طعن الفيل وظله !!

تيسير حسن ادريس
2016 / 1 / 24


المبتدأ:
نخب سياسية معارضة تُحدِثُ (قرحها) بيدها، وتجلس في انتظار (القيح) تبكي وتندب حظها، ثم تسأل في غباء عن سبب انصراف الجماهير عنها يا هؤلاء أرجو أن يتحسس كل منكم (ضميره الوطني) فالشعب قد عيل صبره!!

والخبر:
(1)
انصراف الشعب واللا مبالاة الشارع السوداني بالأحداث السياسية التي تصب نحو تجفيف معطيات الحياة الأساسية لا شك يمثل حالا من "البيات النضالي" يدهش طرفي المعادلة السياسية في الحكم والمعارضة ويشير أو يعبر في ذات الوقت عن حالة بائسة من الضياع وفقدان الثقة في كافة الأطروحات التي يفيض بها الشارع السياسي اليوم وهو وضع لم تصل له الجماهير فجأة أو بين ليلة وضحى بل هو أتى نتاجا طبيعيا لتطاول فترة حكم النظام الحالي وفشله رغم الفرص التي توفرت له من أن يصيب أي نجاح فحين ظلت القوى المعارضة على عجزها غير قادرة على تقديم البديل المقنع طوال ربع قرن ونيف من الويلات والإخفاقات التي طالت كافة مناحي الحياة حتى وصلت أخيرا لعصب تماسك المجتمع ومفاصل استقراره فباتت الجرائم المروعة من فرط انتشارها تمر في حياتنا مرور المعتاد ولا تجد من يقف عندها قارعا ناقوس الخطر. فقدان الجماهير للثقة في طرفي المعادلة السياسية ينذر بشر عظيم حيث يؤكد أن عامة الشعب لم تعد تنتظر حلا يولد من صلب الحوارات واللقاءات الرسمية وغير الرسمية التي تتم بليل أو في وضح النهار بين النظام وبعض القوى المعارضة ولم تعد تكترث لسيل البيانات والتصريحات المتدفقة من هنا وهناك والتي إن استعرضنا بها البحر لسودت مياه من ثقل مدادها وما حملت عبثا من بشريات دون الوصول لحل يعبأ به.

(2)
مجمل المشهد السياسي الماثل أمام أنظار العامة اليوم يدعو للإحباط ضعف وانكسار قوى المعارضة وتقاعسها عن اجتراح فعل نضالي منتج وعقم سياسات النظام الحاكم وفشله الذريع أفضت للحظة فارقة في تاريخ السودان تستوجب ظهور قيادات رشيدة جديدة تملأ هذا الفراغ العريض ولكن واقع الحال حتى الآن لا ينبئ بالخير ولا تلوح في الأفق تباشير ظهور مصلح جديد على الرغم من الواقع مأسوي ومهيأ لدعوات الخلاص الصادقة بعد أن شارف الوطن قعر الحضيض الذي منه عادة ما ينبثق فجر الأمم من جديد هذا الوضع المذري مسؤول عن ترسخ مناخ التيه الإحباط العام ويفتح الباب واسعا أمام التفكير في المخارج والحلول الفردية ويكثف من ظاهرة الهروب الجماعي صوب المنافي القصية أو المهاجر الخليجية فالأمر بات سيان في نظر المواطن وقد انسدت آفاق حل المعضل الوطني والعقل الجمعي توقف عند منعطف مغادرة جهنم (الإنقاذ) وترك الجمل بما حمل لجماعة يعود مهندس انقلابها واحد فطاحل مشروعها بعد أكثر من ربع قرن من التربع على صهوة القرار ومصائر البلاد والعباد مصرحا لإحدى الصحف دون حياء بأنه (اكتشف الآن حقائق ومعلومات جديدة عن حياة الناس ومعاشهم كانت غائبة عنه) نعم إنه الأستاذ علي عثمان محمد طه الرجل الثاني في الدولة والتنظيم المسؤول عن ملف إعادة صياغة إنسان السودان الجديد وفق مشروع الحركة الإسلامية السودانية التي بررت ارتكابها لخطيئة خرق الدستور والانقلاب عسكريا على السلطة الشرعية في 30 يونيو عام1989م بحرصها على إنقاذ الشعب!!

(3)
ما نراه من عبث يعيد تأكيد أن الزمن قد تجاوز كل قيادات المشهد السياسي الحالي في طرفي المعادلة السودانية؛ ويفتح الباب على مصراعيه أمام قوى جديدة شرط أن تستوعب جوهر الصراع المحتدم وحقيقته وهو صراع فكريا اندلع بمجرد استيلاء الحركة الإسلامية على السلطة بالقوة ومحاولتها فرض برنامج أحادي النظرة على مجتمع هجين متعدد الديانات والثقافات فقد كمن مقتل الحراك المعارض يومها ولا زال في هروبه من ساحة الصراع الفكري مع نظام انقلابي أيديولوجي ذي مشروع فكري يناقض منظومة القيم السودانية الحاكمة لاستقرار المجتمع وتفضيله عوضا عن هذا منازلة السلطة الانقلابية سياسيا اتقاء لحرج اتهامه برفض المشروع الاسلامي الذي روجت له سلطة الحركة الإسلامية كذبا والذي تبنى معظم القوى الحزبية التقليدية أطروحاتها لتضليل الجماهير وابتزازها على أساسه؛ غرست بذرة فشل تحالفات قوى المعارضة التي تعددت في تلك اللحظة واستمرت تنتفخ كخميرة تشاكس حدت من مقدرات الفعل المعارض واقعدت بقواه الحية عن إنجاز برنامج حد أدنى متوافق ومتفق عليه للتغيير طوال ربع قرن الشيء الذي انعكس سلبا على الحراك السياسي للشارع السوداني وأدى لكفر حزب الكنبة والذي يشكل الأغلبية الساحقة من شعب السودان بكافة الأطروحات السياسية التي تراوح وتدور حول نفسها دون أن تتقدم خطوة لتلج بشجاعة مضمار الصراع الحقيقي وتقدم رؤية متكاملة وواضحة عن نظام مدني ديمقراطي وبرنامج حقيقي لإزالة العقبات التاريخية التي عاقت مسيرة استقرار وتقدم البلاد؛ وقع تحالف قوى المعارضة منذ فجر صدامه مع السلطة الانقلابية في المشاكسة البينية والمماحكات والتسويف وأهمل ضرورة لف الجماهير حول برنامج بديل يفند وينسف أساس برنامج الحركة الإسلامية يعري مخزيه التي أدت لفصل الجنوب واندلاع الحروب الأهلية واكتفى فقط بالنقد وسياسة رد الفعل البائسة وحتى ما صيغ من برامج مثل (البديل الديمقراطي) وبرنامج (الفجر الجديد) لم توضع لها اليات التنفيذ وظلت حبرا على ورق لم تسمع بها أغلبية الجماهير .

(4)
الشارع السوداني اليوم تائه بتيه أعمدة الحكمة ينقصه الوعي الثوري وخارطة طريق الخلاص وهو واجب أخفقت النخب السياسية المعارضة التي تعاني من أزماتها الخاصة في إنجازه وهي تضرب في صحاري الضياع والتيه الفكري والتنظيمي بينما الوطن يبحر بأهله على متن قارب من طين يتعذر عليه لضعف مكوناته بلوغ "جودي" الخلاص العاصم من الطوفان والمحزن في الأمر أن القوى الحية في المجتمع تدرك هذه الحقيقة ورغم ذلك تصر على عقد تحالفات مع قوى قد ماتت دماغيا لن تقدم سوى إهدار الوقت والجهد والقوى المعارضة الحية بمبرر تعقيدات الواقع السياسي تهرب من دفع استحقاقات المواقف المبدئية الحاسمة لحضن التكتيك السياسي في صراعها مع النظام غاضة الطرف عن جوهر أزمة تحالفاتها مع القوى المنتهية الصلاحية والتي تكمن في عظم تناقض المنطلقات الفكرية مما يجعل من المستحيل الوصول لبرنامج حد أدنى فعال لتغيير.

(5)
إن لم تستوعب القوى الحية في الحراك المعارض هذه الحقيقة وتغير من منهجها الكسول غير الجسور وتؤمن حقا بضرورة الفرز السياسي العميق وتستعد لدفع استحقاقاته ستظل الأزمة الوطنية تراوح مكانك سر فمن العسير السير قدما بأي كيان سياسي أو تحالف مرحلي للأمام وتنفيذ برنامج جذري للتغيير ضد النظام العقائدي الحالي دون توفر حد أدنى من وحدة الصف والوفاق الرؤيوي فاختلاف زوايا الرؤية والمنطلقات النظرية هي ما يعمق من حدة مشاكسات مكونات التحالفات المعارضة الحالية المدنية منها والعسكرية وهو من اعظم المعوقات التي لن تستطيع القوى المعارضة تجنبها أو تجاوز متاريسها في ظل تمترس كل طرف من أطرافها خلف دوافعه ورؤيته لحل الأزمة الوطنية وفق مصالحه الذاتية دون مراعاة لمصالح الوطن العليا.

(6)
اختلاف رواء مكونات التحالف لحل الأزمة العامة طبيعي ولكن ليس من حق مكون فيها غمط الآخرين حق طرح ما يرونه أصلح للحل متى ما اتبع الجميع نهج دراسة العلة بصدق وشفافية وتحديد مسبباتها بشجاعة دون الوقوع في فخ تقديم المصالح الذاتية والحزبية وإعلائها فوق المصالح الوطنية وهذه فضيلة أخفقت أغلب التحالفات المعارضة حتى اليوم في التحلي بها أو التسامي بروح التعاون بينها لتعانق مصالح الشريحة الأوسع من الجماهير المسحوقة التي تتحمل في صبر أيوب عب الأزمة الوطنية الماحقة فبينما لا يزال الآلاف من المواطنين مشردين يفترشون الأرض ويلتحفون السماء في معسكرات النزوح التي تنعدم فيها أبسط مقومات الحياة الكريمة نجد بعض مكونات التحالف المعارض تصر على إثارة قضايا خلافية عقيمة وعديمة الجدوى مثل الإصرار على إعادة هيكلة قوى الإجماع الوطني أو تجنح لمساومات ثنائية مع النظام متخلية بكل بساطة عن هدف إسقاط النظام ناقضة غزل وعودها وتعهدتها في إقامة البديل الديمقراطي ودولة العدل والقانون.

(7)
واقع المشاكسات المستمر يعيق مسيرة العمل المعارض ويدل بوضوح على أن مصالح مكوناته في تعارض وتناقض لا يسمح لها بالعمل مجتمعة في خندق وصف واحد قادر على إنجاز مهام التغيير المطلوب حيث إن هناك قوى تقليدية معارضة على قناعة بأن التغيير الجذري يضر بمصالحها الموروثة وهي على استعداد أن تصبر على طيش النظام الحالي لربع قرن آخر ريثما يرضى عنها ويقاسمها كعكة السلطة عبر مساومة ليس من الضروري أن تؤدي لحل جذري للأزمة الوطنية فما يهم هذه القوى التقليدية المعارضة بالدرجة الأولى هو كيفية محافظتها على وجودها ومصالحها الذاتية وليذهب من بعد ذلك الوطن والشعب للجحيم وانطلاقا من هذا المواقف الرمادية التي تصر على اتخاذها هذه القوى فيجدر بقوى المعارضة الحية والحريصة على مصالح الوطن أن تنأى بنفسها عنها وعن كل من ثبت عدم جديته من تنظيمات سياسية وتستعد (لحك جلدها بظفرها) بالتوجه مباشرة للشارع لبناء أوسع جبهة لقوى المعارضة الحية لإسقاط النظام وطعن الفيل وظله من القوى اللاهثة طمعا خلف فتات المساومات.
** الديمقراطية قادمة وراشدة لا محال ولو كره المنافقون.
تيسير حسن إدريس 24/01/2016