حكاية ( دير مواس ) وثورة شعب ضد الإنجليز عام 1919

محيي الدين ابراهيم
2016 / 3 / 11

بمناسبة ذكرى احتفال محافظة المنيا بعيدها القومي:
دكتور خليل ابو زيد .. ضحى بعلمه وماله في سبيل الوطن وأعدمه الإنجليز.
هل ضحى دكتور خليل أبو زيد بنفسه من أجل الإعلان عن جمهورية ( دير مواس ) ؟؟
بقلم: محيي الدين إبراهيم
ناقد وإعلامي مصري
كان ذلك عام 1910 حينما قرر العمدة أبو زيد عمدة دير مواس أن يرسل أبنه خليل ليدرس الزراعة في بلاد الإنجليز لقد اتفق هو والشيخ عبد الرازق في قرية أبو جورج بالبهنسا على ذلك، هو يرسل ابنه خليل لإنجلترا ليدرس الزراعة ويتعرف على ثقافة ( المحتل ) لعله يأتي ويشارك في جلاءهم عن البلاد وبعدها حين يأخذ الشيخ ( علي عبد الرازق ) شهادة العالمية من الأزهر في خلال عام على الأكثر يرسله الشيخ عبد الرازق ليلتقي مع خليل أبو زيد في انجلترا لدراسة الإقتصاد، كان رأي الأعيان والعمد في الصعيد أن أعظم سلاح للوطنية والحرية هو سلاح العلم، وغداً سيكون الدكتور خليل أبو زيد والشيخ علي عبد الرازق من أهم الشخصيات في مصر متسلحين بالعلم والمعرفة والوطنية لبناء هذا الوطن الكريم، لن نقف مكتوفي الأيدي أمام الإحتلال، لن نقف مكتوفي الأيدي أمام تقدم الوطن وإعلاء شأنه، وسافر خليل إلى إنجلترا في صيف عام 1910 على نفس المركب التي تحمل الطالب أحمد محمد أحمد حسانين باشا ذاهبة بهما لجامعة اوكسفورد حيث سيدرس خليل الزراعة.
قامت الحرب العالمية الأولى في 28 يوليو من عام 1914 قبل أن ينهي خليل أبو زيد دراسته بعام واحد أو ربما عامين، إنقطعت كل سبل السفر عبر البحر من وإلى مصر وأنجلترا، فقضى خليل أبو زيد كل سنوات الحرب في انجلترا قبل أن يعود لمصر في أواخر عام 1918.
لم يكد يمضي على وصول الدكتور خليل أبو زيد إلى مصر سوى أشهر معدودة على الأكثر حينما أعتقل الإنجليز في 8 مارس 1919 سعد زغلول ومرافقيه أحمد باشا الباسل ومحمد باشا محمود وإسماعيل صدقي وسينوت حنا ومكرم عبيد وفتح الله بركات وعاطف بركات وإرسالهم للمنفى، ثار الشعب المصري كله من شمال مصر لجنوبها ليس تضامناً مع سعد زغلول وأصحابه بقدر احساسهم بأن سعد زغلول هو رمز للمصريين جميعاً في رغبتهم للتحرر، وعليه كان سكان الصعيد وأهالي دير مواس على وجه الخصوص في طليعة هؤلاء الثوار الرافضين للانجليز والغاضبين لاعتقال سعد باشا ومن معه وهو الأمر الذي أشعل جذوة الحماسة عند خليل أبو زيد علي محمود سالم وابن عمه عبد الرحمن حسن علي محمود سالم بل وعائلتهما وأهل بلدهما جميعاً.
بعد صلاة عصر يوم الجمعة فوجئ العمدة أبو زيد بإبن أخيه عبد الرحمن يهرع إليه في المسجد ويعلمه بحضور جرجس بك حنا المحامي للسراية، كان جرجس حنا المحامي من أشهر المحامين في بندر أسيوط، وكان ثورياً وطنياً وكان خطيباً بليغاً، لا يخطب في الناس إلا ويلهب حماستهم، جاء جرجس حنا بناء على دعوة من الدكتور خليل أبو زيد، كان يعرف خليل أبو زيد معرفة جيدة ويعرف أيضاً أنه يدير جلسات وطنية مهمة في سرايا والده كل يوم بعد صلاة العشاء حول مقاومة الإنجليز وضرورة عودة سعد زغلول رغم أنه لم يزل عائداً من انجلترا حديثاً، لكن ظروف البلد وغضب الناس ووحشية الإنجليز واعتقال سعد دفعته لأن يعقد ندوات وطنية في دارة ويرفض قبول العمل كمدير زراعة في أسيوط في ظل الطاغية ( كوكسن باشا ) الإنجليزي الذي تتبعه كل الترع والقنوات، هذا الفاجر السكير الذي لا يفيق من غيبوبة سكره إلا حين يشتكي البشوات من سرقة الفلاحين لمياة الري وحينها يلحق ( كوكسن) بالفلاحين الخراب ويقطع عنهم المياه ، كان (كوكسن ) رمزاً للاحتلال الانجليزي بكل سلطويته وديكتاتوريته، لذا لن يقبل خليل أبو زيد وظيفة مدير زراعة حتى يرحل ( كوكسن ) هذا، بل لن يقبل الوظيفة حتى تنجلي غمة الإحتلال، لكن المدهش أن خليل أبو زيد لم يكن في ضميره ولا بأخلاقياته يعلم أن كلماته التي يقولها بحماسة للأعيان والفلاحين في ( سهراته ) ضد الإنجليز والاحتلال الإنجليزي يمكنها أن تدفع ( نور المراكبي ) لجريمة قتل، ( نور المراكبي ) الذي عانى من ظلم ( كوكسن )، قرر أن يقتله وحين مرت مركبه بجوار الكوبري أطلق عليه عيار خرطوش من البندقية الإنجليزي الذي سرقها من أحد الجنود الأستراليين فقتله، صارت الإشاعات في مديرية أسيوط وإلمنيا بأن موت ( كوكسن ) جاء بعد رجوع الدكتور خليل أبو زيد من انجلترا كرسالة من الفلاحين للإنجليز بأننا تخلصنا من مفتش الري الإنجليزي ونريد خليل أبو زيد ( المصري ) بدلاً عنه، وهو الأمر الذي أثار حفيظة بعض الباشوات الذين يعملون لصالح الأنجليز في أن يقوم بالإبلاغ عن أن المحرض على قتل كوكسن هو خليل أبو زيد نفسه، وعليه جاءت بناء على هذا البلاغ حملة كبيرة من رجال الشرطة وعساكر الهجانة ( السودانية ) بحثاً عن قاتل كوكسن وظلت أكثر من ثلاثة أيام تحقق مع عائلة أبوزيد فيما نسبته إليهم أقوال الباشا بشأن التحريض على قتل كوكسن، ولكنهم لم يجدوا دليلاً مادياً واحداً ضد خليل أبو زيد ولم يستطيعوا الحصول على أي معلومة فرحلوا ، بينما الباشا – عميل الإنجليز - أضمرها في صدره وتوعد بالثأر للباشا ( كوكسن ) من عائلة أبو زيد جميعاً.
كانت وجهة نظر جرجس حنا المحامي تتفق مع وجهة نظر خليل أبو زيد في أن تتضافر كل القوى الوطنية في الصعيد، وهو ما دفعة لقبول دعوة خليل لزيارته في دير مواس، كان رأي الدكتور خليل أبو زيد أن يسافر هو وجرجس حنا المحامي وابن عمه عبد الرحمن للقاهرة مع مجموعة من وجهاء الصعيد وأعيانه لعقر دار المندوب السامي الإنجليزي والمطالبة بعودة سعد باشا لمصر وكذلك سحب العساكر ( الهندوس ) الذين جلبتهم انجلترا من معسكراتها في الهند والسودان بعدما عاثوا في مدن وقرى الصعيد فساداً وصل بهم لتحويل قرى بأكملها إلى كوم تراب واغتصاب النساء فيها بدافع قمع الثورة.
هنا تبدأ حكاية وطن، حيث اتفق الجميع خليل أبو زيد ومن معه أن يلتقوا بأعيان بندر منفلوط للاجتماع التحضيري الذي سيتم اجراؤه في بندر ديروط قبل السفر للقاهرة ولقاء المندوب السامي، كان اجتماع ديروط هو الأهم حيث سيلتقي فيه كل عمد ومشايخ وأعيان وعرب منفلوط وديروط ودير مواس وملوي وأبو قرقاص، كانت أهمية ذلك الاجتماع تكمن في أن يتفق فيه الجميع على ورقة العمل التي سيتحاورون فيها مع المندوب السامي بالقاهرة.
وصلت للباشا – عميل الإنجليز – الذي لم يحضر الاجتماع أخباراً تفيد بأن هذا الاجتماع الشعبي في منفلوط ليلاً قد أثار حماسة الناس لدرجة أن الفلاحين صرخوا بالهتاف معلنين السفر لبندر ديروط لحضور الاجتماع الوطني مع اعيان الصعيد ضد الانجليز، فرأى الباشا أنه لا حل سوى تعطيل القطار الذاهب لديروط، وفي يوم الرجوع من منفلوط صباحاً لدير مواس خطب خليل أبو زيد في الناس أمام محطة قطار منفلوط فأثار حماستهم وغيرتهم الوطنية وألهبها، ثم خطب من بعده جرجس حنا المحامي ثم خطب عين أعيان منفلوط ومن بعده خطب عمدة ملوي ثم عبد الرحمن، كل منهم كان يخطب في جماعة وفي نفر من الناس، كان صياح الناس يملأ الأجواء، عشرات الآلاف احتشدوا أمام محطة قطار منفلوط، ثم دخل خليل أبو زيد بصحبة الأعيان لمحطة القطار متوجهين لرصيف المحطة ليستقلوا القطار، ووسط الزحام الشديد كأنه يوم الحشر، أعلن مستر ( فورد ) ناظر المحطة ( الإنجليزي ) بتعطل القطار المتجه لديروط.
قرر خليل أبو زيد ومن معه حين لم يجدوا حيلة أو حل لعطل القطار الذاهب لديروط أن ينتظروا قطار الإكسبريس القادم من الأقصر ليستقلونه إلى ديروط، لابد أن يتم اجتماع ديروط مهما كلف الأمر، كان عليهم الإنتظار لأكثر من ثلاث ساعات داخل المحطة، الأمر الذي جعل الخبر يتطاير كشظايا النار بين البيوت لتهب الناس من القرى والنجوع المجاورة بالمئات متوجهين لمحطة القطار تأييداً ودعماً لخليل أبو زيد ورجالة، احتشدت الناس وتوافدت حتى اصبح ميدان المحطة والمحطة نفسها ليسا فيهما موضعاً لقدم.
ظل خليل أبو زيد وابن عمه عبد الرحمن وجرجس حنا المحامي وعمدة منفلوط يخطبون في الناس حتى جاء قطار الإكسبريس في الساعة العاشرة، زحفت الناس بالمئات نحو عربات القطار تستقله على أمل حضور اجتماع ديروط، حتى أن سطح القطار لم يكن فيه شبراً واحداً ليجلس فيه رجل في حجم طفل، دخل خليل أبو زيد ومن معه القطار بصعوبة بالغة حتى أنهم هرعوا لعربة الطعام في القطار على أمل أن يجدوا فيها موضع قدم لهم حتى يصلوا ديروط، دخلوا عربة الطعام وكان آخرهم عمدة ملوي الذي أغلق باب العربة منعاً لزحف المتحمسين من الأهالي، وحينما استداروا داخل العربة وجدوا مالم يكن في حسبانهم على الإطلاق.
كان هناك ثمانية من الضباط الإنجليز في عربة الطعام يشهرون أسلحتهم في وجه خليل أبو زيد ومن معه وينظرون للموقف بأكمله بعين التوجس والريبة، شاحبي الوجوه وقد جزوا على نواجذهم وفي وضع الاستعداد لإطلاق الرصاص.
تحدث خليل أبو زيد للضباط الإنجليز بأن لايخافوا، فهم لم يستقلوا القطار ليقتلوهم، وبين المسافة من منفلوط وحتى ديروط تحدث معهم خليل أبو زيد كما كان يتحدث مع زملاءه الإنجليز في جامعة اوكسفورد عن ضرورة انهاء الاحتلال فوراً والافراج عن سعد زغلول بل وتحاور معهم عن حق مصر في أن تصبح جمهورية أو مملكة مستقلة تتمتع بما تتمتع به البلاد الحرة وقد عانت انجلترا في الحرب العظمى من فكرة استلاب حريتها ولكن بكفحها وكفاح الشعب الإنجليزي احرزوا الانتصار واستعادة حريتهم، لسنا أقل من الإنجليز.
لم يعجب هذا الكلام الكولونيل ( بوب ) وأخذ يتحدث باستعلاء وغطرسة مع خليل أبو زيد، هنا كان القطار قد وصل لمحطة ديروط وقد ملأ الغضب قلوب المصريين الجالسين في نفس العربة مع الإنجليز، حتى خليل أبو زيد نفسه كان غاضباً غضباً شديداً من ( بوب ) الضابط الإنجليزي.
كانت الجموع البشرية في محطة ديروط لا تقل زحاماً عن منفلوط في استقبال خليل أبو زيد ومن معه من أعيان الصعيد باللافتات والأعلام والهتاف لمصر وحين نزل خليل أبو زيد وأعيان الصعيد من القطار أخذتهم الناس بالأحضان بينما أعلنت صافرة المحطة بمغادرة قطار الإكسبريس محطة ديروط متوجهاً للقاهرة، وهنا قفز جرجس حنا مخاطباً في الناس بأن لايدعوا القطار يرحل، ثم نظر لخليل أبو زيد بينما ذهب ( عرفة الأشول ) وكان فلاح بسيط ممن آمنوا بأفكار خليل أبو زيد عن الحرية والاستقلال لغرفة قيادة القطار وسحب السائق الإنجليزي ومساعدة بالقوة خارج مقصورة القيادة، كانت الناس تنظر لخليل أبو زيد وهو يخطب في الناس بأن المصريين سيحصلون على حريتهم رغم أنف الإنجليز، سيحصلون على الحرية رغم أنف ملكة الإنجليز ذاتها، في هذه اللحظة صاح عبد الرحمن من شدة الغضب ومن شدة ما رآه من استعلاء كولونيل ( بوب ) بعربة الطعام في الجموع المحتشده أثناء خطاب خليل ابو زيد بأن المصريين يهتفون منذ زمن ولكن بلا أفعال ثورية حقيقية على أرض الواقع، يا أهل مصر عليكم أن تفعلوا اليوم ماكان يجب عليكم فعله منذ زمن فهاهو القطار يجلس فيه قائد انجليزي سليط اللسان لايريد لمصر خيراً، وقبل أن يكمل عبد الرحمن حديثه للجموع المحتشدة من حوله ونظراً لإيمان الناس بهؤلاء الرجال الذين رأوا فيهم رمزاً ونوراً للحرية والإستقلال هب الناس مندفعين صائحين لعربة الطعام بالقطار محاولين الفتك بالضباط الإنجليز، في هذه اللحظة كان ( عرفة ) أول من ترك مكانه قرب عربة القيادة مهرولا لعربة الطعام للثأر من الضباط الإنجليز، كانت الفلاحين تهرول في كل مكان تحاول الفتك بالضباط الأنجليز، كان الفلاحين فوق رصيف المحطة وعلى قضبان السكة وفوق القطار وتحت القطار، وهنا قفز السائق الإنجليزي إلى غرفة قيادة القطار وتحرك بالقطار في طريق ذهابه للقاهرة، فدهس العشرات وتمزقت أجساد العشرات من الفلاحين تحت عجلاته والمدهش أن في تطاير الأشلاء وبحار الدم التي مازال ( يفرمها ) القطار ( فرماً ) لم تنهزم عزيمة المصريين من الصعود للقطار والفتك بالضباط الأنجليز الذين لم تنفعهم أسلحتهم، وحين وصل القطار دير مواس كانت جموع الغاضبين قد قتلت كل الضباط الإنجليز ومزقتهم تمزيقاً عنيفاً، وتوقف القطار في دير مواس حيث ( خلع ) الفلاحون قضبان السكة الحديد لمنع وصول أي قطارات محملة بعساكر انجليز، وأخذوا ينقلون جثث الضباط من شبابيك القطار ومن بينها جثة بوب الضابط الإنجليزي وألقوها على الأرض، وأخذوا يهتفون: تحيا مصر، يحيا سعد، يسقط الإنجليز وكان ذلك في يوم 18 مارس 1919.
قبل أن يحل صباح اليوم التالي كانت دير مواس عبارة عن ثكنة عسكرية مملوءة بكل أنواع العساكر ، وقبل أن يحل مساء ذلك اليوم كان هناك ثلاثمائة وثلاثة وستون رجلاً قد تم ترحيلهم لسجن أسيوط العمومي من دير مواس فقط وعلى رأسهم الدكتور خليل أبو زيد وعبد الرحمن أبن عمه بتهمة التحريض ضد حكومة الملكة والعصيان المدني والإرهاب وقلب نظام الحكم والقتل العمد للضباط الإنجليز.
تم إعدام دكتور خليل أبو زيد وعبد الرحمن ابن عمه في يوم 17 يونيو 1919 الساعة السادسة صباحاً مع 47 مصرياً في سجن اسيوط العمومي، حيث أقام الأنجليز خمسون مشنقة في صفوف متراصة داخل ساحة السجن وأعدموا الجميع على المشانق في لحظة واحدة، وتم دفن 34 من هؤلاء الشهداء في مقبرة جماعية بينما تم تسليم جثة الشهيد الدكتور خليل أبو زيد وإبن عمه عبد الرحمن لأسرتيهما ليتم دفنهما بمدافن العائلة وتم مصادرة أملاكهما، المدهش أن خليل وابن عمه عبد الرحمن ولدا معاً في يوم واحد عام 1888 وتم إعدامها معاً في يوم واحد عام 1919، وعرفانا بجميل هؤلاء الثوار أصبحت تلك الحادثة النبيلة الوطنية عيداً قومياً لمحافظة المنيا.