رهانات السيسي السبعة

مصطفى مجدي الجمال
2016 / 3 / 19

هل وضعت نفسك مرة مكان الرئيس، وتصورت طريقة تفكيره، والتحديات التي تواجهه، وما هي رهاناته؟
طبعًا هذا نوع من التفكير الصعب جدًا، بسبب المعلومات الناقصة، وبسبب أن تصورك لشخصية الرئيس والأوضاع المحيطة به، قد يكون تصورًا مختلطًا بأمنياتك الخاصة، وبانحيازاتك ضده أو معه..
غير أنه من الممكن في ذات الوقت الاجتهاد الفكري في هذا الصدد، بناءً على الصورة التي تكونت لدينا عن الرئيس السيسي منذ أن أصبح اسمه وطريقته معروفين إلى حد كبير منذ انتخاب الرئيس الإخواني. وبالطبع فإن كل اجتهاد قابل للخطأ مثلما هو قابل للتحقق.
في البداية أظن أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يواجه تحديات مهولة، ربما لا يضاهيها أو يناهزها سوى التحديات التي مر بها جمال عبد الناصر في السنوات الأولى من ثورة يوليو وحتى مؤتمر باندونج في أبريل 1955، حيث أخذ سهم عبد الناصر يتصاعد بشكل مذهل مع تأميم القناة والانتصار السياسي على العدوان الثلاثي عام 1956.

# رهان استدعاء "الكاريزما الناصرية"
والفارق الأساسي بين الرئيسين عبد الناصر والسيسي، أن أولهما صعد معتمدًا على انتمائه لفئة صغار ومتوسطي الضباط، بينما الثاني صعد نجمه وهو عضو بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة. كما أن عبد الناصر بدأ مشواره على رأس ثورة تطيح بنظام قديم، بينما جاء السيسي في إطار تدخل المؤسسة العسكرية لإدارة أزمة الدولة والنظام في أعقاب انتفاضة نخبوية تطورت بسرعة وبشكل مفاجئ إلى ثورة مدينية.
ناهيك بالطبع عن الاختلاف الفكري بين الشخصيتين، وخريطة معارفهما. أما من حيث العلاقة بالعمل السياسي قبل توليهما المنصب، فقد كان لعبد الناصر احتكاكه وحتى انتماؤه لحزب مصر الفتاة وجماعة الإخوان وتنظيم حدتو الشيوعي. بينما انحصرت علاقة السيسي "المعروفة" بالسياسة في معلومات تقارير ترد إلى مكتب مدير المخابرات الحربية. وبإمكان القارئ أن يضيف المزيد من الفوارق بين الاثنين.
غير أن هناك فارقًا مهمًا بين الرجلين على مستوى السلوك السياسي الشخصي، فعبد الناصر كان مشحونًا بأفكاره وبرامجه- التي تبلورت عبر مسيرة التجربة والخطأ- ومن ثم كان مندفعًا في قراراته الوطنية والاجتماعية، ومندفعًا أكثر في ردود أفعاله على التحديات والاستفزازات، وكان هذا أحيانًا دون حسابات دقيقة، مستندًا في هذا إلى شعبيته الطاغية. أما سلوك السيسي الظاهر حتى الآن فيغلب عليه أسلوب تجميع أوراق القوة وعدم إلقائها بسرعة، والتخلص كل فترة من أشخاص وأفكار يرى أنها قد أصبحت عبئًا على "مشروعه".
أهمية الكلام السابق تأتي من رهان كبير لجأت إليه بعض قوى انتفاضة 30 يونيو بالاستفادة من جعل ذاكرة الشعب المصري تستدعي شخصية عبد الناصر وتحويلها إلى حلم يؤمل استنساخه من خلال "الزعيم" الجديد.. والغريب أن بعض الإعلاميين والسياسيين الذي عمدوا إلى ترويج هذه المشابهة غير الموضوعية، كانوا هم أنفسهم من أشد أعداء عبد الناصر والذين انخرطوا لعقود في تشويه ثورة يوليو.
بالطبع كان رهان المشابهة مع عبد الناصر هذا من أهم الأوراق في "الحملة التاريخية" التي رفعت السيسي إلى قمة المشهد السياسي. إلا أن هذا الرهان كانت له تداعياته السلبية على الرئيس نفسه بمرور الوقت، لأنه- حتى إن أراد- لن يستطيع إعادة إنتاج شخصية عبد الناصر لأسباب لا حصر لها، منها اختلاف الشخوص والسياق الدولي والإقليم وحجم وطبيعة أزمة المجتمع المصري وواقع القوى السياسية المحلية..الخ.
من ثم لن يستطيع الرئيس الارتكان إلى هذا الرهان طويلاً إن قدر له الاستمرار في الحكم لأكثر من فترة رئاسية واحدة مثلاً.

# الوجدان الشعبي المنزعج
وهو من أهم أسباب الموجة الثورية التي حملت السيسي من وزارة الدفاع إلى قصر الاتحادية. فقد مر الشعب المصري بفترة من أصعب الفترات في تاريخه الحديث مع نجاح جماعة الإخوان في تجيير الثورة لمصلحتها الخاصة، وتعجل قادة هذه الجماعة في استغلال "الفرصة التاريخية" لشلل الدولة المصرية ذاتها- وليس النظام الحاكم وحده- في أعقاب ثورة يناير، والحماقة التي ارتكبوها بحرق مرحلة "التمكين" والشروع في الابتلاع الكامل للسلطة والمنظمات المجتمعية، وبدا هذا نذيرًا بالابتعاد عن النموذج التركي لحزب أردوغان الذي يلتهم الدولة قطعة قطعة، والاقتداء بالنموذج الإيراني الذي صادر كل مؤسسات الدولة والمجتمع لصالح حكم الملالي.
كما ازداد انزعاج الوجدان الشعبي المصري بسبب تصاعد الخطر الإرهابي في سيناء، وما يشهده يوميًا في وسائل الإعلام من مجازر وانهيارات للدول والمجتمعات في بلدان عربية على مرمى حجر. وأصبح الشعب- في نظر الرئيس- مستعدًا للاستنجاد والقبول بأي قوة تحميه من هذا الجحيم المقترب. ومما ساعد أكثر في هذه الرؤية أن للجيش المصري سمعة طيبة عند الأغلبية الساحقة من المصريين، وهو أيضًا- لأسباب كثيرة- غير قابل للانقسام ومحصن بشكل نسبي من أخطار الفوضى والترهل، فضلاً عن الدور الذي لعبه في فترة انهيار الشرطة بعد 25 يناير.
ورغم قوة هذا الرهان، إلا أنه لا يكفي وحده لحماية السلطة الحالية، خاصة إذا فشلت هذه السلطة فشلاً ذريعًا في أمور جوهرية أخرى، مثل الأداء الاقتصادي ومستوى معيشة الجماهير الشعبية.
وإذا كان استعادة عمل مؤسسات الدولة كما كانت قبل 2011 على الأقل من العوامل التي تهدئ خاطر الوجدان الشعبي، فإن هذه العودة قد تفقد قيمتها تمامًا إذا عادت مؤسسات الدولة (خاصة الأمنية والبيروقراطية والتشريعية والقضائية والإعلامية..) إلى اتباع ذات المسالك السابقة على ثورة يناير من دكتاتورية وفساد ومحسوبية وتخبط وإهمال وانتهاك الحقوق السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمواطنين..

# المشروعات الكبرى
مر الاقتصاد والمجتمع المصريان بمحن متصلة منذ هزيمة 1967، وارتكب نظاما السادات ومبارك بحقهما من جرائم الإهمال والفساد الجسيمة، ما كانت نتائجه تفكيك قاعدة الصناعة الوطنية، وتدمير الزراعة المصرية، وتهرب الدولة من وظائفها الاجتماعية والاقتصادية، وتدهور كافة الخدمات من تعليم وصحة وسكن ومواصلات، وتفشي البطالة وانعدام الأمل أمام الشباب في وطنهم فاتجهوا إلى المخدرات واللامبالاة والعنف وحتى تكفير المجتمع بأكمله..
وأظن أن الرئيس السيسي تراوده فكرة أنه من الممكن إعادة تجميع الأمة حول النظام من خلال عدد من المشروعات "القومية" الضخمة مثل ازدواج قناة السويس، ومحورها، واستصلاح مليون ونصف المليون فدان، والعاصمة الجديدة..الخ. غير أنه من الواضح أن بعض هذه المشروعات لم تدرس جيدًا، وتستنزف موارد هائلة كان يمكن أن توجه إلى مشروعات معطلة أو جديدة أكثر جدوى.
وإذا كان الهدف الأساسي (أو الجانبي) من هذه المشروعات هو تنشيط الطلب الفعال بهدف تحريك عجلة الاقتصاد، فإن هذا مرهون بحجم فرص العمل التي ستتيحها هذه المشروعات، والتكنولوجيا التي ستستخدمها، وحجم روابطها الأمامية والخلفية بالصناعات المحلية.. وللأسف لا يبدو أن هذا كله واضح حتى الآن.. مما يعيد للأذهان مشروعات مثل مشروع توشكى.
كما يعيب معظم هذه المشروعات أنها تتم دون تشاور حولها مع المجتمع، بل إن النخب الفنية من اقتصاديين ومهندسين وخلافه تشكو من إهمالها في هذا الصدد. كما تثار مخاوف حقيقية حول كيفية سداد قيمة هذه المشروعات، وملكيتها، وحتى الأخطار الاستراتيجية والأمنية لبعضها.
يضاف إلى ما سبق أن هذه الضغوط الجبارة على الموارد الاقتصادية المصرية المحدودة (إلى جانب صفقات السلاح الضخمة) تجعل النظام أقرب إلى الرضوخ لشروط المؤسسات المالية الدولية، وهي ذات الشروط التي قوضت الاقتصاد المصري، واهتم بمعدلات النمو وليس بالتنمية الشاملة للمجتمع والإنسان.

# أفق "المصالحة"
أتصور أن الرئيس يعلم جيدًا أنه من الصعب جدًا القضاء المادي على تنظيم "حديدي" عضويته الفاعلة بعشرات الألوف، ولديه "حاضنة" شعبية لا يمكن الاستهتار بها، وسند إقليمي ودولي، وإمكانيات مالية هائلة، والعديد من المشروعات المنضوية في تقديم الخدمات والمساعدات الاجتماعية، واتصالات وتفاهمات مع جماعات تنتهج العنف المسلح.. فضلاً عن أيديولوجية تتمسح بالدين وتستطيع التغلغل إلى عقول الكثيرين من كل الطبقات..
ومن ثم فقد يفكر الرئيس في أن "المصالحة" آتية، ولو بعد حين. ويظل التخمين قائمًا حول الحيز الزمني الذي يمكن أن تتحقق فيه المصالحة. وحتى لو تصور الرئيس أن المصالحة مهمة موكولة لمن يأتي بعده فإن عليه عندئذ أن يمهد لها بطريقين متناقضين. الطريق الأول هو إضعاف الجماعة إلى أقصى حد بالإجراءات الأمنية والقضائية والحملات الإعلامية و"الدينية".. والطريق الثاني هو عقد المفاوضات في الخفاء- وبوساطات ونصائح خارجية وداخلية- للاستفادة من الطابع العملي/ النفعي/ الانتهازي عند القيادات الإخوانية، ومن حالة الضعف التي تعتريهم، كي يقبلوا العودة إلى دور "الفزاعة" فحسب على أقصى تقدير، مع نسب أقل من المشاركة، والتغاضي عن أنشطتهم وأموالهم.
لا شك أن التلويح ببشائر مصالحة ما سوف يخفف الضغط عن الرئيس من جانب بعض الجهات، لكنها مبادرة محفوفة بالمخاطر. ولعل هذا من ضمن أسباب حرص الرئيس على توفير هامش ما للجماعات السلفية، على سبيل الموازنة، بالإضافة إلى احتكار النظام لدعم المؤسسة الدينية الرسمية (الأزهر أساسًا).. وإن كان من الحقائق الجلية وجود اختراقات للأزهر من جانب الإخوان والسلفيين معًا.
من مخاطر مجرد التلويح بالمصالحة أيضًا أنه سيأتي بنتائج سلبية على التأييد الكبير الذي يحظي به الرئيس شخصيًا في الأوساط القبطية الكنسية والشعبية.

# الظهير الخليجي
لا شك أن عملية 30 يونيو قد استفادت من دعم غير محدود على مختلف الأصعدة من السعودية والإمارات والكويت والبحرين. إلا أن هذا الرهان تعرض لضربة موجعة بسبب التغيير الذي طرأ في البيت السعودي الحاكم، وتباين المواقف بشأن سوريا واليمن وليبيا وتركيا.. أضف إلى ذلك أن بعض الدوائر في الخليج لم تكن تفضل السيسي في موقع الرئيس، وهناك احتضان واضح لبعض الشخصيات المنافسة له.
كما أن الأزمات الاقتصادية التي تمر بها مصر أكبر من أن تحلها المساعدات الخليجية، خاصة مع التدهور الكبير في إيرادات النفط، وإرهاق ميزانيات الدول الخليجية وأرصدتها في الصناديق السيادية بسبب التورط في الحروب ودعم الجماعات المتمردة وشراء كميات ضخمة من الأسلحة النوعية.
مع ذلك كله ربما يراهن الرئيس على الجانب "الإيجابي" في آتون الحروب الدائرة بالمنطقة، ومن ثم الحاجة التي لن يمكن الاستغناء عنها إلى دور عسكري مصري نشط، خاصة في مواجهة النفوذ والتهديدات الإيرانية. ورغم أن السلطات المصرية قد تستطيع تقديم مساعدات محدودة ورمزية مقابل عائد سخي للاقتصاد والجيش المصريين، إلا أن التورط الفعلي في هذا المستنقع أو ذاك قد يكون ثمنه فادحًا.

# هامش المناورة في "النظام" الدولي
نعيش الآن بعضًا من سمات "الحرب الباردة"، إذ تتراجع هيمنة القطب الأوحد (الولايات المتحدة) أمام صعود قوى عالمية جديدة، وهو ما يعيد إلى الأذهان هامش المناورة الذي انفتح في الخمسينيات والستينيات بين الكتلتين الشرقية والغربية، واستفاد منه عبد الناصر والكثير من النظم الوطنية تحت راية "عدم الانحياز".
في ضوء هذا يمكن فهم علاقات النظام المتصاعدة مع الصين وروسيا، بل وفرنسا بدرجة ما (والتي تشعر تاريخيًا بخطورة التهميش الأمريكي لها).. بهدف الحصول على المساعدات الملحة للاقتصاد والجيش من هذه القوى الصاعدة، وأيضًا بهدف دفع القوى الغربية إلى موازنة وملاحقة نفوذ القوى الصاعدة كي لا يصل إلى مستويات نوعية.
ولا شك في أنه من الصعب الاستمرار في هذه "اللعبة التكتيكية" على مدى زمني طويل، خاصة إذا كانت الصراعات والخيارات المطروحة حدية أو صفرية. كما أن هذا الموقف قد يضطر النظام إلى اتخاذ مواقف تزيد الانقسام حوله داخليًا.

# الرهان على ضعف المنافسة
إذا كان من أخطر نقاط الضعف في الثورة المصرية هو غياب القوى/ الأحزاب السياسية القوية والمنظمة (سوى الإخوان)، فقد ازداد الأمر سوءًا بانعدام أو ضعف الرموز/ الزعامات الوطنية التي يمكن أن تقلل من خطورة ضعف القوى/ الأحزاب الثورية.
ولقد برزت بعد الثورة بعض الزعامات لكنها احترقت أو ذهبت إلى الظل بفعل أخطائها أو إحراق النظام لها.. وفي الحقيقة لا يوجد أمام المواطن الآن زعامة بديلة تستطيع تحدي الرئيس.. لكن "دوام الحال من المحال".. وربما لو لم تتمكن الحياة السياسية من إفراز زعامات "قومية" لها، أن يأتي من داخل النظام أو من خارج الحدود من يتحدى الوضع القائم إذا تأزم.

# الرهان الحقيقي
الوضع القائم في مصر ملتبس وملئ بالتحديات الوجودية (سيناء- غزة- إسرائيل- ليبيا- سوريا-إثيوبيا- الأزمة الاقتصادية والمجتمعية- الإخوان- العلاقات العسكرية المدنية....)..
ولا بد لمن يريد صد هذه التهديدات أن يحدد أولاً الطبيعة الطبقية للسلطة.. إنها تمثل تحالفًا للرأسمالية الكبيرة، ومن حقائق وجود هذا التحالف أنه هو نفسه حافل بالتناقضات التي قد تصل إلى حد التناحر. وقد يصل الأمر إلى انفجار مجتمعي تعجز السلطة عن قمعه، وتعجز "المعارضة" عن قيادته..
ولا بد للشعب أن يحمي نفسه وبلده- مرحليًا على الأقل- بأن يفرض خياراته على أي سلطة كانت.. وهي خيارات السيادة الوطنية، وضرب التبعية، والتنمية الشاملة، والتحول الديمقراطي المدني، والتنوير والثورة الثقافية.
من الزاوية التاريخية يمكن القول إن علل المجتمع والدولة المصرية لم يعد يجدي معها الإصلاحات أو الحلول الوقتية.. ناهيك عن الخداع أو اللعب على العواطف.