الأرض، الحرية والديمقراطية 2

امال الحسين
2016 / 2 / 25

في نهاية القرن 19 عاش المغرب عدة ثورات، بعد انهيار دولة القبيلة العلوية، نشط حكم شيوخ القبائل في الأطلس الصغير، ونشطت الصراعات بين القبائل، فريقان، تاحكانت وتاكوزولت، شبه حزبين متصارعين، تفرق الشيوخ إلى فريقين، حاول أحمد الهيبة توحيدها، لم يستطع. كان دا أحمد قائدا عسكريا، طويل القامة، قوي البنية، ينحدر أجداده من قبائل صنهاجة الملثمين، القادمين من الصحراء، إحكان، كانوا يتعاطون التجارة، إستقروا بقرية دو توريرت، ثالث إخوته، الحاج محمد يتعاطا التجارة التي ورثها عن أجداده، يتنقل في دواوير الأطلس، حماد يمارس الفلاحة بقريته، مستقر بالدوار،.

إعتزل دا أحمد العمل العسكري، رفض سيطرة الكلاوي، سلم السلاح للكلاوي، فضل الفلاحة على الخضوع، شهامة الرجل، لا معنى لها، بعد فقدان قائد القبيلة، الرافض للإستعمار. بعد القضاء على ثورة أحمد الهيبة، غزا الكلاوي تالوين، مركز سلطة قبائل سكتانة، آخر معقل المقاومة بسوس العليا. تحالف الشيوخ الخونة ضد الشيخ سي محند، قاهر الكلاوي، لم يفهم الشيخ عبد الرحمان معنى الإستقلال، فتح الباب للإستعمار، الطريق إلى صغرو، درعة، حدود الجزائر المقاومة. الوضول إلى خيرات ورزازات : بوزار، البليدة، إميني، إميضر .. الكوبالط، المنغنيز، الذهب، الفضة، النحاس ..

تم اعتقال سي محند، الشيخ الشهم، تم احتلال قلعة تالوين ! كل الآذان صاغية، حائرة، تردد، ذهب سي محند ؟ ذهبت قوة القبيلة ؟ يملك الشيخ 60 سلوكيا، عند خروجه للصيد، تهتز الجبال، الأشجار ترتعش، مياه وادي زاكموزن تولول، ذهب الشهم، أخباره، أسراره، مصيره، قبره ..

رفض دا أحمد الخضوع للكلاوي، وضع سلاحه، رجع إلى بلدته، يساعد الفلاحين على تنظيم نوبات مياه السقي، كان صارما، ديمقراطيا، محترم من طرف الفلاحين، كان الناس يستمتعون بحكاياته، حكاياته حول الحركة، يحكي مغامراته العسكرية، هو عصر من كوموندو الشيخ الشهم، لا يهاب الموت، كان شعاره، المثل الشعبي الصحراوي : من يركب الجمال لا يهاب الكلاب.

الحركة عنصر أساسي لحسم السلطة، قوة شيخ القبيلة، في صراعه مع باقي شيوخ القبائل ، قبل تنظيم الحركة، حسم السلطة، يقوم كوموندو الشيخ باختراق قلعة الشيخ المستهدف، يتم ذلك ليلا. دا احمد عنصر أساسي في كوموندو الشيخ سي محند، جيش جرار .. رغم وجود مدرسة عتيقة بالبلدة، العسكريون لا وقت لهم لتلاوة القرآن، الإستماع إلى الأحاديث، مهمتهم الأساسية حراسة القلعة، حماية شيخ القبيلة، توفير شروط السيطرة على السلطة، إخضاع باقي القبائل.

قلعة تالوين، مركز سلطة إسكتان، هدف الشيخ سي محند، جهز كوموندو من خيرات عسكره، دا أحمد أحد أقوياء الكوموندو. في ليلة من ليالي الصيف، اخترق كوموندو قلعة تالوين، تسلق الجميع حائط القلعة، حط الجميع على سطحها، كانت الجواري منشورات بالسطح، أحد أفراد الكوموندو، دا مبارك، يجر مسدسه : بوشفر، يشير إلى جارية استيقظت من النوم، حذره دا احمد، إنتبه، إلتزم الهدوء، لا ترتكب هذه الحماقة، إنها خائفة، أتركها هي فقط جارية.

أسرع جميع العسكريين إلى مغادرة القلعة، لقد سرقنا الشيخ عبد الرحمان ! يردد العسكريون.

في الصباح، استقبل الشيخ سي محند الكوموندو، دا احمد يردد، لقد سرقنا قلعة الشيخ عبد الرحمان، اخترقنا القلعة، وصلنا إلى سطحها، لو لا استيقاظ جارية لجلبنا معنا بعض الأدوات. إرتاح الشيخ لجرأتهم، شعر بعنفوان القائد الناجح. أعطى أوامره لأعداد العدة، الحركة قادمة لا محال، أمر خادمه أحمد عبد الرحمان : حفل شاي على شرف الكوموندو. جهز الخادم الصينية الفضية، المذهبة، المرصعة ببراد فضي مذهب، إثنا عشر كأسا من البلار، الماء يفور من فواهة البابور النحاسي الفضي، حبوب الشاي الصيني، السكر، النعناع، واللوز البلدي المقلي، في حصن من فاروزي.

كل أواني الشيخ من الفضة والذهب والنحاس، أقام الخادم أحمد عبد الرحمان الشاي، ناول الشيخ أول كؤوس الإنتصار، استمع الشيخ إلى مغامرات دا أحمد مع الكومندو، كان شيقا في الحكي، يحترمه الشيخ، يتق فيه.

كانت تلك الجارية نحسا يقول دا احمد، كاد دا مبارك أن يرتكب حماقة، جر مسدسه بوشفر بسرعة فائق، هي فقط جارية مسكينة، فهمت جدا أننا نحن، الكوموندو، صمت، صمتها يدل على عدم رضاها على وضع القلعة، دليل على أن سلطة الشيخ عبد الرحمان منهارة، لم تجازف بحياتها من أجله، لم تستعد للتضحية، عسكر الشيخ عبد الرحمان على غفلة، لقد سرقنا القلعة.

الآن يمكننا أن نطمئن على نجاح الحركة، إحتلال تالوين، السلطة في يدنا، يردد الشيخ سي محند.

سي محمد، فقيه مسجد ومدرسة البلدة، كان حاضرا في حفل الشاي، ختم الجمع، رفع دعواته بالنصر للشيخ، تنبأ للحركة القادمة بالنصر. الشيخ سي محند يعطي أوامر هذا الصباح الفريد :

أمر خازن المشيخة بإكرامه، قسط من المال، الحسني،
أمر بتعويض الكوموندو عن خدمتهم، نجاحهم في المهمة.
أمر العسكر بتجهيز العتاد والإستعداد للحركة.

خرج سي محند بعد تناول الغذاء، جهز الكوموندو حصان الشيخ، السرج الفضي المذهب، الزربية الوزكيطية، رفع الشيخ سلاحه عاليا، الخماسية المرسعة بالذهب والفضة، إنطلق الحياحة وراء الكلاب، 60 سلوكيا. في اتجاه الغابة، غابة الأركان، يوم صيد فريد، نشوة الفرح، الشيخ محاط بأفراد الكوموندو، على أحصنتهم، يراقبون الوضع، يتحسسون أية حركة من بعيد، متعة الصيد، من طقوس قادة القبائل، للتريح عن النفس، الخلص من تعب التفكيرفيالحركة، كان يوما مشهودا، ينتظره سي محند منذ سنوات : السيطرة على سلطة سكتانة !

كانت قبائل سكتانة الحاسمة في السلطة بالمغرب، التغييردائما يأتي من الجنوب، منطقة سكتانة استراتيجية في الحرب، المنطقة تمتد شرقا إلى حدود درعة، غربا إلى سوس السفلى : راس الواد، شمالا إلى حدود مراكش : أدرار ندرن، جنوبا إلى حدود الصحراء الغربية : منطقة استراتيجية في حسم السلطة.

تزخر المنطقة بعدة زوايا، زاوية بني يعقوب، فروعها بسوس، أهمها زاوية تكركوست، بلدة قرب قلعة تالوين، مركز سلطة سكتانة، مركز نزاع القبائل على الزعامة، حلم الشيخ سي محند، سيطر عليها الشيخ عبد الرحمان في الربع الأخير من نهاية القرن 19، منفتحة إلى الشرق على منعرجات إد عيسى الجبلية، إلى الغرب بمزار تابيا وتكركوست، تمتدعلى طول واد زاكموزن، مزارع أفرا : جنان زاوية تكركوست.

زاوية تكركوست، عريقة، أسس الفقيه سي محند أبراهيم اليعقوبي، في القرن 17، مسجدها الجديد، المدرسة العتيقة، دار الكناش : المكتبة ! بنى خزانين للماء ومطفية للطواريء، الأول للرجال، مرتبط بدار وضوء المسجد، بني بتقنية عالية، لنقل الماء عبر قناة، مرورا بتفضنة للتسخين، والثاني للنساء، جلب ماء الطهي، توزيع الأدوار في القبيلة : المرأة خدمة الرجل، الرجال للصلاة، النساء للمطبخ .. تمتليء المطفية قبل مرور المياه إلى الخزانين. من يزور تكركوست اليوم، لن يجد أثر لهذه المعلمة، تم تخريبها بالتمام والكمال، تحويلها إلى ركام من الأتربة، تم ردها إلأى الحفرة التي أخذت منها، عقول متخلفة :

في سنوات الثمانينات، تخرب المسجد والمدرسة، بدلت التراببالإسمنت والحديد،وقالت تطورت.

في 1956 تمت سرقة جميع كتب المكتبة، كانت دار الكناش في أيام الكلاوي، مقرا للقاضي ومجموعة من العدول، محررو العقود، لقد اختطفوا جميع هذه الكتب، ألحقوها بمكتباتهم، وادعوا أنهم يملكون مكتبات ! ذلك هو مصير جميع المكتبات بالمدارس العتيقة بسوس.

كان الفقيه يسافر إلى الشرق، لأداء مناسك الحج، يرافقه ثلة من طلبته الأذكياء، يتركهم بالأزهر بمصر، مهتهم : نسخ جميع الكتب الجديد في الشريعة، في الفلسفة، في التاريخ، في الرياضيات، في الفلك، في جميع علوم عصره. يقول عنه الأستاذ المؤرخ محمد المختار السوسي : كان الفقيه سي محند أبراهيم يضع إلى جانبه 70 مرجعا وهو محاط بطلبته يأخذون العلم، ويضيف : أخاف على مكتبة تالوين، لقد زارها في الأربعينات من القرن 20، لقد تحقق تنبؤه : سرقت المكتب، حتى مقرها تم بيعه، خوصصته، يتنازعه أحفاد الجناة.

القلعة بتالوين والزاوية بتكركوست، ركنان أساسيان في السلطة بسكتانة، العسكري والأيديولوجي، القبيلة والدين، السيطرة على الإنسان والطبيعة، الموارد الطبيعية، قوة عمل العمال والحرفيين والفلاحين، لتمويل سلطة شيخ الشيوخ بسكتانة، حتى المناجم يتم استغلالها، بووزار، الزكوندر : عملية سك العملة، صناعة الأواني والأسلحة. كان شيخ تالوين يتحكم في جميع هذه الموارد، يتعاون معه باقي الشيوخ بمختلف قبائل سكتانة، كان تصيب الزوايا مضمونا، تقام الزوايا بقرار من القبيلة، بأمر من الشيخ، يتم تعيين شيخ الزاوية من طرف شيخ القبيلة، بالإضافة إلى قلعة تالوين، سيطر الشيخ سي محند على زاوية تكركوست، جهز الحركة، طرد الشيخ عبد الرحمان من القلعة.

سيطر الشيخ سي محند على قلعة تالوين وزاوية تكركوست :

طرد الشيخ عبد الرحمان، رجع هذا الأخير إلى بلدته بأونزين، إحدى قبائل سكتانة.

طرد شيخ زاوية تكركوست، لجأ هذا الأخير إلى سوس السفلى، أيت معلا، عين خادمه أحمد عبد الرحمان شيخا على الزاوية، من إقامة الشاي للشيخ إلى رئيس الزاوية !

المقدم بورحيم من عيساوة تكركوست، يقول عن الشيخ سي محند : بو إيضان، صاحب الكلاب، يملك 60 كلبا، عندما دخل إلى قلعة تالوين، حول مزارع أفرا إلى فدان واحد، سيطر على جميع أملاك الزاوية، فرض الضرائب.

يتبع