قبل الانفجار: أزمة الذات الافتراضية وتحول آليات التواصل الاجتماعى

حاتم الجوهرى
2016 / 3 / 11

منذ بدايات هذا القرن (الألفية الثالثة) ومع الحركة الطلابية العربية (بمختلف شرائحها العمرية آنذاك) التى هبت لدعم الانتفاضة الفلسطينية الثانية (انتفاضة الأقصى)، اعتمد هذا الجيل على تقنيات شبكة الانترنت والتواصل الإلكترونى فى عمله وحركته، بداية من البريد الإلكترونى الخطوة الأولى، انتقالا للمجموعات البريدية (التى يهمل دورها البعض رغم أنها لعبت دورا مهما فى التواصل والحوار مهد لما بعدها)، ثم المنتديات التى كانت تتطلب إمكانيات أكثر، ثم مرحلة المدون (بلوجر)، إلى أن كانت طفرة آليات التواصل الاجتماعى "فيس بوك"وإلى جواره "اليوتيوب" و"سوند كلود" وغيرهما..

تغير "الميل العام" للافتراضيين:

لكن فى الآونة الأخيرة هناك ملاحظة علمية جعلتنى أتوقف عندها، مؤخرا لاحظت عدة ظواهر فى السلوك العام تجاه "المشاركات" و"أنماط التواصل" على "الفيس بوك".. لاحظت تغيرا عاما فى الميول والذى جعلنى أوصفه بالظاهرة هو تكراريته وشيوعه وتزامنه! تكراريته بين مجموعة كبيرة من المشاركين على "الفيس بوك" وتزامنه ورصده فى فترة زمنية متقاربة للغاية!
أعتقد أن الميل العام أو المزاج العام لـ"الوجود الافتراضى" العربى والمصرى تحديدا هذه الأيام، يحمل مؤشرات دالة ومهمة، أعتقد أن "مؤشر الوجود العام" ينذر بتحول ما فى الشخصية العربية!

تطور "الذات الافتراضية":

يبدو إن الوجود الافتراضى يطور من نفسه وينتقل من مرحلة التواصل والتفاعل كآلية، إلى مرحلة "الكينونة الافتراضية" أو "الذات الافتراضية"؛ التى لها متطلبات وسمات..! بمعنى أن الوجود الافتراضى لم يعد يكتفى بمجرد التواصل كآلية للتعبير والتفاعل.. بل يبدو أنه أصبح وجودا حقيقيا؛ ينتظر النتيجة والجدوى من وراء التواصل، وحينما يكتشف غياب الجدوى وعدم تحقق النتيجة، يبدو أنه سيشعر بالغضب، وقد نرى فعلا عكسيا..!
أعتقد أن هناك حالة هى الأولى على هذا المستوى على "الفيس بوك"، تنذر بموجة من الغضب ورد الفعل القوى.. تجاه فشل آليات التواصل وعدم تحقيقها لأهدافها.. بمعنى أدق إن "الذوات الافتراضية" ومشاركاتها عبر "التواصل الاجتماعى" تشعر بالغضب الشديد لعدم احترام أبنية المجتمع لها، ولما تقدمه لأٌنه قد أصبح لهذه المشاركات ذاكرة خاصة بها، وهذه المشاركات كونت "ذات افتراضية" تعبر عن صاحبها.. وهذه الذوات الافتراضية التى ارتبطت بالثورة وحلم التغيير تمر بحالة شديدة من الحزن والغضب، ولكن أعتقد انه ليس غضبا سلبيا أو اغترابا سلبيا، بل أعتقد أن تلك الحالة الاجتماعية الجديدة سوف تعبر عن نفسها قريبا واقعيا، فى أشكال للتعبير عن الغضب وإبداء الاعتراض على حالة العزلة بين المجتمع الافتراضى وبين تجاوب المجتمع الواقعى له.

غياب الاستجابة لمستوى شفافية ووضوح "الافتراضيين":

إن الشفافية والحوار والمصارحة وكتابة المواجهة والمكاشفة بتلك الدرجة التى أصبح عليها التواصل الافتراضى وارتباط ذلك بالثورة والطموحات؛ إن لم يتبعه التغيير فى الواقع أو حتى نوع من التغيير والأمل؛ سيسبب ذلك الصدمة والأزمة والغضب والشعور بالرغبة فى رد الاعتبار لتلك الذوات وذاكرتها وأحلامها! على العكس مما كان المجتمع عليه فى حالة من "المسكوت عنه" والصمت المطبق، والخضوع للأنماط السائدة من السلوك الرسمى فى العالم الواقعى العربى قبل "التواصل الاجتماعى" وظهور "الذات الافتراضية" التى أصبحت مشاركاتها الحالمة "ذاكرة افتراضية" مؤلمة بالنسبة لها .. تذكرها دائما بعبثية الوضع السياسى، وعدم احترامه لها!

"علم الاجتماع الافتراضى" وتوقع الظاهرة:

أفترض (كافتراض وفرضية علمية سيختبرها الواقع العملى) أن "الوجود الافتراضى" العربى، لابد سيطور من انعكاسه على الواقع، اعتقد أننا نرصد أولى عتبات "علم الاجتماع الافتراضى" الذى يطلق صفارات الإنذار.. بأن هناك تحت الردم ما يتشكل! كتابة المكاشفة والمواجهة والصراحة فى ظل الأمل والحلم والثورة.. فى ظنى ستمهد لحراك اجتماعى جماهيرى جديد.. لا أستطيع تحديد أشكال تمثله، لكن ذاكرة الذات الافتراضية ستظل كامنة حتى تعبر عن نفسها، لقد أصبحت بمثابة وعى خاص، وأصبح أفراد المجتمع الافتراضى يسبقون الخطاب السياسى الواقعى الرسمى بمراحل عدة! ولابد من تصحيح الانحراف فى التفاوت بينهما على مستوى درجة الوضوح والشفافية، والقدرة على مواجهة المشاكل والواقع واتخاذ الحلول..

"اغتراب افتراضى" سينتج فعلا واقعيا:

حالة الاغتراب الجماعى التى أصبح عليها "الوجود الافتراضى" العربى كما رصدت، ستؤدى لحالة من الاغتراب الإيجابى أو التحرك لتصحيح الانحراف بين الواقع والمفترض! قد يتأخر ذلك التحرك لأسباب واقعية ما، لكنه "كامن" وقابع فى ذاكرة اللاوعى الجمعية (وأيضا فى ذاكرة الوعى الافتراضية من خلال المشاركات التى تكتب على الصفحات).
فى هذه المرحلة كمهتمين بدراسة الظاهرة الإنسانية ومتخصصين فى العلوم الإنسانية بالمقام الأول يجب أن نعلن عن ميلاد "الوجود الافتراضى" للإنسان العربى.. ذلك المجال الذى بشرت به أفلام الخيال العلمى الغربية بطرق مختلفة، ولكن تشاء الظروف أننا كعرب طورنا من استخدامنا لـ"التواصل الاجتماعى" وارتبط عندنا بالحلم والثورة والتغيير (أنسنته)!

بشائر الدورة الحضارية: من الغرب للشرق

لنكون على ما يبدو أول من سيتبلور عنده ما يشبه "علم الاجتماعى الافتراضى" الذى يرتبط بتغير مفهوم استخدام "التقنية" وتحولها من أداة، إلى تحولها إلى "وجود فعلى افتراضى" للإنسان يؤثر فيه ويتأثر به..
يبدو أن التجربة العربية ستستعيد دورها الحضارى وتأنسن ما أنتجته الدورة الحضارية لأوربا! يبدو أن إرهاصة ما تتشكل، أوربا هضمت منجزات العرب المسلمين فى العصور الوسطى، وانطلقت منها لدورة حضارية خاصة بها! وها نحن الآن" نأنسن" المنتجات الجامدة للدورة الحضارية الأوربية، قد يظن البعض أن ذلك محض مبالغات، لكن عند وضع الأمر فى صورته الكلية، سنجد إن الثورة العربية الكبرى فى الألفية الجديدة، تصنع علاماتها بهدوء وعلى مهل، ولكن دون هوادة ودون استسلام كما يظن البعض.
وإذا قال البعض ذلك رصد فردى لعلاقة أفراد بالحضارة، يكون الرد عليه أن الحالة العربية تتحرك فيها المسألة من أسفل لأعلى، وان الثورة العربية لها خصوصيتها فى استعادة كيان "الفرد المقهور" عبر التاريخ، ذلك الفرد الذى سيصر بمرور الوقت على إن يكون هناك نظاما إنسانيا وحضاريا شاملا يعبر عنه وعن طموحه "المفترض".

الخلاصة:

يكون إيجاز البيان العلمى لتلك الظاهرة العربية الناشئة كالتالى:
ما هى الظاهرة: "تطور الذات الافتراضية".
متى نشأت بشكل تكرارى وشائع ومتزامن: فى الربع الأول من عام 2016.
أين رُصدت الظاهرة وبؤرتها الأولى: فى مصر.
مجال الظاهرة: الوجود الافتراضى وآليات التواصل الافتراضى عبر "الفيس بوك".
ما هو توصيف الظاهرة: تحول التواصل الاجتماعى من طبيعته كآلية للتواصل، إلى "ذات افتراضية" تتأثر بما تكتبه عبر فترات طويلة وتنتظر النتيجة وتشعر بأزمة "ذاكرتها الافتراضية"، وقد ينتقل الأمر لينشأ الغضب الجماعى كحالة عامة من الواقع الافتراضى، تنتقل للواقع الحقيقى، على عكس ما كان قديما، من اعتبا التواصل مجرد آلية.
ما هى أسباب نشأتها: عدم تجاوب البنية السياسية مع التغير المجتمعى الذى أصبحت عليه مشاركات "الفيس بوك" كأداة لقياس الرأى العام وعد الالتفات إلى ان هذه المشاركات وتراكمها، قد تحولت لما يشبه "الذات الافتراضية" االتى لها "ذاكرة افتراضية" تطاردها وأصبحت هى عالمها الحقيقى اكثر من العالم الواقعى الذى تعيش فيه, كيف يمكن قياسها واختبار فروضها: عبر المستقبل وتوقع ردات فعل غاضبة تعبر عن الفجوة بين "الذوات الافتراضية" و"الذات الواقعية".
التوصية: يجب العمل على جبر المسافة بين طموح وأحلام ومطالب "الذوات الافتراضية"، وبين واقع وأفعال ولغة خطاب "الذوات الواقعية" السياسية، لأن الانحراف فى العلاقة بينهما سيؤدى لرد فعل متفاوت فى القوة حتى يتم تصحيحه، وليس كما يعتقد البعض إن ترسيخ الفجوة وزيادتها، سيدفع الافتراضيين للهزيمة.. الافتراضيون سيكونون أكثر حدة وقسوة وحسما، بالقدر نفسه الذى هم عليه فى الصراحة والمواجهة والمكاشفة.