن" الخميرة، خميرة الخمر، تداعيات الليلة الحمراء، فك بكرة جديدة، يسأل إحدى الجواري في الأمر، سيدي، سيد باشا مراكس بالقصبة، يستفيق من غفوته، فلعها الوشات، مصيبة، الشيوخ الخونة، الشيوخ الوشات، الشيوخ الجواسيس، الشيوخ المتآمرون، المؤامرة، المناورة، الوشاية، صفات الشيوخ الخونة، دخل إلى قاعة المحكمة، الباشا يترأس الجلسة، القاعة مليئة، الشيوخ جالسون، يجلس بهدوء، ينحني، يشير بيده، سلم على الباشا، على أبيه، على حاكم الجنوب، جلس، أمره الباشا أن يتقدم، إلى قفص الإتهام، نطق بحكم حبسه، أمام أعين الشيوخ الخونة، أمر "إمخزنين" باعتقاله، دخل السجن، بناية، بعيدة عن القصبة، معزولة غربا، باناها للمعتقلين السياسيين، سجناء الرأي، الحق العام، أصبح اليوم أحد زوارها.

رفع الباشا الجلسة، جمع الشيوخ، خاطبهم، الشيخ الخائن، يصغي للأوامر، ينتظر جزاءه، ترى هل أكون حاكم تالوين ؟ آخر فرصة أنتظرها لدخول قصبة تالوين، قصبة حكم الكلاوي، حذرهم الكلاوي عميل الإستعمار، المراقبة، كل الحذر، فكرة ثورة الريف تنتشر، فكرة ثورة الجنوب تنتشر، إسكتان معقل تمرد سي محند، مكان خصب للثورة، يعرف الباشا ذلك جيدا، هناك مناصرون للثورىة، مناصرون للشيخ سي محند، الخونة، لا يفقهون في الحرية شيئا، عبيد عصر الإمبريالية، في ظل حكم الإقطاع.

خارج القصبة، أحواش ن تمغرين، كل التناقضات قائمة هذا اليوم، تالوين في ظل حكم الإقطاع، إعتقال خليفة الكلاوي، إبن الكلاوي، أحواش والإعتقال، الباشا يضحي بحرية ابنه، من أجل الحكم، تخويف الجميع، حتى الشيوخ الخونة أنفسهم، الوشات، خرج الجميع بعد أمر الباشا، الباشا والشيوخ الخونة في أحواش، يجلسون على منصة خاصة، معدة للإستقبال، إستقبال ملكي، التمر والحليب، الشاي بالزعفران، اللوز المقلي.

الجواري بالقصبة، بدهاليزها يمررن بنزق، دخان مداخن "أنوال" القصبة يرتفع عاليا، منذ الصباح الباكر، مداخن بلا صناعة، فقط صناعة الفحم والخبز، إعداد اللحم المشوي، "أغروم ن تفرانت"، "تدار" الجارية من أصول إفريقية، أمام "تفرانت" منذ الصباح الباكر، وجهها يحترق، "إدار" أمام فرارين المشوي، رؤوس أغنام بكاملها، إثنا عسر فرنا من الطين تشتعل، بداخلها نار فحم من حطب "أركان"، فحمه يشتعل بلا انقطاع، دائم الحرارة، نار لا تخمد، إرتكب الإستعمار جريمة في حق غابان "أركان"، كان "أركان" يمتد إلى الشاوية شمالا، الصحراء جنوبا، إزناكن شرقا، المحيط الأطلسي غربا، خلال الحرب العالمية الأولى، بدأ المستعمر الفرنسي ارتكاب جريمة، قطع شجر "أركان"، توقفت قطارات بوردو، مارسيليا، ليون، نقص حاد في الفحم الحجري، الفرنسيون في حاجة إلى فحم التدفئة، كل العمال مجندين في الحرب، طلبات الفحم تتضاعف، فحم حطب "أركان" هو الخلاص، الحرب نحس على هذه الشجرة، الثروة الطبيعية، التراث التاريخي، الحضاري.

الكلاوي يستمتع، رقصة أحواش إسكتان، متميزة، رقصة تمغرين، ألحانها، نغماتها، إيقاعها، الحناجر الإمازيغية، تتعالى، الكلاوي من أصول أمازيغية، من دادس، من صغرو، خان الأمازيغية، خان الوطن، تحالف مع الإستعمار، الخيانة لا تعرف وطنا، لا تعرف هوية، هويها بيع الوطن، إستعباد الإنسان، الوطنية لا عرق لها، لا دين لها، هويها الدفاع عن الوطن، الخونة يتناولون الطعام، على إيقاعات أحواش، بشره كبير، جشع الريع، ريع العقار والمال، قاضي قصبة تالوين، يختم الوليمة بالدعاء، الكلاوي يعلن فتح جلسة خاصة، ينسحب الخدم، يتناولون ما تبقى من الطعام، العسكر "إمخزنين" يتناوبون على الحراسة والأكل، حراسة حاكم الجنوب، إنتظار المجهول، العدو المجهول، جميع القادمين، رجالا، نساء، يتفرقون، يتجهون إلى دواويرهم.

بدأت الجلسة الخاصة، بعد صلاة العصر، صلى الباشا، واء القاضي محمد أترودانت، معه الخلفان، إلا خليفة تالوين، إبنه، المعتقل، عبرة للجميع، جميع الشيوخ الخونة، المقدمين، الأعوان، الجواسيس، الشيخ الخائن، ينتظر، يتساءل، هل أحظى برضى الباشا ؟ هل يعينني خليفة على تالوين ؟ قدمت له خدمات جليلة، أكيد، ليس هناك أحسن مني، شيخ غبي، كسول، القاضي يسلم، يرفع الدعاء، الكلاوي يفتح محفظته، يستخرج كاغيطا، يعطيه للقاضي، مرسوم تعيين الخليفة، خليفة تالوين، القاضي يتلو نص المرسوم، يقف الشاوش حمادي، من دادس، خليفة تالوين، لا يريد الكلاوي أن تخرج الخلافة من قلبلته الأصلية، يخاف خونة إسكتان، شيوخ إسكتان عبيد للكلاوي، يبدأ طور جديد من الإستعباد.

يتبع