القضاء على داعش ، أم إسقاط الاسد ؟ حول التدخل العسكري السعودي في سوريا

عبدالله صالح
2016 / 2 / 13


الخبر الساخن الذي تردده مجمل وكالات الانباء والمؤسسات الاعلامية هذه الايام هو التدخل البري للسعودية وحليفاتها في سوريا , ماذا يهدف هذا التدخل ولماذا يأتي اليوم ؟ سؤال يستوجب التوقف عنده .
إذا ما عدنا قليلا الى الوراء نرى بأن السعودية وقطر وتركيا كانت المحور الذي ساهم وساعد بشكل كبير في عسكرة الانتفاضة السورية ضد النظام السوري ، تلك الانتفاضة التي بدأت بشعار " سلمية ، سلمية " . عسكرة الانتفاضة كان بمثابة طوق نجاة للنظام السوري الذي كان تواقاً لاستخدام السلاح ضد الانتفاضة السلمية ففعل ، واجه الجماهير بردٍ دموي قاسٍ كعادته في القمع والقتل وما لبثت أن خُمدت الانتفاضة السلمية ،وانبثقت بدلا عنها ميليشيات مسلحة تتبع هذه الدولة أو تلك وكانت الدول الثلاث ولازالت لها نصيب الاسد في رعاية ودعم تلك الميليشيات . عسكرة الانتفاضة هدف سعت اليه كل من هذه الدول الثلاث والنظام السوري معاً.
العسكرة بدأت بما يُسمى الجيش السوري الحر وتوسعت وامتدت لتتشكل مجموعات اسلامية بدأً من جيش الاسلام الى جند الشام وجبهة النصرة وداعش وهلم جراً، مجمل هذه الحركات الارهابية كانت ولازالت مدعومة من قبل الدول الثلاث وبمباركة من أمريكا والغرب فبدأت ملامح الاصطفاف الطائفي تظهر على الساحة السورية حيث جاءت إيران وحزب الله اللبناني لدعم حليفهم الاسد فاشتد الصراع وبلغ أوجه بدخول روسيا على الخط .
المآسي والقتل والدمار والتشرد الذي لحق بسوريا كبلد وكشعب واضح للعيان لاداعي للدخول في تفاصيله هنا واقل ما يمكن قوله في هذا الصدد هو ان الجماهير في سوريا هي التي دفعت ولا زالت تدفع ثمن سياسات كلا الطرفين .
الحرب في سوريا تنتظر الدخول في مرحلة جديدة بعد تلميح السعودية أو بالاحرى إصرارها على الدخول عسكريا في الحرب بداعي "محاربة داعش ومسك الارض المحررة ". الاصرار السعودي في التدخل يثير نوعا من الشكوك لدى المتابعين لهذا الحدث ، فالسعودية الآن في وضع لا يحسد علية بعد دخولها المستنقع اليمني الذي دفعت من أجله الكثير ولازالت تعاني ، فهل يمكن والحالة هذه ، للسعودية أن تفتح جبهة أخرى ربما تكون أكثر عمقا و خطورة من الوحل اليمني ؟
سؤال لا يحتاج باعتقادي الكثير من التمحيص والتدقيق للاجابة عليه . السعودية وتركيا وقطر تجمعهما مصالح مشتركة في مقدمتها الوقوف أمام المد الايراني " الشيعي " وإسقاط الاسد ومساعدة تركيا للتخلص من القوى الكوردية الـ ( PYD & YPG ) التي يتوسع نفوذها وتزداد قوة يوما بعد يوم حيث تعتبر تركيا خطر هؤلاء اكثر من خطر داعش خصوصا وان أمريكا اعلنت صراحة دعمها لهم باعتبارهم القوة المؤثرة الوحيدة التي حاربت وتحارب داعش .
السعودية بسياستها الجديدة هذه تريد ان تجمع حليفاتها في المنطقة تحت خيمة إسلامية أو عربية لمحاربة داعش شكلا، أما مضمونا فهي تسعى لتحقيق الاهداف التي اشرنا اليها سابقا . وفق هذه المعادلة فأن محاربة داعش لن تكون الاولوية بالنسبة لهذا التحالف " السني " .
السعودية هي منبع توليد الفكر الداعشي فهؤلاء الوحوش ولدوا من رحم المدارس السعودية وانتشروا ليعيثوا في الارض فسادا، ترى هل يمكن لإم جاء من رحمها هؤلاء المجرمون أن تحارب للقضاء عليهم ؟ حرب الارهاب ليست فقط حرب عسكرية وانما في الاساس حرب فكرية فالقضاء على الفكر الوهابي يجب أن يبدأ من السعودية قبل غيرها .

أما النظام الدموي في دمشق وبعد التدخل الروسي الفاعل والمؤثر فأن قواته بدأت تتقدم على الارض بخطى ثابتة وما مأساة حلب سوى نتيجة منطقية لهذا الوضع .
السعودية ،اذا ما نفذت وعدها بالتدخل العسكري في سوريا ، فان تدخلها لن يكون سوى بقوات رمزية لاعطاء "الشرعية"لهذا التدخل ومن ثم لتترك الساحة للحليف التركي الذي بات صبره ينفذ هذه الايام ، رغم ان هذا الحليف الذي يتخبط في الازمات ويخلق واحدة بعد أخرى يرى في تطبيق سياساته في سوريا وتحقيق أهدافه وسلية للخروج من ازماته الخانقة ومن جملة هذه الاهداف ايجاد منطقة آمنة على حدودها مع سوريا بحجة إيواء اللاجئين وإسقاط نظام الاسد .
وسط هذه التصور فأن محاربة داعش ستأتي في سياق تنفيذ المخطط الرئيسي وليس كهدف أساسي .
هزيمة داعش والقضاء عليه عسكريا أمر محتوم وما لا يمكن التنبؤ به هو الزمن أي المدة التي يحتاجه هذا الامر لأن كل القوى الموجودة على الساحة السورية يجمعها هذا الهدف رغم الاختلاف في جزئيات الامر ، ولان داعش عدوة الانسانية جمعاء .
التدخل العسكري السعودي إذا ما تم وسقطت داعش فماذا سيكون موقف هذه القوات بعد ذلك ؟ هل ستترك سوريا للميليشيات الاخرى المتبقية لتحارب النظام السوري ؟ الجواب باعتقادي لا ، وذلك لسبب بسيط وهو إسقاط نظام الاسد عبر دعم فصائل المعارضة ومن ثم توجيه ضربة موجعة لايران وحليفاتها الاقليمية والدولية باسقاطها للنظام .
ايران التي تحاول جني ثمار اتفاقها النووي لا زالت تراقب الوضع عن كثب دون الظهور بمظهر الخصم العنيد لفكرة التدخل السعودي وهي الآن أوكلت هذه المهمة لروسيا ، ولكن لو تحقق السيناريو السعودي فانها لن تقف مكتوفة الأيدي وستتدخل بقوة وعندها ستشتعل المنطقة وتدخل في حرب لا يمكن التنبؤ بنتائجها .