الوجود و الماهية في فلسفة نيتشه

عماد الحسناوي
2016 / 2 / 1

إن إحدى الصعوبات في قراءة نيتشه هي الغموض الذي يلف إرادة القوة: هل إرادة القوة هي الصيرورة أم هي ماهية الصيرورة ؟ تأتي هذه الصعوبة، تارة، لما ينظر نيتشه إلى إرادة القوة كوجود كما تأتي تارة أخرى، لما ينظر إليها كماهية للوجود، ماهية يبدو أن نيتشه يعود بنا، من خلالها، إلى عالم خلفي أو متخفي. إن هذه الصعوبة تجعلنا نتساءل إن كان نيتشه يستطيع فعلا الاستغناء عن الفصل بين المستوى الظاهراتي والعالم المافوق ــــــ ظاهراتي، وهو فصل كان نيتشه يختصم بشأن صحته مرات عدة. يبدو أن نيتشه، من خلال تعريف إرادة القوة باعتبارها (الماهية الأكثر إرتباطا بالوجود) يسن وحدة للمتعدد وماهية للوجود ويعود بنا إلى الميتافزيقا. فهل إرادة القوة هي رحلة العودة إلى المستوى الظاهراتي؟ إن سؤالا كهذا أثار كل أنواع التأويلات، لأن جوهره هو الإستفهام عن العلاقات بين الواحد والمتعدد وبين الماهية والوجود.إن توضيح هذه العلاقات هو النقطة الرئيسة في كل دراسة تتعلق بإرادة القوة لأنه بدون هذا التوضيح سنعاود الرجوع إلى الميتافيزيقا أو إلى التناقض( إلى الوجود بدون ماهية، وفي هذه الحالة ما الداعي إذا إلى الحديث عن ماهية الوجود) . تحتوي وجود ظاهرة كونية على بذور كل أشكال سوء التفاهم وتتعارض مسبقا تعارضا كبيرا مع نفي نيتشه الصارم لإمكانية معرفة مطلقة. لكن خطر الخلط مع وجود الميتافيزيقيين(الذي يفترض أيضا نظيرا ظاهراتيا، واستعمالا لمفهوم الظاهرة) يزداد أيضا حين يستبدل نيتشه هذه الثنائية القديمة وجودــــــ ظاهرة، بثنائية أخرى تشبههاهي: ظاهرةــــــ إرادة القوة. وبالفعل فإنه، وهو يثبت أن الظاهر هو الحقيقة الفعلية و الوحيدة للأشياء، لا يتردد في إعطائه هذا الاسم الاخر:الذي هو، بالتحديد إرادة القوة، وهو إسم تم تحديده إنطلاقا من البنية الباطنية لإرادة القوة، لا من طبعتها المتحولة والمستعصية والمائعة. إن مجرد القدرة على إعطاء إرادة القوة إسما هو أمر يتوافق مع تحديدها كبنية باطنية أهم من الظاهر، ومع تحديدها أخيرا كبنية منتجة للظاهر. لكن ما الذي يبرر هذا التعريف الماهوي لإرادة القوة؟ وبمعنى أخر: هل بإمكاننا التخلص من شروط التمثل الخاصة التي يفرضها علينا كوننا كائنات حية؟ إن المصدر الحقيقي لهذه المشكلة يوجد في السؤال المتعلق بالنفاد إلى إرادة القوة: إذا لم ننفذ إلى إرادة القوة إلا من خلال الحياة، حياتنا، فهل من الممكن جعل هذا المفهوم يمتد إلى خارج الحياة، وجعله ماهية مشتركة بين كل الموجودات، وليس مجرد تمثل حيوي؟ ..