الأرض، الحرية والديمقراطية 4

امال الحسين
2016 / 3 / 2

في 1915، توقف الكلاوي بإوزيون، بالأطلس الصغير، ملتقى وديان : تالوين، أسكاون، تفنوت. بمركز إوزيون، حددها مركزا تابعا لسلطته القادمة بتالوين، بلدة أكدز، مسقط رأس سي محمد، من عائلة عريقة، تحصل علوم عصره، زار المشرق، أسرة عريقة، ضاربة في جذور التاريخ بإوزيون، الفلاحة والتجارة والعلم، سي محمد يتنقل كثيرا، يقول سي لحسن إبنه : يحب الحرية، الإطلاع على ثقافة الآخرين. معنى أن يحج المرء في عصره : يقطع مسافات، مشيا على الأقدام، موكب القوافل، آلاف الكلمترات، في الطريق، يتوقف بالأزهر، مركز العلم والمعرفة، لجأ إليه بن خلدون، لما ضاق به الأمر بالمغرب، رفض الدواوين، البلاط، اختار صفوف الجماهير، الفلاحين والتجار، نشر المقدمة، إطلع سي محمد على أعماله، علوم عصره : الشريعة، الأدب، التاريخ، الفلسفة، المنطق، الرياضيات، الفلك .. تشبع بالمعرفة والحرية.

جده الخامس، سي محمد كان تاجرا، يحكي عنه أبوه إدار، كيف فقد كل تجارته، عاد إلى بلدته أكدز، يستقر بها، تعاطى للفلاحة، الفلاحة تضمن الإستقرار، تعفي المرء من عناء التنقل، قطاع الطرق، اللصوص، التاجر يعيش مخاطر طيلة حياته. روايات سي إدار تقول : "سي على"، رجل جاء من المشرق، استقر بواحة تفلالت، طريق قوافل التجار، من سجلماس إلى فاس وتلمسان، يبحث عن موقع سلطة بمراكش، قوافل التجارة، تستهويه، يتعاقبها، يبحث عن مكان، بين التجار. بعد تفكير عميق، قال : لما لا أقدم خدمة للتجار المساكين، تتعرض قوافلهم للسرقة، للأبتزاز، جمع مجموعة من الرجال، في خيمة، أقامها بموقع استراحة القوافل. في الخريف، أثناء وصول التجار، قوافلهم محمول، عرض عليهم خدماته، هذه المجموعة من الرجال الأشداء، قادرة على مطاردة اللصوص، علمتهم الرماية، مجموعة من الرماة، قامات طويلة، أجسام صلبة، متينة، عتيدة، قال "سي على" : يا سي محمد ! لقد جهزت لكم رجال الأمن، لا أريد منكم إلا معروفا قليلا، كسوة، طعام، شراب، خيمة للغرباء، نحميكم، نحمي تجارتكم.
لقد أبهر "سي على" التجار، قطاع الطرق اختفوا، طريق التجار مؤمنة، حيلة فقط، خطرت بباله، استدرج اللصوص، يوظف اللصوص، يعلمهم كتاب الله، يدربهم على القنص، الرماية، يصبحون جنودا. أسس "سيد على" عصابته، في أول الأمر، بحسن نيته، يؤمن الطريق للتجار الصحراويين، صنهاجة الملثمين، كسب ثقتهم، بنى زاوية، يتلو فيها ذكر الله، تضاعف عدد جنوده، أصبحوا فيلقا، لفرط ثقة التجار، وضعوا لديه كل أموالهم، بنى بيت مال، يخرج الزكاة، يحج الفقراء بزاويته، بنى مدرسة للطلاب : القرآن والرماية.

إشتد ساعد "سي علي"، بنى حصنا، جنوده يجوبون الواحات، الفيافي والقفار، حطت القوافل كعادتها، بعد صيف حار، تجمع التجار بقصر الزاوية، حطت القوافل حمولتها، كانت متنوعة، التمر، الحناء، الريحان، الشعير، الذرة، اللوز، أواني الفضة والذهب .. يحمل التجار للزبناء جميع الأغراض. في رحلة خريفية، عرض عليهم "سي علي" إقامة سوق بزاويته، رفض التجار عرضه، إقامة سوق بالخلاء ؟ هي فقط مكيدة، سببا للسيطرة على قوافلهم، تمكن "سيد على" من جميع أموال التجار، الآن كل سلعهم بيده، طرد التجار من قصره، تفرقوا خفي حنين، تاركين وراءهم جميع أموالهم وسلعهم وإبلهم، وزع "سي علي" بعض الأموال والسلع على جنوده، إشترى الجياد، الإمازيغية الأصيلة، الأسلحة، ملأ بيت المال، بنى دولته، دولة القبيلة، هاجم القبائل المجاورة، استولى على أراضيها، سمح لهم باصطحاب مواشيهم فقط، حتى تكون سببا في نزاعهم مع القبائل المجاورة، يشتد النزاع، القتال، يتدخل "سي على" لفض النزاعات، يطرد القبائل، يستغل الجواري، يحتل الأراضي، يملك ثروة، جيشا جرارا .. بنى دولة قطاع الطرق، دولة العبيد والجواري.

منذ تلك الحادثة، رفضت عائلة سي محمد ممارسة التجارة، سي إدار، يكره سلطة قطاع الطرق، كان يوصي ابنه سي محمد : إياك والتقرب من السلطة ! إن أساسها قطاع الطرق، لقد فقد جدنا سي محمد كل أمواله، سرقت منه، فعلها "سي علي".

سي محمد، الفقيه، الإمام، المعلم، يعمل بوصية أبيه، يرفض لقاء الكلاوي بمراكش، يرفض ولاءه، لا يذكره في خطبة الجمعة، استقر بمدرسة أمزميز، بلدة قريبة من مراكش، من 1907 إلى 1912، بجبال الأطلس الكبير، بين الفجاج، تتدفق بها مياه بحيرة إفني، في جهة الشمال لجبل توبقال، أدرار ندرن. مياه فضية متدفقة، سلسبيلا، لما دخل الشيخ أحمد الهيبة مراكش في 1912، حضر سي محمد حفل ولائه، تنعم بكرم الشيخ، السلطان، ملك في مملكته، كل الفقهاء الأحرار، حجوا إلى مراكش، يساندون الثورة ضد الإستعمار، يلتمسون بركة الشيخ الثائر، أقاموا اليالي : الصلوات والأدعية .. يأتي التغيير دائما من الجنوب، هذا ما تعلمه سي محمد من أبيه سي إدار.

بعد اقتراب موكب الشيخ أحمد الهيبة من مراكش، حمل سي محمد سلاحه، للجهاد ضد الإستعمار، في سبيل حرية البلاد، كان سلاحه "بوشفر"، لا يفارقه، يضعه بزاوية "أخربيش"، مكان تلقين الطلبة العلم، يجلس يعطي الدروس، يرفض سلطة قطاع الطرق، حاقد على الكلاوي، كم كانت نشوته، لما حل الشيخ أحمد الهيبة بمراكش، خلع الكلاوي !

جمع سي محمد متاعه في الحين، منح الطلبة الصغار عطلة "تكا"، صاحب معه الطلب الكبار، حمل سلاحه، يتبعه الطلبة، تقدم أمام الشيخ أحمد الهيبة، أنا من جندك، في الصفوف الأولى، أقاتل الكفار.

أمر الشيخ أحمد الهيبة قائد جيشه، سلم سي محمد عتاد الحرب، إلتحق بصفوف الجيش، كان قناصا ماهرا، ورث من أجداده هواية الصيد، الأمازيغ صيادون بطبعهم، أثناء رحلاتهم بجبال الأطلس، الصحراء، لا يفارقهم السلاح، الغابات والواحات، موطن الأسود والفهود، الذئاب والثعالب، الخنازير، الغزلان .. كان سي محمد يستمتع بروايات أبيه عن جده سي محمد، عن رحلات أجداده في الأطلس والصحراء، قوافل التجارة التي يترأسها جده الخامس، من الصحراء إلى تارودانت، من سجلماس إلى فاس، تلمسان، يركبون مخاطر الطرق، لصوص القوافل، ضاعت كل أمواله، سرقها "سي علي"، سيد دولة قطاع الطرق.

إنهزم الشيخ أحمد الهيبة أمام قوة الإستعمار الفرنسي، موقع سيدي بوعثمان، كان نحسا على الثورة، كل أحرار الجنوب منكسرون، ينتصر الكفار على المسلمين، لم يفهم الثوار بعد قوانين لعبة الحرب الجديدة، في دولة القبيلة، دولة قطاع الطرق، كانت الحرب عفوية، رغم شراسة المقاتلين، الأمازيغ، الشجاعة، الإقدام، الجرأة، التضحية، كل هذه الصفات، لم تصمد أمام قوة الإستعمار، لا الصلوات، لا الأدعية، لا بركة الشيخ، كل هذه المقومات، الأخلاق، لم تصمد أمام السلاح المتطور، إستراتيجية الحرب الجديدة، دولة القبيلة أمام دولة البرجوازية، معادلة متناقضة، بين عقلية القبائل المتناحرة، بين تحكانت وتكزولت، ضاعت ثورة الشيخ أحمد الهيبة، الكلاوي، الكندافي، أتباعهما، مع جانب الإستعمار، كل هذه التناقضات، أسقطت السلطان أحمد الهيبة من عرشه.
رجع سي محمد إلى بلدة زوجته، "أنزال" بسوس، بجبال الأطلس الكبير، على مشارف تزي نتاست، استقر بمدرستها، يعطي الدروس، يقيم الصلوات، يزور "أكدز"، مسقط رأسه بإوزيون، يخرج مساء، على ظهر بغله، حاملا سلاحه، يدخل ليلا، يزور العائلة، أبوه، أمه، يخرخ قبل الفجر، يتسلق جبال الأطلس الكبير، كان الكلاوي يتربص به، أرسل وراءه جواسيس، يريد رأسه بأي ثمن، في صيف 1915 يموت أبوه، لم يتمكن من حضور جنازته، في ذلك الصيف، كان موكب الكلاوي على مشارف إوزيون، في طريقه إلى احتلال تالوين، القضاء على تمرد سي محند، إنقطع سي محمد عن زيارة بلدته أكدز كثيرا، تمت مصادرة جميع أراضيه، كان مبحوثا عنه، أخوه عمر ذو شخصية ضعيفة، لم يستطع الصمود أمام طغيان قائد أولوز، خليفة الكلاوي بإوزيون، سلم كل ممتلكات أخيه سي محمد للأعداء، خوفا على حياته.

سي محمد، يعيش الآن غريبا عن مسقط رأسه، لا يفارق السلاح "بوشفر"، في نومه، بالبيت، بالمسجد، بالمدرسة، في كل مكان، ينتظر الموت في كل حين.

يأتيه الموت، لكن بشكل مفاجيء، من الأيادي التي لم ينتظر منها ذلك، من أقربائه، يضعون السم في طعامه، عند زيارة بلدته "أكدز"، بعد غياب طويل، تناول الطعام، بيض، زيت زيتون، خبز شعير، خرج من الدار، توجه إلى المقبرة، ترحم على قبر أبيه ليلا، إنطلق عبر الجبال إلى المدرسة، إشتد عليه الألم، في تلك الليلة، من لييالي الشتاء، زوجته لم تر النوم، بيض الغدر، كان آخر طعام تناوله، في الفجر لفض أنفاسه الأخيرة .. توفي سي محمد شهما، واقفا كالشجر، ترك أربعة أطفال صغار، ذكر وثلاث إنات.

يتبع