الأرض، الحرية والديمقراطية 1

امال الحسين
2016 / 2 / 23

أجمل ما في الطبيعة : الأرض ! هي مقرونة بالحرية والديمقراطية، معادلتان يبحث عنهما الإنسان منذ نشوء الدولة.

كان الإقطاعي يحب الأرض حد الجنون، لما استأنس الإنسان الحيوان، إستثمر الأرض بعد اكتشاف المحراث الخشبي، زرع البذور التي اختزنها لسنوات، من بقايا الثمار، التي كان يتناولها غذاء لمئات آلاف السنين، تعرف لأول مرة على معنى الإنتاج بيده.

كان المرأة محور مجتمع المشاعة، هكذا مئات آلاف السنين، قبل بداية التاريخ، هي الأرض بعينها، ينبوع الحياة، يحترمها الرجل خوفا من غضبها، كان الرجل يتألم أثناء مخاضها، يعتقد أنه جزء منها لا انفصام عن منبع الحياة، هي المرأة، في انفصامه عنها انكسار وموت.

المرأة أصل الحياة، إستمدت سلطتها من الطبيعة، من الأرض، من خصبها الذي يمنح الحياة. كانت تهتم بتخزين الثمار، تدبر تربية وتغذية الأطفال، حكمت في مجتمع بلا دولة، مجتمع بلا طبقات، لم تكن في حاجة إلى دستور ممنوح، كل قوانينها تستمدها من الطبيعة، من الأرض، حتى ألهها الرجل وجعلها فوق الإنسان : تاكوشت.

لقد حكمت المرأة أكثر بكثير من الرجل، مئات آلاف السنين، كانت عادلة في حكمها، كيف لا وهي حاضنة شعبها، الرجل بالنسبة إليها جزء منها، لا انفصام بينهما، مهما تقدمت به السن، يعتبر نفسه دائما قاصرا أمامها، كل الآلهة في أول الأمر إناثا.

الملكية عدو الطبيعة، عدو المرأة، عدو الحكم العادل، عدو الحرية، عدو الديمقراطية، كان الرجل يخرج إلى الصيد، وكانت المرأة تحافظ على استقرار المجتمع، نشأ فريقان، فريق مستقر، اجتماعي، يمارس الزراعة، وفريق متنقل يمارس الصيد : الرجال.
كل ما يملكه المزارعون هو الأرض، يحرثونها بأدوات بسيطة، يخصبونها، كانت المرأة محور هذا المجتمع : المنتجون.

لما رجع الصياد من غزوات الغابات، ومعه غنائمه : الرجل، بدأيفكر في الإستقرار ! كان غيابه الطويل في مطاردة الحيوان، سببا رئيسيا في فهمه أنه مستقل عن المرأة، أنه يملك قوة أكثر من انتاج المرأة، تحدى أنوثة المرأة، انتفض في وجهها، انتزع منها الأرض والحكم، وبقيت خصوبتها بلا منازع.

إمتلك الرجل الأرض والحيوان، سيطر على أدوات الصيد والحرث، بداية عالم العبودية واستعباد للمرأة، إمتلاك الرجل الأرض والعبيد وعلى رأسهم المرأة. إمتلاك وسائل الإنتاج، أنشأ العائلة، عين رئيس العائلة : الرجل يحكم. كفى من حكم المرأة، كفى من العدل، العائلة أولا، ملكية الأرض ثانيا، وثالثا العبيد والمرأة، تم استعباد المرأة.

كبرت ملكية الرجل، الأرض توسعت، العبيد كثر، الإنتاج فائض، منازعات الملكية تكبر بين الرجال، الحرفيون صناع أدواة الإنتاج والسلاح نشيطون : إمزيلن.

الدولة هي الحل : أداة السيطرة الطبقية، فمع طبقة لطبقات، الإقتصاد مركزها، والجيش حاميها، والعبيد والمرأة خدامها، الإقطاعي تربع على عرشها.

العائلة، الملكية والدولة العناصر الإشكالية لكل معاناة الإنسان كما قال إنجلس.

الأرض، الحرية والديمقراطية هي الحل لكل هذه المعاناة.

ما دامت الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، فإن الصراعات الطبقية، تسير في اتجاه تعميقها. في مجتمع التناحر الطبقي، الرأسمالية، تم تغيير استعباد الإقطاع باستعباد الرأسمال، تغير الشكل كثيرا وتعمق الإستغلال أكثر فأكثر، يتم استغلال العمال والمرأة.
لما توسع الرأسمال الصناعي، سيطر على الرأسمال التجاري في السوق، وبرز الرأسمال المالي، مرحلة متقدمة من الإستغلال تبرز : الإستعمار.

كانت مقدمة استعمار بلدان الشعوب المضطهدة تتم عبر الأبناك : القروض، كل الأبناك عبارة عن بورسات كما قال لينين.

إنهار حكم القبيلة بالمغرب في نهاية القرن 19 وبداية القرن 20، قيام انتفاضات وثورات، في الجنوب والجنوب الشرقي، في الشمال والشمال الشرقي، هي نتيجة حتمية، تخلف إدارة دولة شبه الإقطاعية، تجاوزها العصر، بروز بداية مرحلة متقدمة من الرأسمالية : الإمبريالية.

كانت الإنتفاضات والثورات ترتكز على عامل الدين، الوطنية والدين، بين المسلمين والكفار، كانت انتفاضات وثورات فاشلة، ثورة محمد عبد الكريم الخطابي إستثناء، هي متقدمة، تزامنت مع الحرب الأهلية بروسيا، نجاح أول دولة اشتراكية، نقيض الدولة الرأسمالية.

تم هزم ثورة أحمد الهيبة، تم تنصيبه ملكا على عرشه كما قال المختار السوسي، إنهزم جيشه أمام قوة تحالف الإستعمار والإقطاعي، وتم دحر ثورة الريف، تكسير جمهورية الريف في نفس الظروف.

هزيمة هذه الثورات ليس أمرا عاديا، إنما هو درس في التاريخ، في التناقض بين الفكر الرأسمالي الذي يستغل العلم، والفكر القومي الذي يعتمد الفكر الديني، بين قوة العلم واستغلالها في التدمير، وقوة الأخلاق واستثمارها في مواجهة الإستعمار، بين قوة المشروع الإستعماري الإمبريالي، والمشروع القومي الضعيف، بين استراتيجية الوصول إلى الموارد الطبيعية الأساسية في تطور الرأسمال المالي المسيطر في السوق التجارية العالمية، وبين انهيار الدولة الإقطاعية على المستوى العالمي، وانهيار الفكر الغيبي أمام الفكر العلمي.

إن مضمون القومية الذي يعتمد الفكر الديني كقوة غيبية لقيادة مقاومة الإستعمار إنما هو هروب من الواقع الموضوعي، جهل بالتحولات الذي حدثت في التاريخ الحديث، بروز الدولة الرأسمالية، فصل الدين عن الدولة، تطور القوى المنتجة الرأسمالية، انهيار علاقات الإنتاج الإقطاعية.

دخول الإستعمار إلى المغرب لم يقع فقط بسبب القوة العسكرية، وتطور الأسلحة، إنما تم ذلك لأن أيديولوجية الرأسمال أقوى تطورا من أيديولوجية الإقطاع، بين العلم والدين.

لقد تحالف الإقطاع والإستعمار لإخضاع الشعب المغربي، بقيت الطقوس الدينية تمارس، التقاليد والعادات تكرس، الأحقاد بين القبائل تضاعف، طغيان رؤساء العائلات على باقي أفراد العائلة، يتم تكريس استغلال الرأسمال المالي.

الفلاحون تشبثوا بالأرض، تناحروا حولها، دافعوا عنها ضد الإستعمار، كانت عائلة سي محمد من العائلات الفلاحية العريقة، في جبال الأطلس الصغير الشمالية الغربية شرق، أزيد من ستمائة سنة بالمنطقة، تنحدر من الصحراء، تهتم بالعلم والمعرفة، سي محمد الفقيه الورع، عالم في علوم الدين، الشريعة، الفلسفة، المنطق، الرياضيات ..

كان قوية البنية، جريئا، لا يهاب الإستعمار، استمد أنفته من عائلة تنعم بالحرية، واعية بلعبة الحكم والسلطة، رفضت خدمة الدولة المركزية ودول الحكم الذاتي، أرستقراطية المدينة والبادية، فاهتمت بالعلم والمعرفة وقاية من شر السلطان.

تنقل سي محمد كثيرا، غادر بلدته أكدز مبكرا، بحثا عن العلم والمعرفة، حتى أصبح فقيه عصره، تزوج من امرأة فلاحة بجبال الأطلس الكبير، شمال سهل سوس، نشاطه العلمي ساهم فيتغيير قبيلته، الزواج من قبيلة أخرى، كان فقيه في قرية أنزال بلدة زوجته، أنجب معها إبنا وثلاث بنات، لحسن الثاني من أولاده.

في 1907 كان سي محمد فقيها بمسجد أمزميز، بلدة قرب مراكش، يعلم الطلبة ما تلقاه من علوم عصره، رافقه في رحلته هذه المرة ابنه لحسن، عله يتلقى شيئا من العلم والمعرفة ويتعرف على عالم أرحب، كان سي محمد يتحدث مع أصدقائه عن الإستعمار، كان ابنه سي لحسن يستمع إلى حديثهم، بعقل طفل ذكي مبكرا، دخل النصارى الشاوية، إحتلوا الدار البيضاء، إنهم الفرنسيون الكفار، لباسهم مخالف للباس المسلمين، يضعون طربوشا على رؤوسهم، أقمصة وسراويل طويلة، لا يلبسون الجلباب والسلهام، ينتعلون أحذية قوية، السباط، إنهم كفار دخلوا بلادنا، يجب مقاومة الإستعمار.

يتبع