المحرّض.. رسالة وفنًا وعلمًا

مصطفى مجدي الجمال
2016 / 3 / 6

البعض يقشعر من كلمة "محرض" ومن مهمة "التحريض". والسبب أن التراث الثقيل للدعاية الرجعية دأب على أن يقرن التحريض بالتآمر والفوضوية وسوء الغرض، إلى حد تجريمه قانونًا باستغلال السيولة والاشتباك اللفظي غير المحلول حتى الآن في كلمة "تحريض"، في حين أن التحريض الثوري هو حلقة مهمة ودائمة ومتطورة وتقدمية أبدًا في الربط بين الوعي النظري التاريخي والتحليل السياسي الموضوعي والحركات الجماهيرية العامة والجزئية..

وبما أنه يقال إن مصر قد مرت بثورتين خلال عدة شهور، فليس العمل الثوري في إطارهما مجرمًا على الإطلاق، و"التحريض" هنا يدخل في سياق هاتين الثورتين من أجل استكمال إنجاز أهدافهما، والحيلولة دون النكوص والارتداد، وهو خطر بادٍ ومحقق. أي أن المعني بـ "التحريض" هنا هو توعية وتنظيم الجمهور من أجل الحفاظ على ثورتيه.

ويزعم الكاتب أن لدينا في مصر عددًا هائلاً من المحرضين (كثيرون منهم موهوبون ومخلصون وواعون بشكل عام) أما نتائج التحريض فتتفاوت حسب المرحلة والمحرض والخطاب..

كان المحرض في الماضي محرضًا عضويًا، أي أنه كان جزءًا لا يتجزأ من المجتمع الصغير الذي ينشط فيه، وحتى عندما كانت الأحزاب الثورية في العالم ترسل محرضيها (المحترفين) إلى المواقع الملتهبة أو البؤر الممثلة للتناقض الرئيسي المراد العمل عليه، فإن جهودهم كانت لا تثمر إلا بعد فترة يكونون فيها قد أصبحوا موضوعيًا وذاتيًا من أعضاء الجماعة الفعليين والمعترف بهم كقادة ميدانيين.

مع ثورة الاتصالات أصبح المحرض في الغالب عابرًا للجماعات، وأقرب إلى العموميات، ونادرًا ما ينجح في ربط الهم الخاص بالعام، والأخطر ألا تتأثر درجة "سخونته" بظروف المد والجزر في الحركة الجماهيرية والميل النفسي- الاجتماعي الراهن.

ولعل هذا يأخذ المحرض (أو من يتصور نفسه هكذا) إلى تصور خاطئ بأنه هو القائد الحقيقي والوحيد للجماهير في ميدانه، ناهيك عن حزبه السياسي، فلا يشعر أنه بحاجة إلى فكر أو برنامج أو تكتيك، قدر حاجته المتصورة إلى الفصاحة والقدرة على "مرمطة العدو" وإخراج مشاعر الإباء والإقدام عند الجمهور.,الخ.

من ثم يظن البعض أن أكثر ما يحتاجه هو تقنية السخرية الدائمة والحط من شأن الخصم، واستخلاص المواقف الكلية جبرًا من شواهد جزئية قد تكون ضعيفة أو غير مؤكدة أو ليست مُسبَّبة موضوعيًا بما يكفي، إلى جانب ترداد العبارات الثورية المأثورة وربما عقد المقارنات التاريخية والمكانية والثقافية المتعسفة، أو حتى التردي في التقريع المتواصل للجمهور متهمًا إياه بالتخاذل والجبن، وحتى الموت..

ويكاد المحرض يقتل تحريضه بنفسه إذا تخلى عن المنظور الطبقي والتاريخي لكل واقعة وظرف، حين ينغمس في مناكفات صورية وتضخيم للسلبيات يصعب الاقتناع به، أو تلميع مبالغ فيه لحركات وشخصيات هامشية أو غير موثوقة..

أما أخطر صور التحريض فذلك غير المرتبط بخط سياسي محدد لجماعة متبلورة، لأن التحريض هنا يخضع أساسًا لرغبات الفرد (ولا نقول نزواته) وحساباته الخاطئة.. وقد يكون المحرض الفرد شخصية ذات نفوذ واسع، ومن ثم يزداد إعجابه بذاته وقدراته وتأثيره، وربما يدفع الجمهور إلى مواجهات غير محسوبة تكون نتيجتها المزيد من الإحباط للطرفين (للجمهور ومحرضه).

ولعل هذا يرتبط ارتباطًا قويًا بظاهرة الانفراط التنظيمي، بل عدم قابلية أعداد كبيرة من الثوريين للتنظيم والالتزام، بحجج مختلفة تبدأ من ترجيح "التنظيم الشبكي" وتنتهي بالتشكيك في التنظيمات القائمة. وتظل الحكمة تتحدى مواقف كهذه، وهي أنه لا نتائج حاسمة لمجموع أنشطة فردية ما لم يتم تأطيرها ونظمها في كيانات قادرة على إلهام الجمهور الأوسع.

أكتفي بهذا وأنتقل إلى بعض الشروط التي أظنها واجبة في المحرض ولازمة لنجاحه..

(1) أهمية الاقتناع الصادق بأن التغيير الثوري عملية تاريخية طويلة الأمد، ومهما كان دور "النخب" الثورية وفعاليتها، فإن قلب الواقع الموضوعي الظالم والأفكار الرجعية المتفشية لن يكفيه الترويج للرموز مهما كانت شعبيتها، أو سلاطة اللسان وعنف اللغة، وإنما الأهم هو التوعية بالوقع الموضوعي الملموس، والأسباب الحقيقة للفساد فيه، والإنارة بالبدائل الممكنة، وبناء ثقة الجمهور في نفسه وتنظيماته المستقلة.

(2) أهم معايير نجاح التحريض أن يخلق فعاليات حركية وأشكالاً تنظيمية ديمقراطية قاعدية. وبالتالي يجب أن يكون واضحًا أبدًا ما هي الفعاليات والأشكال المستهدف بلوغها. وبالطبع هذه بالأساس مهمة القيادة السياسية الواعية، والتي يجب أيضًا أن يدخل في تقديراتها لكل الأوضاع: المدخلات الآتية من معلومات وانطباعات القواعد المنغمسة وسط الجمهور.

(3) على الأحزاب والجماعات السياسية الأدنى تنظيمًا أن تبلور أولاً بأول تقييمها لحالة الصراع في الواقع، وتناقضاته الرئيسية والثانوية، وأشكال النضال والتنظيم المتاحة، ومدى الوعي (بكل أنواعه) لدى الجمهور المستهدف، ويجب أن تكون هذه التقديرات واضحة لكل أعضاء الحزب حتى لا يتورطون في تهور أو تقصير.

(4) على قيادة الحزب أن تحسن اختيار كوادرها الأساسية، وتصعيدهم ديمقراطيًا، مع التحديد الدقيق لتخصصاتهم، فالبعض قد يصلح للعمل التنظيمي الداخلي المحض، والبعض قد يأتي للحزب محملاً بمواهب فطرية أو خبرات سابقة وسط الجمهور المعنِيّ، ربما يمكن للحزب نفسه التعلم منها. والأهم هو أن يُعطى اهتمام خاص لتثقيف المحرضين بما يتناسب ووعيهم والمهام النوعية المنتظرة منهم. ومن أهم أهداف هذا التثقيف النظري والسياسي والخبروي: التغلب على النزعات الفردية في العمل والتي يمكن أن تسبب أضرارًا للحزب جراء النزق أو التخاذل على السواء.

(5) قد ينضم العضو للحزب إعجابًا بـ "أيديولوجيته"، لكن عليه أن يعلم أن الجمهور ليس مطالبًا بأن يتبناها.. أي أن التحريض يجب ألا يدخل المتلقي في تناقضات فكرية لا تشغله- في الآن على الأقل- ويجب أن يكون الاهتمام الأساسي هو كشف جماعية المظالم المباشرة، وفضح المستفيدين منها على المستويات المباشرة وغير المباشرة، والتأكيد على ضرورة التحرك المنظم.

(6) لا يجوز للحزب (المنظم بمقتضى تعريفه) أن يترك العضو المحرض دون إكسابه المهارات والفنيات الضرورية، وبعضها يتعلق بالدراية بالسيكلوجية الاجتماعية والبعض الآخر بتقنيات المعلومات والاتصال، وخاصة وسائل التواصل والإعلام الاجتماعي الحديث التي أثبتت فعالية نسبية حتى الآن في مواجهة الإعلام الجماهيري الحديث وخاصة الفضائيات.

(7) ربما تكون بعض الوسائل الإعلامية التقليدية (مناشير، مطويات، كراسات، مجلات وصحف مطبوعة..) قد فقدت الآن الكثير من فعالياتها، لكنها مازالت قادرة على التأثير خاصة في مجتمع غير متطور.. ومن ثم لا يمكن إهمالها، ويمكن تعويض النقص في تأثيرها بالتركيز على المضمون والأسلوب السهل والمحترم والمفيد في آن.

(8) إزاء النفوذ الكاسح للفضائيات الحكومية والخاصة والأجنبية لا بد للحزب الطموح أن يفكر من الآن في دعوات للاكتتاب الشعبي لكي يكون له، بالاشتراك مع أحزاب وجماعات أخرى، قناته الخاصة خلال مدة زمنية معقولة (3 سنوات مثلاً) ولا ضير مطلقًا في أن تكون البدايات متواضعة لأن مضمون الرسالة الإعلامية هو الكفيل بالترويج للقناة نفسها حتى تصبح مستدامة.

(9) يتصور بعض المحرضين أن عليهم الرد على كل شيء يقال، فيقتربون من ذهنية وأسلوب عمل "مرصد" الانتهاكات.. ورغم الأهمية الرمزية التي تتمتع بها قضايا صغيرة إلا أنه من المهم اتباع تكتيك التركيز على القضايا الرئيسية، وعمل حملات متكاملة ومتنوعة حولها، وما أصعب أن ينهك الشاب الثوري نفسه في التفرغ لكتابة تعليقات يومية عديدة على كل شيء، لأن هذا يشتته قبل أن يشتت الجمهور، وربما يشككه في نزاهة الكاتب ويرى فيه تحيزًا وتحاملاً غير موضوعي، ناهيك عن فكرة أن الأجهزة المعادية قد تبدع وتساعد في خلق قضية جانبية كل يوم للإلهاء، وساعتها يتحول الثوري إلى معلق على الأحداث لا أكثر.

(10) أقوى أنواع التحريض كما أسلفنا هي تلك المتماسة مع مشكلات مباشرة، وهي تزداد قوة إذا كانت اللغة المستخدمة من لغة الناس وحكمتهم، وأيضًا إذا كانت المبادرات الحركية المقترحة مستقاة من مبادرات صغيرة على الأرض وتطويرًا لها.

(11) يتصور البعض أن التحريض الثوري يعني الإيغال في الشتائم والإسفاف والتلميحات التي يأنف منها المجتمع أو على الأصح الطبقات المنوي مخاطبتها. فليس الإمعان في هذا المستوى دليلاً على الثورية، لأن الثورية ترتبط بجذرية الطرح ومعقوليته وقابليته للتنفيذ، وليس بمثل هذه القشور المستهجنة. وأخص بالذكر هنا ضرورة عدم الاصطدام المباشر بما تراه بعض قطاعات المجتمع مقدسات لها، ويجب تذكر أن الواقع الموضوعي يجب أن يتغير أولاً حتى يمكن الغلب على كل الكوابح الفكرية الرجعية.

(12) لكل عمل ثوري حلفاؤه المرحليون والاستراتيجيون.. ولا مانع من نقد الحلفاء بأساليب ولغات متفاوتة، لكن مع التزام حد أدنى من الصداقة والزمالة والرفاقية، لأن الخروج عن هذا يعني الحط من الصورة العامة للحركة الثورية، فضلاً عن تشجيع الملاسنات والمناكفات إلى حد تشتيت الجهود بسبب الخلافات الذاتية المضخمة.

(13) الاهتمام بالشعارات والصور والرموز لأنها تترك انطباعًا سريعًا في ذهن الجمهور، خاصة إذا كانت شديدة الدلالة ومقرونة بالبدائل والمقارنات المعقولة.

(14) لا ينفصل التحريض عن شخصية المحرض. فالجمهور لا يقتنع بالشخص كقائد إلا إذا كان مثالاً طيبًا، في حياته وعمله ودراسته ونشاطه، للأفكار التي يفترض فيها النبل والإيثار والنظافة. وإذا لم يكن المحرض في مقدمة الصفوف عند التحرك فإن يحكم على نفسه وفكرته بالضياع.

(15) إذا تقدم الحزب والمحرض للتركيز على مشكلة أو قضية خاصة، فمن الواجب الإلمام المعقول بتفصيلاتها حتى تكون الحلول البديلة عملية، وحتى لا تتعرض لهجوم مضاد ينفذ من بين ثغراته. ويتوقف الأمر هنا على مدى قدرة المحرض على البحث والتحليل، وإن كان من واجب المكاتب الحزبية ومجالس الأمناء أن تتصدى بالدراسات اللازمة لذلك.

(16) ليعلم الحزب ومحرضوه الذين لا يقدمون للجمهور البديل المقنع على مستوى السياسة والحركة والقيادات أن جهودهم كلها ستذروها الرياح لمصلحة انتهازيين يجيدون الوثب على جهود الآخرين. ومن المفهوم أنك يمكن أن تقدم بديلاً مؤقتًا لإيقاف التدهور والهجوم المضاد في قضية محددة، لكن لا يجوز في الوقت نفسه التنازل عن شعارات بعيدة المدى تتناول الحل الجذري للقضية، فنحن لا نتعامل مع الوعي الجزئي الإصلاحي وحده، وإنما نعمل في الوقت نفسه على بناء الوعي المستقبلي الجذري.

(17) إذا لم نقم بتقييم أنشطتنا بعقلية موضوعية نقدية وجدلية دون مبالغة في جلد الذات أو الرضا غير المبرر عنها، ستكون هذه روشتة مجانية لتكرار الأخطاء والحماقات دون تبصر. وربما قد نحتاج إلى نقد الذات بكب شجاعة وأريحية أمام الجمهور نفسه إذا اكتشفنا أننا ارتكبنا أخطاء لا تمحى من ذهن المواطنين بسهولة. حينئذ ستكون إخفاقاتنا هي المعلم لنا، ولن نقنع بالتغني بالنجاحات، وأننا سنلاقي الله مرتاحي الضمير.