الأرض، الحرية والديمقراطية 6

امال الحسين
2016 / 3 / 10

زاوية تكركوست، واجه أخرى لاستعباد الإنسان، موازية لسلطة الكلاوي بتالوين، في خدمة الإستعمار، لم يعرف الفقيه، العالم بعلوم عصره، سي محند أبراهيم، أن الزاوية ستصير جحيما، جحيم تعذيب المستعبدين، عائلات، من أصل إفريقي، عائلات، تباع وتشترى، في خدمة العائلة المالكة، خدمة الزاوية، عائلة شيخ الزاوية، أناس كسلاء، لا يعملون، لا ينتجون، عائلات تتلقى الهدايا، تأكل، تشرب، تنام، تستيقظ، تستعبد عائلات.

في الصباح الباكر، مع طلوع الفجر، تستيقظ "تدر"، تنام بفضاء يفصل دار الزاوية والزريبة، شبه بيت، يحتوي على حصير، غطاء من شعر الماعز، أدوات فلاحية : المحراث الخشبي، العتلة، الفأس، المناجل، القفف، الشواري، البردعة، الحمار، مربوط قرب الباب، تنام "تدر"، زوجها "إدر"، أبناهما الثلاثة، بجواره بيت ثاني، به ثبن، كومة حطب. "تدر"، إمرأة ببشرة سوداء، إفريقية الأصل، تقف، تهنهن، تخاطب "إدر"، لسانها أمازيغي، لكنة إفريقية، تحمل بعض الحطب، حطب غابة تكركوست، تكانت ن تكركوست، بالأمس جمعته بالغابة، حملته إلى الزاوية، على ظهرها كالعربة، تسرع إلى المطبخ "أنوال"، المطبخ التقليدي، تشعل النار، في التنور، تسخن الماء، للطعام والوضوء، "إدار" يدخل "أنوال"، يحمل المقراج، يضعه بالمياضي، مكان الوضوء، ماء ساخن، ينقر باب بيت نوم الشيخ، بهدوء، نعم سيدي، ماء الوضوء، ينتظر خروج الشيخ، صباح الخير سيدي، يدخل بيت السيد، يجمع الأفرشة، زرابي ووزكيطية، أغطية من صوف الغنم، من حرير صيني، من قطن مصري، يفتح النوافذ، تطل على مزارع الزاوية، ينثر العطور بالبيت، يهيء مكان الصلاة، يتوضأ الشيخ، يخرج من المياضي، "إدار" يردد، صباح الخير نعم سيدي، الشيخ يدخل البيت، يصلي، يستغفر، تسبيحات، تسبيحات، على الطريقة التجانية، الورد بيده، يحرك شفتاه ..

"إدر"، يهيء طاولة الفطور للشيخ، "أزكيف"، صباح لخير، نعم سيدي، يتناول الشيخ الطعام، بشره، بنخوة، بنشوة، يقف "إدر" ينتظر، أوامر السيد، شيخ الزاوية، عن حال الزاوية، عن حال المزارع، عن المنتوج والغلال، عن حصيلة الزيارات، "تربعيين"، عبارة عن هدايا، زرع، مواشي .. يحملها زوار الزاوية، يقدمونها للشيخ، يتبركون بها، يطلبون البركة، الشفاء ..

"تدر"، تحمل قفة كبيرة، على ظهرها، تسرع نحو جنان الزاوية، لتخفيف معاناتها، تطلق ألحانا شجية، أغاني أمازيغية، بصوت خفيف، شجي : السلام عليك سيدي الشيخ .. في قصرك أنت مريح .. "تدر" في خدمتك سيدي .. إلى الغابةتحمل الحطب .. إلى الجنان تحمل العشب .. للمواشي والحمار بالزريبة.. حتى المواشي في انتظاري ! ترجع المسكينة، على ظهرها حمولة العربة، في الزريبة، تنتظر المواشي، البقرة، الغنم، الماعز، الحمار، الدجاج، الكلب، القطط، الكل ينتظر خدمات "تدر".

الشيخ يخرج، يجب "تدر"، هيأ له مكان الفسحة، خارج البيت، يطل على المزارع الفسيحة، يقدم له الشاي واللوز المقلي، نعم سيدي، يقبل يده، نعم سيدي، ينحني أمامه، يسأله الشيخ، عن حال المزارع، عن الإنتاج، نعم سيدي، المياه وافرة، الخيرات ناضجة، الشعير، الفواكه الصيفية، حل موسم الحصاد، يعطي الشيخ أوامره اليومية، نعم سيدي، ينطلق "إدر" كعادته، يدخل الزريبة، يحل قيد الحمار، يحمل عتاد الحصاد، يدق منازل جيرانه، كلهم من أصل إفريقي، مستعبدين، تنطلق النساء إلى الحصاد، تويزي، المزارع الأولى في الحصاد، هي مزارع الزاوية، مزارع "أفرا"، معطاء، ماء الساقية وافرة، كلهن نساء مستعبدات، فقيرات، خادمات الشيخ وعائلته، نعم سيدي، نعم للا، يكدحن، بدون أجر، يعشن في أكواخ، حياة المواشي، يلبسن، يأكلن، يشربن، أكلهن من بقايا أكل نساء الزاوية، يعملن بالمنازل والمزارع.

قضى "إدر"، يوم عمل شاق، ينقل الحصاد، من مزارع أفرا إلى نادر الشيخ أحمد، شيخ الزاوية، الطاغية، يجلس الشيخ بمنزله، تكمي نزدار، بمدخل المنزل، أغكمي، دا همو بجانبه، يتربع، الصينية أمامه، الماء يفور من فوهة المقراج، يعد الشاي للشيخ، يحكي له نكات حول المستعبدين، يضحك الشيخ، من ألقابهم، من حكاياتهم، حكايات مصطنعة، في المساء، بعد صلاة العصر، تناول الشيخ الكسكس، اللبن، يخرج، يتفقد حصاد الشعير بالنادر، هذه السنة، معطاء، يردد دا همو، "إ‘در" ينحني أمام الشيخ، نعم سيدي، يعطي الشيخ أوامر، نعم سيدي، غدا درس الشعير، "إدر" يجري، يدق منازل المستعبدين، عبارة عن أكواخ، بعض أدوات الطبخ، حصير، أغطية من شعر الماعز، أدوات الفلاحة، الحمير تسكن معهم، حتى الحمير في ملكية الشيخ، يرعاها المستعبدون، موعدنا غدا، نادر شيخ الزاوية، في الصباح الباكر، المستعبدون والحمير، مجهزون، من الطقوس السنوية، موسم الدرس، الشيخ يريدها أن تكون جاهزة هذا اليوم، الدرس، فصل الشعير عن التبن، الشعير للزاوية، الثبن للحمير، جمع المحصول السنوي، كل المستعبدين يشتغلون، الخادمات بالزاوية، إعداد الطعام، طعام ليس كطعام الشيخ، طعام الخدم بالنادر، الكل يعمل، يجمع المحصول، ينقل الأكياس، على ظهور الحمير، يتجنبون قلق الشيخ أحمد، يرهبهم، يعذبهم، بسبب تافه، عندما لا يرضيه عمل أحدهم، يعطي أوامره، جلده، في أسوأ الأحوال، حتى الموت.

"تدر"، إمرأة بلون الزيتون الناضج، ترتدي ملحفا أسود، على رأسها ثوب أسود، فقط أسنانها تلمع، بياض ناصع، يديها محجرة، العمل الشاق، بالغابة، بالمزارع، يديها قويتان، طبيعة العمل الشاق، فقدت يديها أنوثتهما، الطبيعة أعطت يديهما شكلا آخر، صفة الرجل، كل النساء المستعبدات بالزاوية، كلهن في صفة الرجال، بالمطبخ، بالزريبة، بالمزرعة، بالغابة، معاناة، تعب، تحقير، إهانة.

تجلس "تدر، على الأرض، سيدة البيت، زوجة شيخ الزاوية، نعم للا، عائلة الزاوية تجتمع، في "أسراك"، فسحة وسط المنزل، مفتوحة على الهواء، غير مسقفة، السيدة، في مرح، في هزل، بعد تناول الفطور، في استهزاء من "تدر"، تحكي عن جدة "تدر"، قصصا خرافية، تهينها، تضحك العائلة، هزل العائلة المالكة، إستهزاء من المستعبدات، "تدر"، بأسايس، مكان إقامة رقصة أحواش، بعد الحصاد والدرس، جمع المحصول والغلال، تعم الفرحة بالزاوية، حتى المستعبدين والمستعبدات، يعبرون عن فرحتهم، إن لم يفعلوا يغضب الشيخ، تنزل العقوبة على رؤوسهم، التعذيب، الجلد.

سيدة البيت تأمر، "تدر" تستجيب، نعم للا، تحت طلب سيدة البيت، تقام ليلة أحواش، في "أسايس"، مكان فسيح أمام دار الزاوية، نساء الزاوية يجلسن بسطح الدار، السطح يطل على "أسايس"، بعد وجبة العشاء، يقام أحواش، تعبر "تدر" عن أنوثتها، تلبس ثيابا خاصة بالأفراح، ملحاف أبيض، "قضيب" أحمر، حذاء أصفر "إدوكان"، كل المستعبدات يلبسن هذا اللون، "تدر" ونساء أخريات مستعبدات، في خدمة الزاوية، في خدمة عائلات الشيخ الممتدة، في أناقة، في فرجة، في فرحة الزاوية، يحمل الرجال، المستعبدون، الطبول، البنادر، النار مشتعلة، تسخين الطبول والبنادر، ترقص النساء، على ألحان شجية، رقيقة، صوت الأنوثة، يعلو، أغاني مدح، مدح الشيخ، مدح سيدة البيت، الفرح بوفرة المحصول، الغلال، رغم العبودية، الفن يبرز، بقوته، بطبعه، بتعدد مصادره، الإفريقية، الأمازيغية، العربية ..

الشيخ أحمد، شيخ الزاوية، حاكم البلدة، يجلس على كرسيه الذهبي، أمامه ورد الغنباز والإحبق، في إناء كبير، يحمل بنديرا، يدق بلطف، الشيخ يشاركهم أحواش، تتناوب الراقصات أمامه، تقديرا، إحتراما، طاعة، خوفا، بطشه مخيف، كل الأنظار تتجه نحوه، بجانبه دا همو، جالس على الحصير، الشيخ في نخوة، نشوة الفرح، كل المستعبدين في خدمته، في أحواش رموز الإستعباد، يتقدم الليل، يغادر الشيخ المكان، يستمر أحواش إلى طلوع الفجر، يوم جديد من المعاناة يحل، إلى المطبخ، إلى الغابة، إلى المزارع، نعم سيدي، نعم للا .. تستمر الحياة، وتستمر العبودية، على جماجم المستعبدين.

زاوية تكركوست، وجه آخر، المتعة، الفرح، الموسيقى، تعددت الثقافات، الأمازيغية، الإفريقية، العربية، فصل الصيف، فصل المواسم، كناوة، عساوة، الرما، أحواش، موسم الزيارة، زيارة الزاوية، كل طائفة تحتفل بموسمها، كل مناطق إسكتان، تصغي، تنتظر، أخبار مواسم تكركوست، في شهر غشت، شيخ الزاوية، حاكم تكركوست، يتحكم في كل شيء، يوقع على تواريخ المواسم، كناوة، مستعبدو الزاوية، ينتظرون موسم الحصاد بشغف كبير، مجموعة، تحمل الطبول، القراقش، تجوب دواوير إسكتان، تجمع نصيبها من الغلال، الشعير، اللوز، الدجاج، الماعز .. السكر والدراهم. في يوم الخميس، من شهر غشت، تخرج الطائفة، رجالا، نساء، أطفالا، تضرب الطبول، القراقيش، ترفع الأعلام، ألوان مختلفة، تساق البقرة، أمام المسير، حتى البقرة لها طقوسها، تزين بألوانها، على نغمات كناوة، يسير الجميع، من الزاوية إلى مكان الذبح، شجرة ذات أشواك، فصيلة الشوكيات، يدور حولها الجميع، دورات عدة، تنسل السكاكين، يبدو أن البقرة، مع كثرة الدوران، ضرب الطبول، تحريك القراقيش، كل ذلك يؤثر عليها، تفشل، تنهار قوتها، تركع عند أول محاولة لإسقاطها، تسقط، يذبحها شيخ كناوة، يتسابق الكناويون، يشربون جرعات من دم البقرة، يلتميون الشفاء، البركة، دعاء الشيخ.

الجزار، معاونوه، يحملون البقرة بعيدا، إلى الجنان، بعيدا من صوت الطبول والقراقيش، البخور مشتعلة، العطور تفوح، يبدأ الحفل، رقصة كناوة، شيقة، نغماتها قوية، ألحانها، نغماتها، كلماتها، مزيج من الأمازيغية والإفريقية والعربية، تختلف ألحانها، حسب الحضرة، تتأثر النساء، كل حسب حضرها، الجن، مالكها، الذي مسها، ترى النساء، يفقدن وعيهن، صرخات، هنا وهناك، يضربن بأيديهن، يسقطن عند يتغير اللحن، مزيج من الفن، السحر، الخرافة، العقد النفسية، معاناة العبودية، شيخ كناوة يحظى بمكانة بالزاوية، ورث المشيخة، عن جده، مستعبد، إشتراه شيخ الزاوية، منذ قرون، حمل معه ثقافة إفريقيا، حولها زمان القهر إلى موسم كناوة، بالزاوية، نساء عائلة الزاوية، محجبات، لا يخرجن في موكب الذبيحة، حفل اليوم الأول يقام بعيدا عنهن، ينتظرن فرجة اليوم الثاني بشغف، يستمر حفل الذبيحة، تتخلله الزيارات، الشعير، اللوز، السكر، الدجاج .. كل حسب ما وعد للشيخ سرا، عندما يقع شخص في ورطة، أزمة، يستغيث، يطلب العون من شيخ كناوة، الشيخ الوهم، السري، لا يرى، معه دائما، في حركاته، في سكناته، في نومه، في أحلامه، يستعين به، يعده بهدية، ذبيحه، مال، غلة .. يحملها، في اليوم الأول أو الثاني أو الثالث، من موسم كناوة، يزور الشيخ، يطلب دعاءه، قضاء حاجاته، لما كان طفلا، حمله أبوه على ظهره، إلى موسم كناوة، لأول مرة يزور، يوضع الطفل على أحد الطبول، يصرخ على نغمات الضرب على الطبول، هكذا يكون ضمن طائفة كناوة، يحمله أبوه كل موسم، يزور، يتبرك، يقدم الهدية، يرث هذه العادة عن أبيه، يورثها لأطفاله.

يتبع