لنتحدث، قليلا، عن أسباب الانفجار الشعبي

السيد شبل
2016 / 2 / 19

أ- أسباب الانفجار الشعبي تراكمية، والحدث الذي يكون بمثابة إشعال عود الكبريت، سبقته أحداث جمّعت الأعواد الخشبية والكبريت والحطب.. ومن يريد أن يختصر الأسباب في واحد منها، والذي يكون في الغالب آخرها، وهو: الاصطدام بالذراع الأمنية للدولة، فهو إما لا يعرف كثيرًا عن سيكولوجية الشعب، أو أنه يملك أجندة مهمتها تهميش الأسباب الأخرى للغضب، كمقدمة لعدم علاجها، و لصالح التركيز على سبب واحد، وهو تجبر السلطة، أو تجاوزها لصلاحياتها.. (وتلك أجندة ليبرالية في الإصلاح هيمنت على الساحة السياسية في الوطن العربي تزامنًا مع "الربيع"، وهي سبب المتاهة التي دخلناها ونعاني توابعها حتى اللحظة).

ب- الناس تثور في وجه القوى الأمنية، باعتبارها عنوانًا لنظام، يرفضون سياساته الاقتصادية والاجتماعية والخارجية قبل الداخلية.. 1) سياسات الإفقار التي تنتج عن استمرار النهج "الليبرالي" الذي يعزل الدولة -باعتبارها نائب عن الشعب- عن توجيه وإدارة العملية الاقتصادية، ويحيلها إلى متعهد خدمات لصالح المؤسسات المالية الدولية والشركات متعدية الحدود، 2) غياب المشروع الوطني الجامع، واختفاء البرنامج الثقافي والتنويري الحقيقي، 3) تمييع مسألة العدو الخارجي، وتلبيس المفاهيم بشأنه، وانفتاح النظام عليه ضاربًا عرض الحائط بالثوابت الوطنية المغروسة في الوجدان الشعبي، 4) دفع المواطن بإلحاح إلى التدجين والعودة للحظيرة والحياة البهيمية، تحت لافتة عريضة ظاهرها "الاستقرار" بينما جوهرها "الإماتة".. كل ما سبق، عوامل تُختزن داخل الجماعة الوطنية، وتنفجر رافضة إياها في لحظة ما.. قد يكون سبب الانفجار بسيطًا في ذاته أو صادمًا.. لكن المهم أن هذا السبب لا يمثل "وحده" دافع الانفجار.

ج- دور النخبة المفترض، هو أن تربط عوامل الغضب بعضها ببعض، وتشخصها التشخيص السليم، ليس من أجل التنظير والتقعير، ولكن حتى تجهز قائمة بالأمراض التي يعاني منها الجسد الوطني، والتي دفعت مناعته الشعبية للهيجان، وبالتالي تدفع نحو علاجها مجتمعة فيما بعد.. وتفوت الفرصة على نخب أخرى مصطنعة وغير مرتبطة بالقواعد الشعبية تريد اختطاف وتجيير أي حركة احتجاجية لتصب في صالح أجندة بعينها.

د- (وهذا مهم) الشعوب أثناء رحلتها للتطور، تعمل على تضييق وتحجيم مساحة السلطة التي تُمارس عليها، وكأنها تريد أن تعود إلى شكل من أشكال البدائية الأولى بحريتها المطلقة، دون أن تفقد النظام والحضارة أيضًا، هذه طبيعة الأمور، وطبيعة العالم كله.

لذا، ضروري أن تفهم النظم الحاكمة، هذه القضية، وتقتنع بأن أي تجاوز مهما قل حجمه، سيثير عواصف احتجاجية يصعب تحديد توابعها.. وعليه فهي مجبرة على تخفيف نزعتها السلطوية التي تمارسها عبر أجهزتها الأمنية، وأن تعيد تأهيل تلك الأجهزة من أكبر رأس إلى أصغر رأس فيها، نفسيًا واجتماعيًا، بحيث تُنزع عن العاملين فيها نرجسيتهم، التي توطنت لديهم من عقود بل من قرون مضت، فلا يرون أنفسم سلطة أو قانون، بل يرون أنهم أداة (مجرد أداة) لممارسة السلطة وتنفيذ القانون، وأن يرسخ لديهم أنهم يحتمون بالشعب، لا حماة له، وأنهم خدامًا له، لا أسيادًا عليه؛ فإن ثبتت لدى الجماعة الوطنية هذه المسألة، ستصير أكثر تسامحًا عند وقوع خطأ فردي أو استثنائي، أما في حالة غيابها، فالجماهير لن ترحم أي هفوة، خاصة وأن الحديث عن الشعب العربي المصري الذي كسر حاجز الخوف، إلى غير رجعة، في 28 يناير (رضي بذلك من رضي أو رفضه من رفضه)!.