الأرض، الحرية والديمقراطية 3

امال الحسين
2016 / 2 / 29

في 1912 وقع التهامي الكلاوي، الباشا السابق لمراكش، الذي خلعه الشيخ أحمد الهيبة بعد دخوله مراكش، باعتباره خائنا، وقع مع الإستعمار اتفاقية التعاون ضد ثورة أحمد الهيبة.
بعد القضاء على ثورة الجنوب، تم تعيين التهامي الكلاوي باشا مراكش من طرف الإستعمار.

في 1915، موكب التهامي الكلاوي يعبر جبال الأطلس الكبير، في اتجاه قلب جبال الأطلس الصغير، من مراكش إلى تالوين. الموكب تتقدمه سيارته الملكية، من نوع رونو، فاخرة، هدية المقيم العسكري اليوطي، جزاء على إخلاصه للإستعمار الفرنسي، ضد مقاومة الفلاحين بالجنوب، وفاء للقضاء على ثورة الشيخ أحمد الهيبة بسوس أولا، من أجل وقف تمرد الشيخ سي محند بتالوين ثانيا.

إستكمل الكلاوي مثلث سلطته، مراكش ـ تالوين ـ ورزازات، تأمين طريق الإستعمار من أكادير إلى ورزازات، الوصول إلى مناجم الذهب والفضة بجبال صغرو، معقل صمود المقاومة، جبل بوكافر، إلى حدود 1934، مناجم إميضر، تعرف اليوم احتجاجات الفلاحات والفلاحين، إستمرار الإستعمار بشكل جديد.

موكب التهامي الكلاوي، يعبر جبال الأطلس الكبير، أدرار ن درن، من إمليل إلى بحيرة إفني، يحط الموكب بتفنوت، على قدم جبل توبقال، معقل الفقيه سيدي إفني، تقول الروايات المتداولة بين السكان : سيدي إفني ساكن البحيرة، سلطان الجن.

مياه بحيرة إفني، الوفيرة، سلسبيلا، إستهوت عقول الناس البسطاء، إهتزت العقلية الخرافية للأمازيغ الأقدمين، إهتزاز الأرض لبركان توبقال، هم يتداولون : كان سيدي إفني يحضر الجن، يقيم ببحيرة إفني. بحيرة عميقة، تضرب في أعماق جذور جبل توبقال، أدرار ن درن، تعانق مياه الأطلسي، على إيقاع هدير بركان توبقال، لفضت الأرض حممها، تصنع سدا لمياه البحيرة، فتح البركان فواهات، في أرض عميقة، في قدم توبقال، تخرج المياه من أعماق الأرض، تنتفض، تنساب، على طول فجاج الجبال، بالوديان المخترقة لسلاسل الأطلس الكبير، لتغمر وادي سوس، يعم الخصب بسهل سوس.

توقف موكب التهامي الكلاوي، على مشارف بحيرة إفني، يستحضر روايات الفقيه سيدي إفني، يتقمص شخصيته الخرافية، إدماج الخرافة بالواقع، ترجمتها بشكل مادي، في عصر مناقض لعصر الفقيه، في تناقض المصالح بين الفلاحين والإقطاع، يبعث روح الفقيه من جديد، على إيقاع نغمات الإستعمار، الفقيه حاكم الجن، الكلاوي حاكم الإنس، إدماج الإنس والجن، السلطة والدين، الواقع والخيال.

يقول الكلاويفي خطابه للفلاحين : أرسلني سيدي إفني، حاكما عليكم، أطيعوني، أعبدوني، أنا قائدكم الأعلى .. أستغلكم، أحميكم، أنتم جنودي.

تأمل التهامي مياه الفجاج، الفضية، المتلألئة، يقف في ملتقى الوديان، أمسوزارت، سواقي أيت إكران، الفلاحون الفقراء، على قدم سد البحيرة، تحت بقايا حمم بركان توبقال الباردة، أدرار ن درن، مازال يقذف رماده، باستمرار، من أعلى فوق رؤوس الفلاحين المعزولين، جميع الفلاحين مسلحين، بوشفر جزء من ثقافتهم، يطل الفلاحون المسلحون من على قمم الجبال : "إسك نغري". على طويل هذه القمم "أسكاون"، يتم إشعال النار، إنذارا بقدوم الأعداء، اليوم، العدو بينهم، الكل حائر، الكل ينتظر، العسكريون مرابطون بهذه القمم.

التهامي الكلاوي، الخائن، بينهم، يخطب : أنا جئتكم اليوم، أبشركم، بخبر سيدي إفني، عن الحرية، الديمقراطية، العدل، المساواة، أحمل وثيقة الحماية، على فواهات المدافع، بيدي اليمنى بندقية، بيدي اليسرى رسالة سيدي إفني. أبني لكم مقر حكم عادل، أحميكم من النصارى، أنا حاكمكم، باسم أرسلي إليكم الفقيه سيدي إفني، أحمل رسالته، آمر بالمعروف، أنهى عن المنكر.

صيف تلك السنة معطاء، في الصيف الوفير، تقيم الفلاحات حفلات أحواش ليلا، على نغمات أصوات الأمازيغية، إيقاع البنادر والطبول، بأيادي الفلاحين. من نغمات تويزي، جمع المحصول الزراعي، بالمزارع والغابات، إلى رقصات أحواش بالنوادر ليلا. حتى الرعاة يحضرون هذا الحفل، يتركون الغنم والماعز بالعزيب "إفغلن"، في المناطق الفسيحة الممتدة بأعالي الجبال "أكدال"، موطن الأسود والفهود الأطلسية، الذئاب والثعالب، الضباع والخنازير، الظباء والغزلان، المهاء ..

بعد تناول العشاء، خبز السعير، العسل والسمن، كؤوس الشاي، كسكس الشعير، لبن البقر، التين والعنب .. يقام الحفل، أحواش العازبات، موشحات رؤوسهن بحلي من الفضة، ورد الغنباز وعبيق الإحبق، لباسهن ألوان زاهية، حذاء ناعم "إدوكان"، على أرجلهن، يرقصن، برشاقة فائقة الفتاة، على نغمات الطموح، بناء أسرة، أم لأطفال. كل فتاة، تبرز في صف أحواش، أنوثتها، قدرتها على الخصوبة، على مسؤولية البيت، في وسط صف أحواش، جميعهن على قامة واحدة، الصغيرات يتعلمن أحواش، في جانبي الصف، فتيات بجمال الأمازيغية، في رشاقة، كسبنها من الطبيعة، طبيعة المنطقة الخضراء، المياه الفضية المتدفقة، من أعلى الجبل، أدرار ن درن، إلى طلوع الفجر، احتفالا بموسم صيف معطاء، الفتيان يتراقبون، شطحات الفتيات، أصواتهن الملائكية، عندما يبلغ الفتى أشده، يعبر عن قوته، يخرج لصيد الأسود والفهود، يقتحم الغابات، يحمل السلاح، خمل السلاح جزء من ثقافة الأمازيغ بالأطلس.

الصيف يحمل معه خيرات الطبيعة، الشعير، اللوز، الكركاع، الحليب، اللبن، الجبن، العسل، أركان .. خيرات طبيعية، تداعبها أيدي الفلاحات الفقيرات، أيادي أنيقة، يقدمنها أطعمة لذيذة، لأفراد العائلة والضيوف، للضيف مكانة عالية في ثقافة الأمازيغ .. بعد ليلة بيضاء، قضاها الجميع مع نغمات أحواش، النساء يتوجهن إلى المطبخ "أنوال"، إعداد الفطور "أزكيف" للرجال والأطفال، تتسابق الفتيات إلى المزارع، يرجعن قبل اشتداد أشعة الشمس الصيفية، فتيات عازبات، إلى مزارع، للمواشي، الأبقار وصغار الغنم والماعز، حق على المرأة الفلاحة، يحملن العشب الأخضر، إلى الزريبة، على ظهورهن كالعربات، يسرن مجموعات، على إيقاع نغمات ألحان أمازيغية سجية حينا، فرحة أحيانا، هي نشوة الحياة الطبيعية ببوادي بلادي.

رغم كل هذا العناء، القهر، التهميش، تسري في عروقهن، نشوة الحياة الطبيعية، الخالية من الإصطناع، بدمائهن الزكية، بعرق جبينهن، على سواعدهن، يعشن، يلدن، يرضعن، يربين، أطفالهن، على قيم : التعاون، التضامن "تيويزي"، الإخلاص للجماعة .. في أفراح الزواج، الميلاد، الأعياد، يلتمسن معنى الحياة، الطبيعة، البراءة، التلقائية، الإختلاط البريء، من أجل بناء أسرة، كل أبواب المنازل مفتوحة، كل المنازل ترحب بالقادمين، من العائلة، الأقارب، الأصدقاء، الضيوف، الغرباء، الجميع له مكان، في قلب العائلة الأمازيغية، قلوب مفتوحة، رحبة، ثقافة أمازيغية، حرية طبيعية، الأمازيغ أحرار بطبعهم .. جاء الإستعمار، تفقد كل هذه المصطلحات معانيها الطبيعية.

لم يستسغ الخائن الكلاوي طبيعة أمازيغ تفنوت، هم أحرار فيبلدهم، لم تستهويه ثقافة الحرية، إنما طبيعتها الخلابة فقط، هي كل شيء يراه، بعين الحقد، بجشع المستعمر، حتى رقصة أحواش، لم تستهويه نغمات نسائية ملائكية، تحت أصوات خرير المياه المتدفقة، سلسبيلا، إنما استغلالهن، جواري في قصره.

وقف الكلاوي، بساحة أسراك مركز تفنوت، يعلن إخضاع بلدة الفقيه سيدي إفني، طريقه إلى احتلال تالوين. قضى التهامي الكلاوي ليلة أحواش، يفكر في إخضاع الشيخ سي محند، يرتشف كؤوس الشاي، يتناول اللوز المقلي، العسل والسمن، خبز الشعير .. كل هذه الخيرات الطبيعية، من طبيعة تفنوت، لم تستهويه، إنما هدفه الذي يشغل باله هو إخضاع تالوين، القضاء على تمرد سي محند بتالوين، إستكمال خريطة استعمار الجنوب، قضى ليلته يفكر في هذا الأمر.
في الصباح، بعد تناول الفطور "أزكيف"، أعطى أوامره بعد تنصيب خليفته على تفنوت :

بناء مقر حكمه بأسراك ن تفنوت : قصبة صغيرة.
تعيين أعوانه إمخزنين لفرض سلطته على المنطقة.

سار الموكب في اتجاه تالوين، توقف الموكب بإوزيون، منطقة إستراتيجية بجبال الأطلس الصغير، مطلة على سهل سوس، إعلن إخضاع المنطقة، يهدد نفوذ الدردوري بأولوز، استقبله الشيخ الدردوري الحاج، أقام له استقبالا ملكيا، حفاظا على موقعه في السلطة، على نغمات رقصات العبيد "إسمكان"، تعبيرا على سيادة العبودية بأولوز، تم توقيع اتفاقية التعاون للقضاء على تمرد الشيخ سي محند بتالوين.

في طريقه إلى "إسكتان" توقف ب"أكني"، الشيخ إبراهيم يقدم ولاءه : التعاون ضد المتمرد الشيخ سي محند بتالوين.

يتبع