أزمة العقل عند نيتشه

عماد الحسناوي
2016 / 2 / 1

يقول نيتشه «إن رذائل الفلسفة تعود إلى مبالغة مجنونة في تقدير الوعي». هذا الاتهام الخطير الذي يوجهه نيتشه للذهن البشري، هو إتهام يقصد أن يظهر به أن تاريخ الثقافة الغربية هو جريمة إقترفها العقل في حق الحياة. فالعقل الذي هو ظاهرة حديثة نسبيا ،هو في رأي نيتشه، شيء غريب عن كرتنا الأرضية، أي عن الحياة ولو لم نكن بحاجة إليه لما كان لنا عقل. فالعامل الحاسم في تكوينه هو الحاجة؛ وهذه ليست الحاجة إلى الإدراك بل الحاجة إلى الحسبان والتعميم في سبيل التفاهم. وهكذا فهو في خدمة الحياة، وهذا يعني أنه يشغل المكان الثاني بالنسبة للحياة. وبالفعل فمن نفع العقل للحياة نشأت الثقة فيه وفي مبادئه، وصارت له قيمة. إنه لم يكن أحد يخمن ما يضمره العقل من أغراض دنيئة: مثل إخضاع الحياة لاستبداد. لقد كان مجرد وسيلة ولكنه سرعان ما صار يريد أن يكون أكثر من وسيلة. إنه صار يريد أن يكون غاية ، وأن يصبح بفضل الثقة التي تمنح له معيار ماهو كائن وما يمكن أن يكون وما يجب أن يكون: «لأن مناطقة متعصبين تمكنوا من جعل العالم وهما، ومن العقل الطريق الوحيد للوجود والمطلق». إن الفكر عدواني بطبيعته، وبقدر ما نتقدم يطرد الحياة، ويتغلغل في العلم قادما من الخارج في شكل ألوهية تغوي الإنسان بأمثله عليا وأهدافه لا سبيل إلى بلوغها. وهو في الواقع ذو هدف وحيد هو قتل الحياة. إنه يغتصب من الحياة ومن الجسد حقوقهما، أي إرادة القوة لتصبح إمتيازا له بصورة أساسية. ويستغل الرغبة الغريزية في القوة الخاصة بالحياة كي يخضع الحياة نفسها بواسطة العنف: «إن السيد الجديد يجتاح الكرة الأرضية ويسد مسام الأرض ويحرمها من الهواء.... ويعوق مبادلاتها مع الكون الذي تحيا فيه... فهو مرعب أكثر فأكثر بقدر ما يتقدم حتى ينتهي إلى نهاية العالم ودمار الجنس البشري بأكمله». إن هذا هو السبب الأول لمعاداة نيتشه للعقل؛ أي النظر إليه كتعارض هدام مع الحياة. أما السبب الثاني فيتمثل في صلته الضرورية والتأسيسية بالحقيقة، أو في كونه السلطة التي توفر المبادئ المؤسسة للحقيقة التي تسمى والتي يعتبرها نيتشه مجرد أوهام. فابتدا من الفلسفة بترابط العقل والحقبقة ترابطا جوهريا. فمعقولية الحقبقة في الفلسفة الحديثة تفيد أن العقل بما هو تفكير الذاتية قد نصب نفسه سلطة حقوقية عليا ومتعالية مهمتها هي تحديد جوهر الحقيقة من حيث هي يقين. فالتفكير واليقين يصبحان المعيار المحددلجوهر الحقيقة. وطبقا لقواعد القراءة الجينالوجية يرى نيتشه، فيما يتعلق بنقد معقولية الحقيقة، أن خطأ الفلاسفة يكمن في الواقع في كونهم بدلا من أن يروا في المنطق ومقولات العقل وسيلة من أجل تنظيم العالم بهدف نفعي، وإذا وسيلة تتيح مبدئيا تزويرا نافعا فإنهم أخدوها على إعتبارها مقاييس للحقيقة، وبالتالي للواقع. وحقيقة الأمر أن مقياس الحقيقة الوحيد كان المنفعة البيولوجية. إن جنون الفلاسفة إتخد الوسيلة معيارا، وحولها إلى حقيقة أزلية خالصة لا تربطها بعالمنا صلة.