المتغير المجتمعى والاستجابة السياسية: مستقبل البلاد والثورة

حاتم الجوهرى
2016 / 2 / 14

يخبرنا علم الاجتماع السياسي إن أحد أهم المعايير الموضوعية التى تعبر عن قوة البنية السياسية لمجتمع ما؛ هى قدرة هذا البنية على التفاعل والتكيف مع المتغيرات المجتمعية والاستجابة لها.. ويمكن القول إن هناك علاقة شد وجذب مستمرة وأزلية ولا تتوقف بين البنية السياسية التى تميل للثبات، وبين ديمومة التغير فى المجتمعات البشرية التى تكون دائما فى حالة حركة وتطور وتبدل.

تدافع "البنية السياسية" مع "المتغير المجتمعى":
فالأصل فى البنية السياسية هو الثبات، والأصل فى الظروف المجتمعية هو التبدل! لذا فإنه وفق بعض وجهات النظر الاجتماعية: تعد قدرة البنية السياسية على الاستجابة للمتغيرات المجتمعية وتبدلها والتكيف معها؛ هى مؤشر قوة النظام السياسى وتفاعله مع حاضنته الجماهيرية والمجتمعية والتصاقه بها، وفى الوقت نفسه دفاعها عنه لتوحد مفاهيم الوجود والحياة فيما بينهما (بين النظام السياسى وأبنيته المؤسسية وبين الجماهير أو المواطنين المنتمين له).
ويظل المحك الأساسى للتدافع بين البنية السياسية وبين المتغيرات المجتمعية؛ هو "الظروف السائدة" فى مجتمع ما فى فترة تاريخية ما، فقد تمكن "الظروف السائدة" البنية السياسية من حالة الثبات والجمود لفترة طويلة، وتهمش "مطالب التغيير" ولا تعطيها الظروف التاريخية القدرة على الحركة والتفاعل، هنا تنتصر البنية السياسية لفكرة الثبات.

"الظروف السائدة" هى المعيار الحاكم:
لكن.. فى فترة تاريخية ما قد تتحول الكفة لصالح "مطالب التغيير" وتكون "الظروف السائدة" معبرة عن واقع مجتمعى حقيقى وواقعى، ترفض أو تعجز "البنية السياسية" عن التعبير عنه..! هنا ستتحول "البنية السياسية" السائدة فى ذلك المجتمع إلى قشرة خارجية هشة لا تعبر عن حاضنتها التاريخية، وسيظل المجتمع فى حالة من التدافع السياسى باستخدام مجموعة من "التباديل والتوافيق" السياسية المرحلية الضعيفة، حتى تصل "البنية السياسية" التاريخية ليقين وحتمية الاستجابة للظروف والمتغيرات الجديدة. ويتم الوصول لـ :"بنية سياسية" جديدة تعبر عن المتغير المجتمعى الجديد.. وتخلق منظومة قيمية جديدة تكون القاطرة والنموذج للمجتمع ككل.

ما المتغير فى مصر:
عجز نظريات الحداثة الأوربية الجماعية
استقبال أدوات وآليات الحداثة الفردية
الحقيقة أن البنية السياسية فى المجتمع المصرى فى العصر الحديث؛ استطاعت السيطرة على كل مكتسبات التحديث والتطور (القادمة من الغرب)، ودمجها فى الشكل التاريخى للعلاقة الثابتة التقليدية بين السلطة والمجتمع فى مصر، التى كانت تخضع لأفكار الاحتلال والقهر والتكيف والتنميط عبر أزمان طويلة، وظلت "المتغيرات المجتمعية" عاجزة عن فرض "المطالب" على "البنية السياسية" لمصر فى العصر الحديث (والمقصود بالعصر الحديث ومركز القياس هنا: هو حالة المجتمع الأوربى منذ مع عصر النهضة، طوال القرون الثلاثة الماضية).

ظرف التحول وتمكين الفرد:
لكن عندما تحولت أشكال التحديث الأوربى من نطاق الدول والأفكار السياسية الكلية التى تحكمها (كنظرية القومية أو العرقية أو العنصرية أو المادية أو الليبرالية، والتى فشلت فى إنتاج حداثة عربية)، عندما تحولت إلى أدوات فردية فى التواصل والإعلام والدعوة والتدوين وعرض وجهة النظر (بظهور وسائل التواصل الاجتماعى بتقنياتها المكتوية والمرئية والمصورة)، هنا التقطت الجماهير والحاضنة العربية الآليات وحولتها إلى صالحها، لأنها أصلا كانت فى حالة قهر طويل و"وجود مشوه"، ولم تمكنها "الظروف التاريخية السائدة" من التعبير عن ذلك. (ونلاحظ هنا اختلاف استقبال المواطن الأوربى لتلك الآليات؛ لأنه بالأساس كان يعيش فى حالة حرية وتحقق، فى حين استقبلها المواطن العربى لتمكنه وتحقق له القدرة على الحركة وإنتاج حالة جماعية من أسفل لأعلى).

لحظة الحداثة العربية الأولى: الحركة الطلابية 2000م
ولحظة "الحداثة العربية المفصلية" 2011م
هنا تحول "الظرف التاريخى" وآلياته لصالح فكرة "التغيير" المجتمعى ومطالبه فى مصر والعالم العربى، وظهرت عندنا لحظة "التحديث العربى" الأولى عام 2000م، مع الحركة الطلابية المصرية والعربية التى ظهرت دعما للانتفاضة الفلسطينية الثانية، وكانت حركة طلابية عفوية استخدمت "منتجات العصر" الفردية فى إنتاج حراكها الجماعى غير المنظم.. والتى راكمت عملها وصولا للحظة "الحداثة العربية" المفصلية عام 2011 مع الثورة العربية الكبرى فى تونس ومصر وسوريا واليمن! والتى تعد فى الأساس منتجا تلك النخب التى خرجت فى لحظة "التحديث العربية الأولى" عام 2000م.

المتغيرات الواقعية فى المجتمع المصرى:
رصدت فى كتابى "المصريون بين التكيف والثورة: بحثا عن نظرية للثورة"؛ مجموعة من المتغيرات التى حدثت فى بنية المجتمع المصرى منذ منتصف القرن الماضى، ولم يواكبها تغيرا فى البنية السياسية التاريخية لمصر القائمة على فكرة المركزية، وآليات التنميط وصنع القيم عبر جهاز بيروقراطى عبر التاريخ..وهنا يظل المجتمع فى حالة عدم استقرار حتى تعبر البنية السياسية عن البنية المجتمعية، وتردم الفجوة بينهما ويقام الجسر الواصل بين الجانبين.
أهم المتغيرات: تحول النيل فى مصر لحالة الاستئناس بعد بناء السد العالى، وتغيرت طبيعة الانتظار ومواجهة حالات النهر ما بين الفيضان والجفاف.. وأصبح المصرى أكثر حرية بنسبة ما وأقل ارتباطا بحالات النهر (بالإضافة للزيادة السكانية والكتلة التى لا تعمل فى الزراعة ولم تندمج فى الجهاز البيروقراطى).
كما أن توزيع أراضى الإقطاع الملكى، على الفلاحين العاملين بها؛ أعطاهم فى البداية حرية ما، ثم بعد زيادة السكان ودخول الأراضى الزراعية كردون المبانى، تحول العديد من الفلاحين لبيع الأرض والتجارة والسمسرة ليكونوا أكثر قربا من أفكار الحرية والاستقلال عن بنيتهم التاريخية.
وظهرت طبقة المهاجرين المصريين لدول الخليج، الذين عادوا لبلادهم بعد غربة قصرت أو طالت، ليقيموا فى أحياء جديدة خاصة بهم فى كل المدن المصرية القديمة، حالمين أنماط قيمية غريبة أكثر فردية وعزلة واستقلالا كذلك.

مؤثرات "المتغيرات المجتمعية" فى مصر بين التاريخ والحاضر:
تحول اثنان من ثلاثة، والثالث ليس فى صالح البنية السياسية..
إجمالا كان المتغير المجتمعى الأهم والأول على معادلة الشخصية المصرية التى أنتجت فكرة "التكيف" والنمطية (انظر: المصريون بين التكيف والثورة)؛ هو تغير طبيعة المجتمع الزراعية التى كانت تستوجب سلطة مركزية تواجه النهر الغاضب ما بين الفيضان أو الجفاف، وتحول المجتمع بنسبة كبيرة لمهن أكثر حرية وميل للفردية ولا تخضع فى نظامها الاقتصادى للسلطة المركزية المرتبطة بالنهر عبر التاريخ المصرى.
أما المتغير المجتمعى الثانى فكان ضعف تأثير "الجهاز البيروقراطى" وقدرته على صنع القيم وبناء منظومة التنميط، لعدة أسباب، أهمها هو المتغير الأول السابق، وظهور عدة قطاعات اقتصادية لا ترتبط مصلحتها بالخضوع له ولمنظومة قيمه، ثانيا ضعف قدرة هذا الجهاز على استيعاب الزيادة السكانية، وبالتالى نشأة هذه الكتلة السكانية بعيدا عن قيم "الدمج والتسكين" والتنميط التى كان يعبر عنها ويقوم بها ذلك الجهاز، خصوصا مع امتلاك هذه الكتلة لآليات "المواطن الفعال" من وسائل اتصال وتسجيل وتدوين ودعوة للحركة.
لكن يظل فى يد السلطة المركزية عامل واحد فقط للسيطرة على منظومة القيم المصرية وتشكيلها، وهو سلطة توزيع الأرض وتوزيع الخدمات والمنافع السيادية، وبناء الطبقة المرتبطة بالنخبة الحاكمة، إنما هذا العامل الذى كان عبر التاريخ تستخدمه السلطة المركزية فى بناء "التفاوت المجتمعى" و"المنح والمنع" وفق منظومة قيمها تعطى لمن يخضع ويتكيف، وتمنع عمن يثور ويتمرد! أصبح حاليا أداة عكسية ضدها..! فمع زيادة نسبة الوعى والحرية والتمرد والتأكيد على المطالب..؛ أصبح ذلك السلاح يثير المزيد من التناقض ويؤجج حدة "الرغبة الكامنة" فى الثورة عند القطاع الذى ارتبط بفكرة "المواطن الفعال" الذى يمتلك أدوات التعبير عنه (الأدوات التى أنتجها المشروع الأوربى كمظهر ترفى وكماليات، لكنه عند المواطن العربى المقهور تحولت لأدوات للتحديث وتحرير الذات المقهورة تاريخيا.)

ضرورة استجابة البنية السياسية للتغير المجتمعى:
ثورة 25يناير، لم تكن حدثا عابرا وطواه الزمن كما يريد البعض أن يمنى نفسه.. كانت هى التعبير المفصلى عن مجموعة من المتغيرات المجتمعية الحقيقية، على مستوى الأفراد وعلى مستوى طبيعة المجتمع المصرى التاريخية! قديما كانت "الظروف السائدة" لا تمكن "دعاة القيم والمثل" من تحويل دعوتهم إلى "حالة عامة" وسائدة، لكن الآن كل الظروف الحاكمة فى صالح تلك الفئة التى كانت تطالب عبر التاريخ بمنظومة قيمية أكثر عدالة وإنسانية!
أما "البنية السياسية" المصرية التاريخية؛ فهى تلجأ لآليات التحايل النمطية للحفاظ على طبيعتها التاريخية الثابتة (وذلك من طبائع الأمور أيضا)، فتلجأ لفصائل معارضتها التاريخية لمحاولة إبقاء الأمور داخل السيطرة ونطاق البنية التاريخية نفسها، وتوظف بدائل سياسية بحثا عن الحفاظ عن شكل تاريخى للمجتمع المصرى، ولى زمنه حقيقة وولت ظروفه وانقضت! وتحاول خلق استقطاب مجتمعى داخل فئات المجتمع المصرى لخلق "تناقض مصالح" يساعدها فى إدارة المرحلة السياسية! لكن ثمن إصلاح ذلك التناقض سيكون فادحا وعلى قدر حجمه!

الخلاصة:
لابد أن تعبر البنية السياسية عن طبيعة المجتمع، البنية السياسية الموروثة القائمة على التنميط والتكيف، فقد انتهت بلا عودة الظروف التاريخية التى أنتجتها، لأن المجتمع المصرى قد تغير على مستوى الأفراد وقدرتهم على التحرك والعمل، وقد تغير على مستوى طبيعته الزراعية القديمة التى تغيرت تماما (وهُمشت بقيتها)! ومكنته الظروف من إنتاج "لحظة حداثة مفصلية" خاصة به.
ويظل أكثر الأمانى؛ فى مرونة "البنية السياسية" التاريخية وقدرتها على التكيف والاستجابة الجادة لـ"المتغيرات المجتمعية"؛ وقدرتها على قراءة "الرسائل السياسية" المبكرة التى تعبر عن المتغيرات والمطالب! حيث كلما زادت الفجوة المرحلية بين طموحات "المتغيرات المجتمعية" ومطالبها.. وبين الواقع الذى تقدمه "البنية السياسية"، فإن ذلك ليس مؤشرا على انتصار "البنية السياسية" كما يظن البعض.. بقدر ما هو مؤشر دال على قوة "رد الفعل الثورى" الكامن والمحتوم، لتصحيح الانحراف فى المشهد ومعادلة المجتمع!
متى يدرك القائمون على الأمر، حجم "المتغيرات المجتمعية" الواقعية على الأرض؛ ليقدموا "بنية سياسية" تقوم على مؤسسات ومبادئ حاكمة جديدة تلبى الطموحات وتستجيب للواقع الجديد، كى لا يكون رد الفعل لتصحيح الانحراف قويا ومتشددا، بقدر حجم المسافة بين المطالب والآمال.. وبين الواقع وجموده وثباته على بنيته القديمة.