الأرض، الحرية والديمقراطية 9

امال الحسين
2016 / 3 / 17

كان تاريخ الأمم القديمة حافلا، البطولات، الملاحم، كانت المرأة سباقة إلى الحكم، حكمت، كان حكمها عادلا، في عصر المشاعة، الشيوعية البدائية، كانت تحتضن المجتمع كله، الرجل جزء منها، كانت المرأة الأمازيغية، ضمن النساء، الحاكمات، حتى في عصور قريبة جدا، قبل الأسلام، حكمت "تهيا"، المرأة الأسطورة، المرأة التي حيرت عقول العرب، المرأة تحكم ؟ هكذا ينظرون إلى المرأة باحتقار، حتى المرأة تحكم ؟ نحرق الأرض تحت أقدامها، نأتي على الأخضر اليابس، في بلاد تحكم المرأة، الرجال لا يستحقون الحياة، موتهم أفضل من حياتهم، هكذا جابت جحافل الرحل، بلاد "تهيا"، الدواوير، المداشير، طولها، عرضها، إجتياحها، صمدت "تهيا"، لم تستسلم، قتل رجالها، سبي نسائها، المحاصيل الزراعية اجثثت، أيادي الغزاة، حرقت الأخضر،اليابس، وصفهم ابن خلدون في المقدمة "إنقضواعلى إفريقيا (تونس، مركز سلطة تهيا) كالجراد، يزعجون الحكومة، ويخربون القرى، ويقطعون الطرق"، هكذا كانت حياة المجتمعات في القرون الوسطى، رغم ذلك، بقيت نساء تحكم، نساء قويات، عازمات على الحكم، فندن مقولة "المرأة ناقصة العقل"، إسكتان، نجبت إمرأة، قوية، قوة الرجال، صنعت الحكم بقلعة تالوين، إكتشفت مركز السلطة، المرأة تحكم، بنت صروح حكم النساء، تحدت سلطة الإقطاع، سلطة ركزها الرجل، خلال قرون من قهر النساء، إستعباد المرأة، إبعادها عن الحكم، خلال القرون 19، حكمت المرأة الرجل، بقلعة تالوين.

للا مريم، المرأة القوية، تمتطي صهوة فرس، من فصيلة أمازيغية، كلما مرت بهذا المكان، تالوين، منابع المياه، المياه الفضية، المتدفقة من سيروا، الجبل الخرافي، مليونيسنة، يتدفق سلسبيلا، حط في المكان، في يوم ربيعي، فيطريقها، من تكركوست، الزاوية، إلى تتكوت، بلدة الزعفران، بنظرة ثاقبة، حكمة امرأة، هندست المكان، في هذا المكان، موقع حكمي، حكم المرأة، المرأة الحاكمة، أمازيغية، سكتانية، إستقرت بتالوين، ملكت رجالا، عبيدا، كما هو حال جميع الحكام، إمرأة صلبة، شجاعة، أبت إلا أن تحيا، حياة ماض عريق، ماضي المرأة الأمازيغية، الحاكمة، رفضت قمة جبال إسكتان، إستقرت بضفة وادي إسكتان، دبت الحياة في المكان.

في هذا المكان، في عصور سابقة، عصور الغاب، مر رجل، فقيه، عالم علوم عصره، سي علي بن حسو، كان زاهدا، ينشر القراءة والكتابة، على اللوح للطلاب، إبتعد قليلا عن الوادي، يحذر من فيضانات وادي إسكتان، إقترب من الجبل، تحصن هناك، كان الرجال يعتون في الأرض فسادا، يجتاحون الأخضر واليابس، من الجبل إلى الوادي، لم يفكر سي على في الحكم، فضل الزهد.

للا مريم، ترى في المكان موقع حكم، بنت قلعة، تستهوي الشيوخ، شيوخ القبائل، كانوا يخافون من الزاويا، زاوية تكركوست كانت قوية، خلفت أربعة أضرحة، خبرتها للا مريم، كانت تمر بها، في طريقها إلى بلدتها في الجبل، كل من مر هناك، يقف، يرفع أذرعه، الدعاء للأولياء، تبتعد المرأة من الزاوية، كل نسائها محجبات، داخل الزاوية، ممنوع رؤيتهن، تستحيل رؤيتهن، لا يعملن، جواري الزاوية، في خدمتهن، كان اليهود لما يمرون بأرض الزاوية، يهبطونمن على ظهور بغالهم، يخلعون أحذيتهم، يمشون حفاة، حتى تجاوز أرض الزاوية، لايدخلون الزاوية، يحترمون معتقدات الآخرين، يقدمون خدماتهم، حرف، تجارة، مقابل المال، معاملاتهم مع المسلمين، ترتكز على المصلحة، الثقة، يعرفون صاحة ثقة، فاقد ثقة، متشبثون بثقافتهم، بينهم وبين المسلمين، ماء الحياة، كل من تناول جرعة من ماء الحيان، من المسلمين، تسقط ثقته.

للا مريم، تنتفض على التقاليد، قيود المرأة، تكسرها، تطرحها جانبا، هي على وعي، أن الزاوية، مطية، حجب المرأة، قيد المرأة، وقفت المرأة، كل الرجال ركعوا، نعم للا، تهيا إسكتان، تبني قلعة تالوين، الخائن عبد الرحمان، سمع بها، شغلت باله، كان يجوب جبال إسكتان، يخاف من زاوية تكركوست، تكديرت نميوس، تكديرت الواضلي، الشيخ الخائن، خرافي، يقدس الزاوية، لما خله سي محند، خلع شيخ زاوية تكركوست، عين محله خادمه، أحمد أوعبدالرحمان، سيطر على ممتلكات الزاوية، يعرف جيدا دور الزاوية في قمع العقل، توظيف الدين في السياسة، كسر قدسية الزاوية، الشيخ الخائن، عبد الرحمان أنزي، قائد أكدير ملولن، يخاف شيخ الزاوية، يومن بالخرافة، يحمل السلاح، ضد المرأة، حكمة المرأة أزعجه، جيش الرعاع، إجتاح وادي إسكتان، تحت دريعة الدفاع، ضد هجوم السواحل، الصحراويون، بعد سلطة المرأة، حصل لديه وعي، مركز السلطة بعيد عن بلدته، بعيد عن أكدير ملولن، تالوين مركز السلطة.

الشيخ الخائن، يتربص بسلطة المرأة، إقامة حكمه بتالوين، في أكادير ملولن، درب العسكر، هيأ الحركة، مريم بتالوين، تبني سلطة جديدة، أصبح حائرا، مهموما، كل الفروض التي وضعها لحماية إسكتان، تنقطع، السكان يعرفون أن تلك الفروض حيف، ذريعة لتقوية سلطة أكديرملولن، يصرخ في أعواونه، لم يبق للرجال وجود، إمرأة تحكم بتالوين ؟ هذا عار على جبين المسلمين، المرأة "ناقصة دين وعقل" هل تستقيم الحياة أمام هذا المنكر ؟ كان يبني أطماعه على حساب الدفاع عن إسكتان، المرأة اليوم تحكم، لم يكن همه، بعد اليوم، الدفاع، إنما الهجوم، إسقاط حكم المرأة، في قصبة أكادير ملولن، جمع أعوانه، جمع الفقهاء، أقامة وليمة، إقامة "السلكة"، بعد قراءة القرآن، البردة، يخرج اليوم معروفا، يستنجد بالفقهاء، كؤوس الشاي بالزعفران، اللوز المقلي، أطباق الطاجين، اللحم، الدجاج، نكهة الزعفران، وليمة الشيخ الخائن، يتأمر هذه الليل على المرأة، حاكمة تالوين.

الفقيه، العلامة، عالم علوم عصره، فقيه قصبة أكديرملولن، يجتمع الجمع، يعطي نصائحه للمجتمعين، أعبدوا الله، أطيعوا الشيخ، قفوا وراءه، وقفة رجل واحد، كل فقهاء إسكتان، حاضرون اليوم، الوليمة غايتهم، يشتمونها من بعيد، من "أخربيش"، حكايات عديدة، يتداولها الناس، الفقهاء والوليمة، الأكل بشراهة، قصص كثير يحكيها الفقهاء، يتداولها الطلبة بالمقصورة، عن فقيه فلان، في ليلة كذا، أحاديث يتم ابتداعها، عن الوليمة، البطنة ! صاحب المنزل، القصد من الوليمة، تعددت الأسباب والغاية واحدة، إحسان الشيخ إلى الفقهاء، كل الطرق تؤدي إلى الوليمة، يقول المثل "البطنة تذهب الفطنة"، الفقهاء أذكياء، يقودهم شيخ غبي، يحلم بحكم تالوين، لما دخل قلعتها، حكم، طغى، سقط، أصبح عبدا، كل غاية الشيخ الخائن من الوليمة، إصدار فتوة، بعد دعاء الفقيه، العلامة، قاضي أكدير ملولن، الناهي، الأمر، إلا في شؤون السلطة، هي، في يد شيخ ساذج، تسخير الدين في السياسة، يفهم جيدا هذه اللعبة.

الشيخ الخائن يخاطبكم، اليوم جمعناكم، في قلعتنا، بيت الحكم، العدل، الحق، جمعنا كل فقهاء إسكتان، كلهم أجمعوا على عدم جواز حكم المرأة، "المرأة ناقصة دين وعقل"، يكتب الفقيه العلامة الفتوة، يفتح محفظته، ينشر كاغيطا أصفر، يخرج دواة، قلما من قصب، "السيف والقرطاس والقلم .." صدق المتنبي، السيف في يد الشيخ الخائن، نهي المنكر من الأمر بالمعروف، أنا حاكم إسكتان، يجوز قتل العصاة، لما تكون إمرأة، يجوز رجمها، صلبها، يرفع سلاحه عاليا، خماسيته المذهبة، يجر الزناد، يطلق خمس طلقات، في تلك الليلة، كل نساء إسكتان، وراء الجدران، وراء القضبان، النساء محجبات، بعيدات عن الأنظار، الجواري بالقصبة، أكدير ملولن، يسترقن السمعة، تقام المؤامرة هذه الليلة، إسقاط حكم المرأة، طلع الشيخ الخائن، سقط، أصبح عبد الكلاوي، يرفع خماسيته عاليا، في الليالي الحمراء، بقصبة الكلاوي، يطلق خمس طلقات تباعا، فرحا باغتصاب فتاة، فك الخليفة بكرتها، تحت زغاريد الجواري، بعد سقوط حكم المرأة، إستعباد الرجال، شرعن الكلاوي اغتصاب المرأة.

في سنوات الجفاف، تكون الصحراء جحيما، المواشي تموت جوعا، الرحل يبحثون عن المراعي، ينتقلون بمواشيهم، يجتاحون جبال الأطلس الصغير، وديانها، وادي إسكتان، المرأة تسيطر على الوادي، جيشت الرجال، سلطتها في حاجة إلى مال، للا مريم، القائدة، قطعت الطريق على السواحل، تأمين وادي إسكتان، المرأة تملك، تملك الأرض، الجيش، تبني سلطة المرأة، الأمازيغية، ليست ناقصة عقل، هي، في عقل كامل، قوة جبارة، الحرية زادها، طاقتها، كلما ازدادت حرية، ازدادت قوة.

خرجت للا مريم، من جحر عائلتها، أيت القاضي، ملاكون، حاملوا علوم عصرهم، من زاوية تكركوست، من جذور إسكتان، كل صفات الشهامة مجتمعة، لما سنحت لها الفرصة، إتلطت بالرجال، فهمت الرجال، رأت رجال عصرها، في الزاوية، في البلدة، يحكمهم شيخ جباء، خائن، سيطر على إسكتان، فطنت المرأة باللعبة، لعبة الرجال، يغلقون الأبواب على النساء، بالمفاتيح والكلاب، خرجت للا مريم، كشفت لعبة الرجال، إستطاعت أن تحكم، الشيخ الجبان يفهم الآن أن مركز السلطة بتالوين، أكدير ملولن، موقع هامشي.

الشيخ الخائن، في تلك الليل، ليلة الوليمة، ليلة البطنة، ينشر "الكاغيط"، يستنفر الجبناء، المرأة تحكمكم، ذهب دينكم، ذهبت رجولتكم، لن يكون لنا وجود بعد اليوم، الفقيه العلامة، عالم علوم عصره، كتب فتوة، تجيز قتل المرأة الحاكمة، المرأة للبيت، الرجل للحكم، الرجال يحملون السلاح، الشيخ الخائن غبي، قابع في بلدته، أكدير ملولن، ينتظر غزو رحل الصحراء، السواحل، يقاومهم، يقول إنتصر، يجمع المال من قبائل إسكتان، سلطة المرأة فتح أمامه مجال توسيع حكمة، يريد غزو قلعة تالوين.

فكر الإقصاء، سائد، مسيطر، في أوساط الرجال، في عقولهم، يتعاملون مع المرأة بالإقصاء المطلق، ينافسون فيما بينهم في الإقصاء، الرجولة، فكر الإقصاء، لما حكمت المرأة، إستطاع الشيخ الخانن، أن يفكر، يفهم، معنى التحالف، ضد إمرأة حاكمة، لم يفهم معنى التحالف مع المرأة ضد الأعداء، إمرأة، صنعت مركز الحكم، قلعة تالوين، إمرأة سبقت عصرها، نظمت الرجال، إستعبدتهم، يسهل استعباد الرجال، أدركت للا مريم ذلك من زاوية تكركوست، الرجال ميالون إلى الخيانة، يهابون الحرية، حرية المرأة، جحيم، يطالهم، في أذهانهم، تطاردهم حرية المرأة، كيف لا وامرأة تحكم، هي امرأة، نصف الأرض، كل الملوك، همشوا المرأة، خوفا منها، إحتكارا للسلطة.

إغتال العرب المرأة الأمازيغية، تهيا، الداهية كما سموها، يريدون الأرض، الخيرات الطبيعية، يكرهون حكم المرأة، حيرهم حكمها، لما اكتشفوه، أخذوا يفسرون أسبابه، مسبباته، لم يفهموا شيئا، يريدون اختصار الطريق، إنه السحر، ساحرة تحكم، هم في الحجاز يؤمنون بالسحر، دواوينهم، وزاراتهم، مليئة بالكواغيط، "لحروز"، يعبدون الفقهاء، يمطرونهم مالا، حتى تستقيم أمورهم حكمهم.

في ليلة الوليمة بأكدير ملولن، إنفرد الشيخ الخائن بالفقيه، العلامة، عالم علوم عصره، الفقهاء يعرفون شؤون الجن، يعرفون طقوس استحضارهم، يؤمنون بقصص سيدي إفني، فقيه بحيرة إفني، في تلك الليلة، أمسك الشيخ الخائن يده الفقيه، يده اليسرى، يضع صرة نقود فضية، من فضة بوزار، سكها "الحزان موشي"، لها قيمة مالية في السوق، يتعامل بها التجار في الأسواق، في سجلماسة، في تلمسان، في فاس، قال للفقيه : أريد "حرزا"، يقين من شر ساحرة تالوين، رفع الدعاء فقط لا يكفي، كل حكام العرب يزورون الفقهاء، كل الطغاة، عقولهم خرافية، في دول القبائل، السلطة والسحر، لا يفترقان، أجابه الفقيه : أحضره بعد صلاة الفجر، قبل الفجر، يرفع الشياطين أيديهم عن الإنس، أمسك الفقيه صرة النقود، يردد، صرة من سكة فضة بوزار ؟ لم ينم الشيخ الخائنهذه الليلة، ينتضر طلوع الفجر.

يتبع