قراءات في القرار الروسي الأخير بسحب القوات

السيد شبل
2016 / 3 / 15

1- ليكن مفتاح قراءة ما جرى من انسحاب روسي، هو زيارة أوغلو من فترة إلى إيران، والتي بحسب خبراء، جاءت لضمان مساندة إيران في رفض تقسيم سوريا "فيدراليًا"، حيث تتخوف تركيا من منطقة الحكم الذاتي التي ستُمنح للأكراد.. تتخوف من أن تمتد إلى داخل أراضيها، وأن تتلقى تأييد من أكرادها (لاحظ أن تركيا الرسمية كبحت جماح (خفضت من) حجم تعاونها مع أمريكا في احتلال العراق 2003.. تخوفًا فقط، من أن يؤدي سقوط نظام الحكم المركزي في بغداد إلى إقامة دولة كردية على حدودها الجنوبية الشرقية، بل ولوحت بالتدخل البري العسكري).. إذن فمن المنطقي، اليوم أن تشعر تركيا بخيبة الأمل، بعدما يبدو أن تقسيم الأرباح والمكاسب يستبعدها، بل ويضرها.

2- هذا السياق، يقول أن القوى الدولية شيه اتفقت على الخظة "ب"، وهي تقسيم سوريا "فيدراليًا".. هذا لا ينفي بأي حال حجم المعونة التي قدمتها روسيا في سوريا، انطلاقًا من مصالحها، أو أنها ستغادر سوريا، وستتخلى عنها بالكلية (فهي باقية في قواعها البحرية كما هي)، لكنها تنظر للأمر كمكسب ببقاء الأسد في السلطة مسيطرًا على العاصمة والساحل وطبعًا المناطق الغربية من المحافظات حمص وحماة وحلب (وقد تمتد لأكثر من ذلك - الحدود المروسمة ليست حدية أو رسيمة)، وبالتالي تضمن مصالحها، في القضاء على فكرة مشروع خط الغاز القطري الذي كان مفترض أن يصب في مواني سوريا على البحر المتوسط.

3- المفترض أن يلحق بهذا السيناريو تدخل تحالف إقليمي لتطهير شرق سوريا، من الدواعش، وبسط سيطرة (نفوذ عملي) على شرقها، ليكون النفوذ من نصيب آل سعود!.

ما يخصنا!

4- ما يعنينا نحن كعرب، هو أن القبول بالتقسيم، تحت أي ظرف خيانة، وهزيمة لمشروع المقاومة جملة وتفصيلًا،.. وهنا يبرز سؤالين: أ) هل توافق إيران؟، ب) هل يقبل الأسد ويسمح حزب الله؟.

إجابة السؤال الأول: هو أن إيران ليست توجه واحد، فهي منقسمة بين "المحافظين والحرس الثوري"، من جهة، وهؤلاء الأكثر جدية في رفض المشاريع الغربية الرامية لتقسيم المنطقة، وهم الأكثر استعدادًا لمقارعة الطموح الغربي في أي مكان بالعالم وطبعًا في سوريا أكثر، وهم حملة الشعلة الثورية الخمينية التي تفضل الموت بكرامة على الحياة بمذلة (عقيدة الاستشهاد)، وجبهتهم هي المستهدفة حقيقة بالاتفاق النووي الأخير، بالضبط كما كانت مستهدفة في الثورة الملونة التي أججتها القوى المخابراتية الغربية في 2009؛ أما الجهة الأخرى، فهي الجناح الذي يثمله الرئيس "روحاني"، داخل إيران، ومثّله قبله "خاتمي وكروبي وموسوي"، وهو جناح شوفيني ساداتي بدرجة ما، غير معني بالتورط في القضايا خارج حدوده، ولديه نظرة استعلائية تجاه العرب تحديدًا، شعاره "إيران أولًا"، وأن التعاطي مع الغرب في قضايا متعددة والدخول بدرجة ما تحت عباءته لا يضر!، وأن رفاهية الحياة مطلوبة في حد ذاتها، وهذا الجناح لديه الاستعداد بكل أريحية للتخلي عن وحدة سوريا، بل عن نظام "الأسد" نفسه، ما دامت أمريكا قد تعاونت معه واقتسمت معه المنطقة (في العراق مثلًا)، أو وهبته وظيفة "الشاه" الملعون القديمة، كشرطي الخليج.

يذهب البعض إلى أن الجناح الثوري قد صار محاصرًا خاصة بعد الاتفاق النووي الأخير، وأن سلطة المرشد "آية الله خامنئي" لم تعد كما كانت، ويذهب آخرون إلى أن المحافظين، قد انخفض مستوى حضورهم، لكنهم لا يزالون ممسكين بعصب الدولة، وأن الخمينية لا تزال في السلطة ولم تتحول بعد إلى حركة معارضة جذرية ثورية مبدأية كـ"الناصرية" في الوطن العربي مثلًا، على كل ما سيجري في حال تم فعليًا الاتفاق، سيكشف لنا مدى قوة الجناح المحافظ (والذي نطمح أن يكون كبيرًا، حتى ولو وصل إلى الانقلاب على سلطة روحاني).. لكن هناك عامل آخر، سيسمح أو يحول دون ظهور قوة المحافظين في إيران.. وهو الذي يأتي في إجابة السؤال الثاني (هل تقبل سوريا؟ وهل يسمح حزب الله؟).

دعونا، مبدأيا نقر بأن القبول بتقسيم فيدرالي لسوريا، هو هزيمة، وأن النظام الذي يوقع على ذلك، سيحفر قبره بيده في جبّانة الخيانة، إلى جانب من وقعوا قبله على "كامب ديفيد ووادي عربه وأوسلو".. وهذا مهم أن نقره، خاصة في لحظات حرجة من ذلك النوع الذي نسمع فيه كلمات مثل (الظروف تحكم بهذا..)، و(الواقع يجبرنا على ذلك..)، وهي مبررات معسكر كامب ديفيد المرفوضة من أولها لآخرها، وهي التي تفضل الحياة بمذلة على الموت بكرامة، أو تقبل بالعطاء المادي الذي يجود به العدو، على المكسب المعنوي الذي تحظى به لو رفضت عطاءه وتمسكت بثوابتك.. ولكن كيف يقبل النظام السوري، بهذا!، وهو محاط بنظام معنوي (قبل أن يكون رسمي) في سوريا والوطن العربي، لا شك يمنعه حتى من التفكير في ذلك.. موافقته ليست راجعة فقط لهواه أو مدى صموده الذاتي، بل تعود بالأساس إلى أن موافقته تعني الهزيمة، وتحطيم الوزن المعنوي لسلطته، وخسارته قاعدته الجماهيرية ليس في سوريا وحدها بل في الوطن العربي كله بل في العالم الثالث أجمع.. ثم هل يقبل حزب الله؟، نجزم: أن ذلك هو المستحيل بعينه، حزب الله لديه قيم ومثل تحول بينه وبين التفكير (مجرد التفكير) في القبول، أما براجماتيًا فالموافقة، تعني انتهاء محور المقاومة تمامًا، بل وانتصار "إسرائيل" عمليًا.

ونبني، على صمود سوريا (في حالة وقع) ورفض حزب الله، بحسب تلك القراءة، إعاة قلب الموازين الدولية من جديد.. مثلا: 1) سيتقوى الجناح المحافظ داخل إيران بصمود سوريا، وسيحفزهم ذلك على التصدي لقوة المعتدلين النامية، 2) سيعرف العالم الصديق والعدو أن سوريا على استعداد لأن تقلب المنضدة وأن تذهب بالعالم كله إلى حرب عالمية جديدة، وهي تضع قدم على قدم بأريحية كاملة، وأن عليهم أن يحلوا مشاكلهم في أوكرانيا والعراق وخطوط الغاز، على غير الأرض السورية، وأن جنون النظام السوري ليس أقل من جنون محمد بن سلمان (حتى ولو استقوى بقنابله التي أشتراها من باكستان مؤخرًا.. يسقط بعضها على اليمن، ويلوح باستخدام أخرى)، الفارق أن الأول جنون في الحق نصره حتمي ولو بعد حين، والثاني جنون في الباطل ينهزم حتى لو انتصر.. كما قال الإمام علي بن أبي طالب "مَا ظَفِرَ مَنْ ظَفِرَ الْإِثْمُ بِهِ، وَالْغَالِبُ بِالشَّرِّ مَغْلُوبٌ"!.. ثم هل لنا أن نتساءل، ما الذي حينها يمكن أن يدافع عنه الجيش العربي السوري، بعقيدته القومية؟، هل يدافع عن "قطعة أرض"، وعن مصالح دولية وإقليمية؟، وهل يظل متخندقًا خلف الحدود المصطنعة والمنطقة قد اقتسمتها السعودية وإيران "روحاني".. بتخطيط أمريكي روسي (لاحظ أن روسيا هي الأخرى لديها جبهتين في الحكم!، صمود سوريا سيرفع أسهم الجناح المستعد اكثر لمواجهة أمريكا)؟؛ ما الذي يحول بين الجيش السوري وبين إشعال المنطقة كلها حتى في "تل ابيب" نفسها؟ وإن لم يفعلها فليست تلك سوريا ولا هذا جيشنا الأول؟.

على ماذا البكاء، بعد التقسيم؟!!!.

يبقى سؤال، وموجع، بعد هذا العرض.. أين مصر مما يحدث؟، وهل تقبل؟، وهل سيستمر الصمت والتحرك المحكوم بسقف المصالح السعودية؟، أم أن هناك كلام جديد قد يقال، في حالة اشتمت مصر رائحة الإعداد لتقسيم الإقليم الشمالي للجمهورية العربية المتحدة؟، أم أن حسني الظن يراهنون على الوهم الكامل؟!.

الخلاصة:

كلمة السر التي بيدها أن تضبط المسائل، صحت التكهنات أو خابت، هي: الصمود السوري، واستعداد النظام للتصعيد، والرهان على مبدأية وأصالة قضيته، والاعتماد على الشعب العربي، وحلفائه المبدأيين وفي مقدمتم "حزب الله".

* بقيت نقاط أخيرة، وجب لفت النظر إليها، حتى تكون القراءة أكثر موضوعية واتزانًا، محكومة بكونها مجرد قراءة أو تكهنات، وليست مبينة على معلومات يقينية:

1- هل تتدخل تركيا، عسكريًا، في حال تم منح الأكرد حكم ذاتي في شمالي سوريا، أليس هذا واردًا؟، وأليس محتملًا أن يكون هذا قد تم نقاشه في لقاء أوغلو بإيران، (نقطتنا التي انطلقنا منها في صدر الكلام)؟، هل سيترتب على هذا التدخل إفساد الطبخة دوليًا، خاصة أن الرفض الروسي لمثل تلك الخطوة، مؤكد؟، أم سيتم ابتلاع التجاوز التركي، والسماح لها "أمريكيًا" بتحصيل نصيبها من الكعكة؟.. وأين روسيا، في هذه الحالة، هل تعود لتشتبك من جديد؟!.

2- أليس السيناريو المفضل أكثر عند أنصار محور المقاومة، والذي دفعنا باتجاهه "شعبويًا"، نحن وغيرنا، في اللحظات الأولى بعد القرار الروسي بسحب القوات، كمحاولة لوقف نزيف الروح المعنوية.. له وجاهته في نقاط بعينها مثل أن:

أ- أن روسيا ليست قوة احتلال (وُجدت لتبقى)، لكنها دولة حليفة، تقاطعت مصالحها في (النفط، والعداء مع قوى التطرف، وعدم الرغبة في استفراد امريكا بالعالم، و...) مع مصالح سورية العربية.. لذا تدخلت لإنجاز مهام بعينها، وتدخلها المباشر منذ أواخر سبتمبر الماضي، قد وفر للجيش السوري، الفرصة الكاملة للتقدم البري.. واليوم روسيا، تعود لنقطة الدعم الأولى، وأنها لم تنسحب الكلية، فهي موجودة كسند دبلوماسي، وكمورد سلاح، وكقوة جوية في قاعدتي طرطوس وحميم، وكاستشارة عسكرية بالطبع.

ب- أن هناك معارضة في الداخل الروسي، تحشد ضد بوتين، باستخدام ورقة "أفغانستان".. وكيف أن الروس دفعوا ضريبة غالية لهذا التدخل في الثمانينات، زائد ما يشاع عن أن التدخل الروسي يكلف البلاد اقتصاديًا، (وهذا غير صحيح لأن التدخل في سوريا يلعب دوره في رفع كفاءة الجيش الروسي، كمناورات عملية.. إلى جانب أن الجيوش التي لا تخوض حروبًا تتعفن!).. المهم أن القيادة الروسية، لا بد أن تعادل وتوزان أمورها.. ولا بد أن نتفهم ذلك.

ج- أن الموضوع، يمثل من وجه ما، مصلحة لنا كعرب، لأن فيه تبرئة لساحة الجيش السوري، من أن يُنسب النصر لغيره، أو لغير حلفائه مثل "حزب الله".. يعني مع كامل التحية والشكر للحلفاء. أليس من المفترض أن نستفيد نحن من هذا القرار، لنقول: الروس دعمونا، وغادروا، ولهم حساباتهم.. نقدر ذلك.. وهذا يثبت أن لا أطماع لهم عندنا، بل هي فقط مصالح، وتبقى القضية تخصنا!.

* ألا يمكن أن نمزج بين هذا الخطاب الشعبوي، الذي لا يريد الانجرار المتسرع في اتجاه تخوين روسيا بالكلية والحط من معنويات معسكر المقاومة، وبين القراءة التي تحاول الغوص في الأحداث، وقراءة ما خفي؟

- نظنه ممكن، في حالة ركزنا على كلمة مفتاحية.. وهي "الصمود السوري" الذي كان قبل أن تتدخل روسيا، والذي من المفترض أن يبقى، أيًا ما كانت الطبخة الدولية.