عن قرار المرجعية بالغاء خطبتها السياسية

مهند البراك
2016 / 2 / 14

اثار قرار المرجعية الدينية العليا للسيد السيستاني بالغاء خطبتها السياسية الأسبوعية ردود افعال جماهيرية متنوعة تراوحت بين القلق و الألم وصولاً الى الإستنكار، و يحاول كثيرون معرفة الأسباب الحقيقية لذلك القرار و آفاق معانيه، لإعادة تنظيم و ترتيب تصديهم للفساد الهائل الذي يعصف بالبلاد، وصولاً الى تهيؤ قسم لتصعيد التصدي بأساليب اعلى . .
و يشير مراقبون محايدون الى ان دور المرجعية و الاوضاع الطائفية الجارية تعود الى زمان قوى معارضة صدام، و مواجهتها ضغوط اقليمية هائلة دفاعاً عن نظامه، للخوف من مجئ بديل ديمقراطي على يد المعارضة يقلب الأوضاع في عموم المنطقة، فدأبت على وصف معارضة صدام بكونها معارضة (شيعية ـ كردية) فقط بعيداً عن نضالها الكامل من اجل مجئ بديل ديمقراطي . .
و رتّبت مواقفها و (دعمها) للمعارضة آنذاك على تلك السكّة، ضمن جهود كبرى تسعى الى تحويل صراعات المنطقة الى صراعات دينية طائفية عرقية في محاولتها لرسم " شرق اوسط جديد " . . الأمر الذي تجلى بعدئذ في اصرار الأميركيين على محاصصة (سنّة، شيعة، كرد) و تغيير الجنرال غارنر بالسفير بريمر كحاكم مطلق، اثر طرح قوى معارضة صدام بديلها المتمثل بحكم وطني ائتلافي من كلّ قوى معارضة صدام (الديمقراطية ـ الكردية ـ العربية ـ الإسلامية) و اثر اصرار القوى الإسلامية بدعم دوائر ايرانية نافذة على بديل اسلامي شيعي الطابع يتمثل بولاية الفقيه الإيراني .
في وقت لجأت فيه فلول صدام الى الراية الدينية الطائفية (السنيّة) ـ التي كان قد ابتدأها الدكتاتور منذ تشكيله (جيش القدس) و الحملة الإيمانية الطائفية ـ ، و لجأت الى العمليات الإرهابية الدموية، وفي وقت شكّلت فيه الحرب الخارجية ثم اعلان احتلال البلاد مفاجأة كبرى لأوسع الجماهير، التي سادت اللامبالاة بين صفوفها و هي تعيش حرب قوات اميركية غازية ضد صدام و فلوله و فرق الإرهاب (السنيّ) القادمة من وراء حدودها الجنوبية و الغربية.
فيما سعت المرجعية الشيعية العليا للسيد السيستاني، المرجع الأكثر شعبية و نفوذاً في البلاد . . سعت الى الدفاع عن الوطن و كيانه و الدعوة الى النشاط المتنوع لإنهاء الإحتلال و الحرب الطائفية التي اشعلها الزرقاوي و منظمات القاعدة الإرهابية بدعم من الدول الإقليمية و خاصة دول الخليج بتسهيلات من نظام الأسد، و ردود افعالها المقابلة . . و دعوتها الى تآخي العراقيين بأطيافهم العرقية و الدينية، و الى العمل من اجل حكومة وطنية على اساس انتخابات لإنهاء الإحتلال . . في وقت كانت الغالبية فيه غير متحمسة للأنتخابات و للأحزاب، و اثر اعلان الإحتلال.
و يرى قسم بأنه امام اصرارات متنوعة صمّاء، هددت البلاد بالتمزق و الضياع في زمن اندلاع ارهاب القاعدة و الزرقاوي، و ردود افعالها و اقتتال الميليشيات الشيعية فيما بينها، و اعتكاف اوساط شعبية واسعة عن المشاركة في الإنتخابات سواء بتحريض مرجعيات ادّعت تمثيلها للسنة، او غيرها . . دعت المرجعية الى المشاركة في الإنتخابات في وقت دعت فيه مرجعيات السنة تلك الى مقاطعتها و مهاجمة المشاركين بها . .
حتى صارت دعوة المرجعية، دعوة لإنتخاب القائمة الشيعية 169 ـ ثم 555 ـ بإعتبارها كانت تشارك بنشاط في الإنتخابات، و دعت كل العراقيين الى الإنتخابات و الى الوحدة و التآخي و عدم السماح بضياع البلاد . . في وقت مثّلت فيه القائمة (الشيعية) تلك احزاباً و تجمعات كفاحية لم يمسها الفساد بعد، كما تغرق غالبيتها الحاكمة الآن فيه، و على امل ان تطيع تلك القوى بعدئذ وجهة المرجعية العليا الداعية الى حكم وطني مدني و تفرغ القادة الروحانيين الى الإرشاد وفق الفلسفة التأريخية لحوزة النجف، و ليس الى حكم ولاية فقيه.
و تلك الدعوة لإنتخاب قائمة 169 ـ ثم 555 ـ آنفة الذكر، يراها كثيرون بأنها كانت بداية الخطأ، لأنها جُيّرت لقيام حكم طائفي و كأن المحاصصة الطائفية تمت بإسم المرجعية، خاصة بعد تطبيقات متنوعة الأخطاء و القصد لمقلّدين في تفسير تلك الفتوى، و بعد اتخاذ عديد من سياسيي الكتلة (الشيعية) السيستاني كغطاء لهم، اضافة الى الفساد الذي صار ينخر بتلك الكتلة الحاكمة.
ولابد من القول بأن المرجعية نبّهت . . ثم انذرت و وجّهت رجال الدين بعدم الترشيح و ممارسة الأدوار السياسية الحاكمة و الإعتماد على النصح ، و نأت في انتخابات مجالس المحافظات عام 2009 عن السماح بإقحامها بشكل مباشر ومكشوف في العملية الانتخابية، بتصريحها بأنها " تقف على مسافة واحدة من جميع القوائم " .
ثم امتنعت عن مقابلة المسؤولين الحاكمين حين إشتدت المعارضة لنهج الحكومة الذي تسبب بتدهور الاوضاع في الولاية الثانية للسيد المالكي، تعبيراً عن إحتجاجٍ ضمني ودعوة للتغيير، حتى اسهامها في عدم السماح للمالكي بدورة ثالثة .
واخذ خطباء المرجعية يعلنون موقفها أسبوعياً كل جمعة، منذ الانتخابات التشريعية في آذار 2014، حتى أعربوا في خطبهم الأخيرة عن خيبة الأمل و الإستياء من العملية السياسية والوضع الاقتصادي، وتأييدها التظاهرات الشعبية في بغداد والمحافظات الجنوبية الشيعية، وانتقادها الحكومات المتعاقبة منذ عام 2003 ، وصولاً الى مراوحة السيد العبادي في قضية الإصلاحات، رغم دعم المرجعية اللامحدود له .
وتشير مصادر محايدة الى ان فهم الجمهور والساسة ووسائل الإعلام لخطبة الجمعة بأنها توجيهات أو أنها طريقة غير مباشرة لممارسة السيستاني ولاية الفقيه في الشأن السياسي العراقي، الأمر المرفوض منه، هو الذي شكّل اساساً لتقليص خطبه السياسية إلا في حالات الضرورة. اضافة الى ان عدم طاعة الحكّام لفتاوى و نصائح المرجعية رغم ماقدّمته لهم وصولاً الى فتوى الجهاد الكفائي، قد يهدد المرجعية بفقدان المصداقية و التأثير.
و في الوقت الذي تتحرك فيه بنشاط مرجعية ولاية الفقيه الإيراني لتكوين مناخ و محيط عراقي يتقبّل نظام ولاية الفقيه بغطاء تأييد مايقوم به السيد السيستاني بخطب الجمعة . . يرى قسم ان موقف مرجعيته لايعود الى الخلافات الطائفية بقدر مايعود الى سخطها على الحكومة بسبب المعاناة التي صارت لاتطاق للشعب بسنّته و شيعته و بكل طوائفه و أديانه بسبب الإرهاب و الإفلاس و البطالة، حتى طفح الكيل، و يحمّل قسم آخر مرجعية السيستاني بكونها مشاركة فيما يحصل و كان الأجدى بها ان تدعو الجماهير بسنتها و شيعتها و بقومياتها الى تصعيد احتجاجاتها و الإنتفاض على الطبقة الحاكمة في كلّ البلاد، لأنه الطريق الوحيد لحل مشاكلها و للإنتصار على داعش الإرهابية.
فيما ترى اوساط مثقفة و سياسية و اجتماعية و دينية متفتحة في موقف المرجعية هذا، موقفاً عقلانياً، لأن الصراع الجاري في البلاد ليس طائفياً ولا قومياً بقدر ماهو صراع اطراف حاكمة فاسدة ناهبة و شعب يعاني الأمرين من حكم لايبالي بمعاناة اوسع الأوساط الشعبية بسنتها و شيعتها و بكل اديانها و قومياتها، و كونه موقفاً ليس لصالح الحكومة القائمة و لايتوقع ان تكون له عواقب سلبية على الاحتجاجات الجماهيرية الغاضبة المتصاعدة، لأن المرجعية لن تصمت تماماً . .

14 / 2 / 2016 ، مهندالبراك